"أبو الوحش" (متاح أيضًا على أمازون) الفصل 58

اقرأ "أبو الوحش" (متاح أيضًا على أمازون) الفصل 58 باللغة العربية على مانجا تايم.

نظر إلى ذراعه الجديدة، وإلى الرموز المتعددة المخطوطة والمتغيرة باستمرار وهي تنساب فوقه كجلد سائل. غيّر عدد الأصابع المخالبة في نهايتها بفكرة واحدة وضاعف طولها ومفاصلها بفكرة أخرى، بل تسبّب في نمو ساعد ويد أخرى منها. كانت الأداة القصوى التي تلبي كل رغبة، إذ إنها امتلكت، علاوة على قدرتها البسيطة على التحول، سيطرة تامة على دماء أي مخلوق، ويمكنها حتى أن تجسد تلقائياً خادماً للسيّد الأعظم داخل أي وعاء بشريّ.

أخذ صانع اللحم ذراعه القديمة وقدمها قررباناً للخائنة ليصنع هذا الطرف. تلك التي كانت تجسيداً للازدراء والحسد، التي تدللت كل فعلة من أفعالها على خطط خبيثة وإبادة مدمرة للأصدقاء والأعداء على حد سواء. عبدها نوغل من خلال تفانيه للمدوي، لكنه لم يُمنح قط أياً من قوتها، إذ كانت بخيلة في منحها، حتى عندما كان ذلك يفيدها. لكن بفضل طقوس صانع اللحم، امتدت مخلبها المانحة للعطايا إليه، والآن تزين جسده واحدة من أذرعها الغادرة.

استشعر سلفاً كيف تخاطبه على مستوى فطري، لكن عقوداً قضاها وقفاز الجثة يقوده في كل اتجاه أعدّته لهذا. إرادته لم تكن لتنكسر بمثل تلك السهولة. سيطيع نوغل، فهذا هو مكانه في الكون. بيدق وضيع يخدم نداءً أسمى. حتى أن يصبح بطلاً والذهب الروزيّ، فقد كان كل ذلك بناءً على إيعاز مكائد السيدة المسلوخة المروية له عبر تابعها، المدوي. لكنه شعر ببعض الفخر إزاء العمل الذي أنجزه، ففي نهاية المطاف، كانت أرواح البشر وتفانيهم جائزة مرغوبة بشدة للسيادة العظمى، وقد جلب العديد من هذه الأرواح إلى حظيرتها.

بالتأكيد كان هذا مكافأته المنشودة منذ زمن لقاء عمر من الخدمة. ما إن انتهت الطقوس، حتى أطاع فوراً الأمر الأول لمحسنته. شق طريقه بذراعه المتغيرة باستمرار عبر مختبر صانع اللحم، محطماً أدواته وخدمه وأحواض المسوخ، بينما اكتفى العنكبوت العجوز بالمراقبة من ملاذه الداخلي الذي حبس نفسه فيه طوعاً. وعندما غادر نوغل مقاطعة المجاري، كان صانع اللحم الناجي الوحيد وسط دمار، وانتهت أيامه كصانع للمسوخ.

لو أنه اهتم، لتساءل عما سيفعله العنكبوت العجوز، عما إذا كان سيبقى حياً وينتظر نهاية العالم حوله أو يعبر عتبة ملاذه الداخلي ويصير تراباً. ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه نوغل. لقد عشق مكائد السيدة المسلوخة، حتى وهو يعلم أنه نفسه سيستسلم بلا شك لإحداهن ذات يوم. ومع ذلك، خدم بطوعه. هذا العالم الذي كرهه، أراد أن يراه ممزقاً ومختزلاً إلى أنقاض.

جلست تريس في غرفتها، متفحصة الرسائل والخطط التي مُنحت إياها استعداداً للحرب القادمة. لم تشك لحظة في أن المستدعي الذي كلفها سيريليوس بالعثور عليه كان سبب صداعهم الأحدث: هذا التقرير عن شيطان غضب يشق طريقه عبر المتروبوليس، قبل أن ينتهي به المطاف في أوكلاند مسبباً دماراً هائلاً داخل عاصمتها. بلا شك كان هو نفسه الذي أدى قبل عام إلى كارثة السوق الغربيّ. أخذت نفساً عميقاً ووضعت الأوراق على المكتب وتوجهت نحو المرآة الطويلة قرب سريرها البسيط.

بحذر، نزعت الضمادة للوراء لتشهد الخراب المخيط على عجالة والذي صار إليه الجانب الأيسر من وجهها. بدا الجلد أرجوانياً وأسود على طول الدرز، وشدّت الغرز جلدها بشكل مزعج، مانحة إياها ابتسامة دائمية رفعت زاوية فمها للأعلى قليلاً. سمحت لدمعة واحدة شفوقة على ذاتها بالنزول على خدها الأيمن، ثم جعلها صوت من بابها تلتفت بسرعة، ويدها ممدودة ومستعدة لإطلاق رياح قاطعة في وجه أي هجوم.

ثم تذكرت تريس أنها داخل قلعة هيلمغارتن وأنه ما من أحد سيأتي لأجل حياتها. خمنت أنه ربما كان آرن فحسب الذي أراد التشاور معها بشأن أمر ما، الآن بعد أن ترقى. عندما اتجهت نحو المدخل، وجدت الباب مفتوحاً على مصراعيه سلفاً وظلالاً داكناً يقف خارجه، وذراعه اليمنى ممتدة بشكل مزعج. ثم وقعت عيناها على وجه الشخصية وأدركت من يكون.

— نوغل؟

مضى دوق أوتافيو الأعظم بين شعبه، متفحصاً أي من مواطنيه يصلح للترقية إلى رتبة جنود مشاة في جيشه. لم يكن هناك وقت لإخضاع المجندين الجدد لطقوس غابة الزجاج، لكنه كان لا يزال قادراً على منح شظية من قوة سيّده لأولئك الذين اعتبروا مناسبين، بحيث يمكنهم القتال بقوة وقدرة تحمل متزايدتين في ساحات القتال التي ستنشأ قريباً حيث تحدّ أوكلاند هيلمغارتن. بينما واصل جولته، تساءل متى ستصل التعزيزات الموعودة من هايمدال والبابا.

نظراً لأن البابا كان واجهة كنيسة القديس الثامن، فقد كان محاطاً باستمرار بالعديد من أقوى المقاتلين داخل فرقتهم المقدسة، وتوقع أوتافيو رؤية هؤلاء الرجال يأتفون لتعزيز جيشه، فضلاً عن قوات الفرسان المرموقة والتي طال الاحتفاء بها التابعة لجيش هايمدال والتي وُعد بها. لكن الأسابيع مرت ولم يظهر أي أثر لهم داخل أراضيه. نظراً لقوة هجوم هيلمغارتن الافتتاحي والأرواح العديدة التي أزهقها الشیطان البغيض، فقد خشي أن تصل التعزيزات متأخرة جداً بحيث لا تحدث فرقاً.

لكنه ظل محتفظاً بإيمانه. ألم يكن، بقوة سيّده، قد طرد شيطان الغضب الخبيث إلى عالم سيّده النقي، حيث سيعاني لأبد الآبدين؟

— أيها النقيّ، لا تلمنا لكوننا ضعفاء، فنحن لسنا سوى نعاج في حظيرتك، نُساق تحت رعايتك.

أعطنا شظية إضافية من تلك القوة، كي نستمر في ترنيم التسابيح باسمك، غير آبهين بكل من يسعى لهزيمتنا.

ربما أزعجه الأمر يوماً، لكن نوغل كان يستمد متعة الآن من ارتكاب الفظائع بحق من يُفترض أن يقرّبهم قلبه، كلما أمرته تلك الهمسات الخبيثة بذلك. رقدت عند قدميه ضحيته الأخيرة، حفيدَة أقدم معارفه، التي قتلها نوغل بنفسه قبل عقدين. سال دمها بين قدميه، لكنّه جمعه كله مستخدماً ذراعه الجديدة، قبل أن يرفع الجثة الخالية من الحياة من عنقها ويضخّ ذلك الوقود الحيوي في عروقها مجدداً، مُغلقاً جراحها البليغة وشافياً حتى التشويه المروع في وجهها.

ثم وضعها على قدميها، نسخةً مطابقة للشخص الذي كانت تعود إليه الجثة لولا ذلك العكس الخافت لمخلوقات مرعبة داخل عينيها، لاستحال تبين الفارق.

قال لنوغل، بصوت يشبه تماماً ما تذكره من صوت تريس: "أنا أخدم".

قال للخادم: "أنت تعرف ما عليك فعله".

كان عليها ألا تلعب سوى دور ثانوي في المخططات القادمة، وكان خلقها وموت رابط مألوف آخر مرتبطين ارتباطاً وثيقاً بإثبات نوغل لولائه مرة أخرى. لكنه عاش ليخدم وقدّم كل شيء عن طيب خاطر لسيّده.