كانت سيانا ترافق ياكوب نحو النقابة لاستلام شارتيهما الفضيتين الجديدتين حين استنشقت بغتةً تلك الرائحة الكثيفة لخبث مَلَكيّ متكبّد. تجمدت ووضعت يدها على صدر ياكوب لتوقفه. كان رجل يسير متعرجاً في الشارع نحوهم مستغرقاً تماماً بما يتلوى داخل لفافة قماشيّة يحكم قبضته عليها. كان قميصه الأزرق وسترتها الصوفية السوداء إلى جانب سرواله الرمادي الداكن ممزّقة وملطخة بالتراب ودماء قديمة.
وضعت هيئة الرجل الصارمة سياناً على حافة التوتر فوراً، فضلاً عن أن الرائحة كانت تغمر أنفها أكثر فأكثر مع كل خطوة يقترب فيها.
سأل ياكوب: "ما الأمر؟"
لم تكن كتف سيانا قد برئت تماماً بعد، لكنها كانت مستعدة وستسحق هذا الخصم من دون تردد.
كان نوغيل يحدق باهتمام في اللفافة القماشية والشيء الذي يتلوى تحت غطائها. بدا أنه يقوده إلى الأمام مباشرة، لكن كان من الصعب فك شفرة نوايا كائن بهذه الطبيعة بدقة. ومن لحظة إلى أخرى، انفلت من قبضته واندفع في الشارع نحو الشخصين اللذين لم يلاحظهما سوى الآن. وحين تخلص الكائن من لفافته وانكشف بالكامل، رفع قفاز جثته نحو الزوجين.
راقبته سيانا برعب حين لامس ضوء الشمس شيئاً حول عنق الرجل فتألق ذهباً وردياً وبعث طعنة جليد في نفسها. شارة ذهبية وردية لاحظتها برعب بعد أن سمعت شائعات كثيرة عن هذه الرتبة الأسطورية داخل قاعات نقابتي هيسليك وهيكينفيلت. وفي الأثناء، كان الكائن الذي حمله قد زحف نحوهما، وبشره المكمش ورأسه المتكتل منحاه شبهاً مرعباً بأحد الفتيان الذين سُجنت معهم في سفالبرغ قبيل وفاته بسوء التغذية إثر تجربة فاشلة.
وبينما كان يزحف نحوهما، أو بالأحرى نحو ياكوب، بدا جلده يتتقشر ويحترق في ضوء الشمس كأنه وُلد في بطن الأرض ولم يُقضَ له قط أن يرى العالم العلوي.
تمتم ياكوب بجانبها: "هومونكولوس؟"
كأنه لم يلاحظ الرجل الذي كان يصوب يداً سوداء ذابلة نحوهما وراحتها للأمام. ثم داهمه إدراك ما بينما كان الكائن يموت وذراعه اليمنى تشير إليه مباشرة.
"سيانا! لقد أرسله الجد! يجب أن—"
وقبل أن يتم أمرهه، بدأ الهواء حولهما يهتز وخلعت سيانا كلتا يديها أمامها فارتدت الضربة الوشيكة لتننفجر في منتصف المسافة بين الزوجين ومهاجمهما.
اهتز الهواء وتطاير الغبار في كل اتجاه، لكن وقبل أن ينقشع، انطلقت شخصية عبر ستار الدخان وراحت تلوح بيدها كأنها تحمل سلاحاً غير مرئي. قفز نوغيل غريزياً مبتعداً خوفاً من ساحر رياح قتاليّ، ولكن حين أنهت الشخصية المدرعة ضربتها، هاجم جسمه دوي هائل من الاهتزازات ناتج عن فراغ قطعت به جوهر الهواء ذاته بضربتها. اتسعت عيناه حين صادف للمرة الأولى في حياته الطويلة شخصاً آخر مباركاً بقوة سيده كينينغ.
وبقبضة من قفاز جثته، حاول سحقها داخل قفص من الهواء المضغوط والصوت، لكنها استخدمت يدها الطليقة لصرف الضربة بطريقة ما بحيث أصابه ارتداد التعويذة وأطاح به طائراً إلى الوراء ليصطدم بجانب عربة مهجورة، مكسراً رسغه اليسرى بهبوط سيء. بزئير مغتاظ، ألقى بقوته بلا تفريق فقلب الأرض والتراب من تحت القدمين وهز عدة بيوت من أساساتها حتى بدا واحد أو اثنان منها مائلين بوضوح بعدها.
غير أن المدعية التي تقف أمامه كانت قد حمت نفسها والمتدرب في مؤخرتها بحيث امتد خلفها مكان لم تمسه اهتزازه المدمر. وعندما نهض نوغيل على قدميه، كأن على وشك إطلاق كامل القوة المتاحة لديه، فسيادته بوصفه مختار كينينغ لا تقبله دونه، لكن المدعية ضغطت عليه مقتربة وأطلقت وابلاً من الاهتزازات اضطر لاتقاء شرها بينما كان يرقص خارج نطاق حافة قطعها غير المرئية. وبينما كان يتراجع إلى الخلف مبتعداً عنها، ألوى يده اليسرى المكسورة نحو الخارج هامساً بتعويذة الانفجار المحرق.
جعلته دفقة مفاجئة من الحرارة يرمي بنفسه خارج المسار إذ أطلقت مغامرة الذهب الوردي تعويذة نار على جذعها وجهها فجأة. عرفت سيانا أن إتقان الرجل لقوى الاهتزاز أفضل من قبضتها الناشئة، لذا اقتضى المنطق أن تبقيه دائماً في موقف التراجع، لكن دفة القتال انقلبت حين بدأ يمزج ضربات صدمية مشحونة بحد أدنى مع ومضات انفجارية من لهب حارق. انتقلت بخطواتها إلى جانبه ملوحة بحافتها المهتزة نحو خصره بينما استخدمت كفها اليسرى لإطلاق صفعات اهتزازية مدمرة بالإضافة إلى ضربات موجهة تهدف إلى تسييله من الداخل.
بيد أن وعيه المكاني وخبرته في القتال كانا أروع من أن تسمح لها بتوجيه ضربات حاسمة، وبينما كانت تتنقل عبر ريبرتوار حركاتها، خشيت أن يكتشف أمرها بسرعة ويتمكن من إيجاد ثغرة في هجماتها ليستغلها.
أقبل هاسكيل جائياً نحو يعقوب، على أثر أصوات الانفجارات المدوية لتفريغات الهواء المفاجئة، بينما كان يساعد في سرداب المشرحة.
قال يعقوب: "يبدو أن سيانا قادرة على إبقائه في مأمن عنها".
تمتم هاسكيل محذراً: "ليس لوقت طويل".
سأل: "أتعرفه إذن؟"
ملاحظاً كيف كان الميت الحي يشم الهواء.
"الذي هزّم الجد".
حكّ يعقوب ما بدأ ينمو من لحية خفيفة حول قناعه في ضيق.
"حقاً؟"
أجاب هاسكيل بتمتمة موافقة.
"علينا إذن مساعدتها، ألا ترى ذلك".
دون مزيد من الحث، انطلق هاسكيل من الأرض، متقدماً نحو المعركة بخطوات واسعة، كذئب يقترب من فريسته، مع أنه في الحقيقة كان كدبّ يتمتع برشاقة السنوريات. شك يعقوب في أنه سيكون ذا نفع يُذكر عن قرب، فأخرج مجلد التعاويذ ونزع قفازه، قبل أن يدع المحاليق الشبيهة بالأعور تخترق جلد يده.
"تشين. لقد جاءتك وليمة، دُمها من أصفى الأنواع. ألا تبتغي طعماً؟"
أصدر مجلد التعاويذ فحيحاً رداً على ذلك.
تعرف نوغل على الميت الحي الذي اندفع نحوه. لقد كان ذلك نبأ سيئاً له. في العادة كان قفاز الجثث وهديته من السيّد كينينغ يكفلان له النصر في أي ساحة معركة، لكنه بات مقيداً بفضل لقائه بمن تملك قوة مشابهة. لم تكن الدعيّة مقاتلة سيئة، لكن حركاتها ظلت متوقعة. أما الميت الحي... فما زال نوغل يحمل ندوب معركتهما الأخيرة، وإن كان قد ظن أن الميت الحي قد أبيد وذهب منذ ذلك الحين، غير أن صانع اللحم يبدو ممن يمنحون أتباعاً متينين، إذ كانت الشخصية ذاتها، بتلك الهيئة المزعجة، هي من تقدمت نحوه الآن بخطوات واسعة.
تحدّث هاسكيل باللغة الكثونية محتدماً: "سأختزلك إلى أقل من رماد! لم تكن معركتنا الأخيرة سوى عرض ضئيل لقوتي الحقيقية!"
رغم أن الدعيّة كانت متوقعة، إلا أنها ظلت تبدل أساليبها، مما جعل من المستحيل على نوغل التصدي لها، لكن هذه الاستراتيجية لن تفيدها طويلاً. ومع أن قوتها على سحر السيّد كينينغ كانت بالغة، إلا أن إتقانها ظل قاصراً، مما دفعها للاعتماد كلياً على غريزتها، وإن يا لها من غريزتها. لقد امتلكت بسهولة القوة لتصبح من رتبة الذهب الوردي بنفسها، لكن نوغل لن يسمح لأي دعيّة بتلطيخ علاقته بذاك المنتمي إلى كينينغ.
استشعر سيانا وصول هاسكيل وعمل الاثنان بسرعة لدعم بعضهما البعض، متبادلين المواقع وساعيين لاستغلال أي ضعف محتمل، مما وضع الرجل مجدداً في موقف حرج بإجباره على اتخاذ وضعية دفاعية بحتة. ثم، في غضون لحظة واحدة، شقّ تمزق طويل وعنيف طريقه صعوداً على طولمقدمة جسده. كانت تلك اللحظة الفاصلة الفرصة المثالية لكي يصبّ هاسكيل قوته الهائلة في جذعه، دافعاً صاحب رتبة الذهب الوردي لكي يهوي منقلباً على عقبيه، قبل أن يرتطم بجانب فانوس حجري بصوت مدوٍّ ويسقط على الأرض.
كانت سيانا فوقه قبل أن ينهض، متصدية لهجماته الدفاعية ومبددة لها، ثم هزت حافتها المهتزة عبر جسده، قاطعة ذراعه اليمنى من جذعه، لتطلق سيلاً من الدماء. لكن لا هي، ولا هاسكيل، ولا يعقوب تمكنوا من توجيه ضربة القاضية، إذ هاجم المدينة اشتباك رياح اهتزازي هائل، مختزلاً أجزاء من السور الخارجي إلى رماد، ومطيحاً وممحياً حرفياً العديد من المنازل من حولهم. بدا الأمر وكأن الثلاثي لم ينجوا من هذا السحر المدمر إلا بسبب حضور سيانا، إذ تصدى جسدها للاهتزازات، ربما بسبب إدراكها الخاص للقوة المهتزة.
وعندما انجلى الغبار، لم يكن له أثر يذكر.
لقد خسر. بدا الأمر لا يصدق، لكنه خسر. نظر نوغل حوله وإلى الغابة التي سقط فيها. تعرف على طريقة انحناء الأشجار وكيفية نمو أوراقها. أدرك أنه ليس بعيداً عن حاضرة هيلمسغارت. ذكّرته ومضة من الألم المبرح والمذل بهزيمته، فحرك بسرعة يده اليسرى الملتهبة إلى أسفل جسده، كاويًا الجرح الملتوي المحفور عبر جلده ولحمه، قبل أن ينتقل إلى الجذع الذي لم يتبقَ سواه من ذراعه اليمنى، محكمًا إغلاقه بتسخين اللحم والشحم والعظم إلى كتلة متفحمة ومقرمشة من الجلد.
ستتعفن سريعًا، لم تكن المسألة هي ما إن كانت ستحدث، بل متى. بدا الأمر وكأن هدية قد مُنحت له من السيّد كينينغ، إذ نقلته من الموقف الرهيب الذي كان فيه ووضعتْه هنا، رغم أن الهمسات قد خفتت منذ هزيمته. خشي أن يكون محسنه قد فقد ثقفته فيه، لكن تلك الأفكار كانت عابرة وسرعان ما تبددت. لن يتم التخلص من نوغل بمثل هذه السهولة. نهض من أرض الغابة، حيث تحولت الأشجار والشجيرات إلى شظايا وفتات متناثر إثر سقوطه، قبل أن يلتقط ذراعه المقطوعة التي لا يزال قفاز الجثث عليها.
بهذا العبء، سار نحو أحياء الفقراء في هيلمسغارت. سيعينه صانع اللحم. كان ذلك أمراً مؤكداً.