كان هارمليق متقدماً عنه قليلاً في الحشد المتجمهر لمتابعة موكب ذوي الأثواب السوداء. كان معلّم الممرّات قد خلع قناعه، لكنّ ياكوب أبقى قناعه على وجهه، رغم أنّه بدا جاذباً لكثير من الأنظار.
قال هارمليق فجأة: "أتساءل كم تبلغ فداحة رائحتنا".
لاحظ ياكوب أنّ المحيطين بهما ابتعدوا قليلاً.
أجاب ياكوب: "عشتُ طويلاً في مجارير هيلمغارتن، فهذا لا شيء".
أجاب الرجل: "أنت فريد حقّاً، حتى بين المعلمين"، وبدا الأمر مديحاً رغم الكلمات.
حين مرّ التابوت المغلق المصنوع من خشب الكرز، سدّد ياكوب بصره نحو أحد الأشخاص السائرين مباشرة في ركبه. بدا كأنّ الفقد انتزع الحياة من جوفه، وبان جليّاً أنّه لم يعتنِ بنمامه منذ مدة، إذ كان لحسوه مهوّشاً وشعره ثائراً. عندما رفع بصره لبرهة، أوقد وجهه شرارة تعرف في نفس ياكوب، مع أنّه لم يتبينه تماماً. رأى الرجل ياكوب أيضاً وبدا كأنّه تجمد مكانه. ثمّ تقدم بخطى حثيثة نحوه مباشرة.
كاد ياكوب يطلق العنان لطرفه الاصطناعي وسحره الخفي، لكن قبل أن يتخذ قراره، عانقه الرجل المكلوم بحزم، واضعاً رأسه على كتف ياكوب ومطلقاً شهقة ممزقة للأحشاء.
"لو أنّني... لو أنّني علمتُ بوجودك هنا!"
في تلك اللحظة تذكّر ياكوب الرجل. كان النبيل الذي دبّر له أمر العيادة في روسكيلد.
سأل ياكوب وقد استبدّ به الرعب من الإجابة: "من في التابوت؟".
أجاب الكونت باستيان: "بيرنيله... ابنة أخي العزيزة"، ثمّ غلبته لوعة الحزن فأطلق نحيباً باكياً، كتمه نسيج أثواب ياكوب غير البشري.
كأنّه تحول إلى حجر، عجز ياكوب عن فعل شيء سوى متابعة تابوت خشب الكرز بعينيه وهو يمضي أمامه، يتبعه موكب من الخدم والأقارب عن كثب، وكلهم في حالات شبيهة بحال الرجل المعانق له. شعر كأنّ دماغه يشتعل. لقد أنقذتها. حميتها من غيوم عندما أبعدتها... لا مبرر لهذا... لماذا تكون ميتة؟ لماذا لم أُبلّغ؟ دارت الأفكار في رأسه وهو يحاول استيعاب الموقف. بدا نفسه محبوساً في رئتيه، بلا قدرة على الإفلات.
أهذا هو شعور الحزن؟ عجز ياكوب عن تذكر مروره بتجربة شبيهة من قبل. لكنّه كان رجلاً عملياً.
قال للعم الناشج: "أستطيع إعادتها".
بجوارهم، راقب المعلّم هارمليق في صمت، وابتسامة فضول ترتسم على وجهه.
بدا هَسكل منزعجاً من إصرار سيانا العنيف على استخدام سيف عاديّ، لكنه ظل يتبع خطاها وهما يخرجان في مهام النقابة. كانت المهمة السابقة تخص مخلوقاً حشرياً غريباً يحفر الأرض، ومؤكداً أنه من صنيع مرشد ياكوب. بدأت تميز نتن طبيعته الخاصة في تشكيل اللحم، أو تربية المسوخ كما سمعت ياكوب يسمّيها. كانت روائح الشياطين نقية ومباشرة وذات غاية واحدة، لكن المسوخ التي واجهوها حتى الآن: عنكبوت برأس ذئب ومخلوق حشري حافر بحجم عربة؛
كانت تحمل رائحة الخوف والدم والغضب والكبرياء، إلى جانب نَمَش خفيّ يستدعي إلى واجهة عقلها صورة إلفين المشوّه في سفالبرج. باختصار، كانت تشمئز منها بطريقة تتجاوز مجرد رؤية أشكالها فوق الطبيعية. كان شعوراً غريزيّاً يهزّ جذور كيانها. لحسن الحظ، لم ترصد الرائحة ذاتها من أعمال ياكوب، مع أن رائحة الموت كانت طاغية في أعماله، إلى جانب نفحات ضئيلة من الكبرياء الملكي والجشع المعدني.
كان أمثال إلفين يمتلكون حاسة فوق طبيعية للرذائل السبع وتأثيراتها في البشر، بحكم موقعهم الفريد بين النوعين، لكنها لم تشتمّها قط بمثل تلك الشدة في أعمال المدعو 'الجد'. بدا نسله من المسوخ أشكالاً مكثفة من الرذيلة متجسدة في العالم المادي. في البداية، شعرت بالفضول للقاء مرشد ياكوب، لكنها بعد أن رأت صنيعه واكتشفت أن هَسكل وياكوب يمقتان الرجل، غيّرت رأيها. لم تكن سيانا ساذجة، فقد علمت أن تتبّع مشكّل اللحم ومرافقه الوحش درب شوك يقود إلى أسوأ انحرافات البشر، لكنه كان إدراكاً يبعث على الرصانة أن تجد بشراً مظلمين أخلاقيّاً إلى هذا الحد، وفوق ذلك لديهم شخصيات في حياتهم يرونها شريرة وفاسدة.
أخرجها هَسكل من غيبوبة السفر بزمجرة. لقد وصلا إلى معسكر ملك اللصوص وعصابته من قطاع الطرق.
قالت للوحش: "سنقتحم من الباب الأمامي".
بشكل مدهش، بدا لغة جسده تشير إلى أنها فكرة سيئة، لكنها كانت المسؤولة. سحبت سيفها الفضيّ من الغمد الذي صنعه لها هَسكل من جلد أول عنكبوت برأس ذئب قتلاه. ثم خطت إلى العراء. استغرق قطاع الطرق بضع ثوانٍ ثمينة ليُدركوا أن مخبأهم في أنقاض مزرعة قديمة قد خُترق، وبحلول ذلك الوقت كانوا قد فقدوا ربع عددهم أمام نصل سيانا وأقباض هَسكل المدمرة. راحت سيانا ترقص في الهواء وتدور برشاقة السنّوريات، وهي تبقر بطون اللصوص ضعيفي التجهيز، الذين حملوا أجراسًا بلهاء وارتدوا ملابس لا تليق بالقتال.
بلغ عددهم نحو الأربعين בסך الكل، لكن بعد الدقائق القليلة الأولى، تقلّصوا إلى نصف دزينة وبعد لحظات أخرى، لم يبقَ سوى واحد. رقد ملك اللصوص قتيلاً، وكان هَسكل قد شرع بالفعل في فصل رأسه عن كتفيه، بينما كانت سيانا تلهو مع حارس الرجل، الذي أخبرها جلده الأسود كالفحم المنقط بنقاط بيضاء شاحبة أنه ينتمي إلى القارة الشمالية، حيث يُولد أسياد فنون القتال أسبوعيّاً، أو هكذا تقول الشائعات.
مع ذلك، ورغم هذا الإرث المرموق، بالكاد كان الرجل يبدي مقاومة. أمسك هَسكل برأس اللص المقطور الذي نالوا مكافأة أجله، وزمجر بضجر لكي تجهز على الرجل. تفادت طعنة مباغتة، ثم صفعت هجومه اللاحق جانباً، وكانت على وشك غرس نصلها في جذعه، حين دفعها الشمالي فجأة لتفقد توازنها بهواء مكثف، مما جعلها تعثر لثانية واحدة فقط، بينما طعنها في كتفها خارقاً درع العظم الذي ترتديه ومحكّاً عظم مفصل كتفها بطريقة ما.
بركلة إلى بطنه خلقت مسافة بينهما، ثم رفعت يدها وفجّرت رأسه مثل يقطينة هشّتها مطرقة، قبل أن تهوي إلى الأرض، ويسيل كمّ غزير من الدم عبر شقوق درعها. زأر هَسكل وطار نحوها وبحركة واحدة مزّق قوقعتها، ووضع يده القوية على جرح كتفها وبدأ يغمغم بكلمات أشبه بالأغاني، لكنها غابت عن الوعي قبل أن تتبين سببها.
رفع ووثترام بيرنيل من تابوتها وأهبطها برفق على النعش الحجريّ الذي كُتِب لها أن تُدفن فيه إلى الأبد. وقف الجولم قرب الجدار الخلفي الآن، يراقبه بصبر كما هي عادته كلّما خلا من مهمة. جلس الكونت باستيان على إحدى المصاطب الحجرية في سرداب الموتى الذي وجدوا أنفسهم فيه، وراحت يداه تعتصرا رأسه، بينما انشغل هارمليق بإزالة الخبث عن جسد بيرنيل بأقصى ما يستطيع. في هذه الأثناء، تركع ياكوب على الأرض الصلبة لمدفن عائلة تينغليف، حيث ترقد نعوش أجداد باستيان وبيرنيل، وقد نُحتت العديد من توابيتهم لتطابق ملامح وجوههم وغطيت بقصائد مطولة بدت كأنها تختزل جوهر حياتهم.
حيث ركع ياكوب، كان يدنس الأرض بقطعة فحم، راجماً خطوط طقس القلب التوأم. كانت تبعات الطحين قاتمة، لكنها بدت له أبسط طريقة لاستعادة روح بيرنيل الكاملة من الموت، دون الاضطرار لمخالطات الشياطين المخادعة. وافق باستيان بسهولة على الخطة، وإنْ يكن ياكوب في الحقيقة لم يكن ليمنحه خياراً. مع ذلك، لكي ينجح القلب التوأم، كان التعاون ميزة مرحباً بها، لا شرطاً أساسيّاً، ناهيك عن الوقت الذي ما زال يملك فيه ما يكفي من دم الشيطان لإجبار الرجل على الطاعة.
بعد ساعات أشرف فيها ياكوب على عمل هارمليق، حان وقت الطقوس. كلّما طال انتظارهم ساء حال جسد بيرنيله وزادت التعقيدات المحتملة، لذا حين رأى ياكوب عمل هارمليق كافياً لدرء الموت، أمر باستيان بحمل جثة ابنة أخيه إلى الرمز السحري المرسوم على أرض مقبرة عائلته. تتبعاً للتعليمات المرسومة للطقس الواردة في سفره الخاص بالموتى الأحياء والعظام، عدل ياكوب وضعية الكونت وابنة أخيه ليرقدا داخل النجمة السداسية، حيث يحيط بهما الثعبان الأبدي، وتشكلا هيئة تقارب القلب وهما يتبادلان النظرات.
صمت الكونت باستيان تماماً، وهو ما عده ياكوب علامة على أن الحزن قد غير حالته العقلية نهائياً إلى حد تعطيل وظائف منطقه وتفكيره. لكنه ضمن تعاونه، وهذا كل ما طلبه ياكوب. سار هارمليق نحو المكان الذي وقف فيه ووترام كتمثال جامد، وراقب ياكوب وهو يضع شموع الشحم البشري الست عند كل نقطة من النجمة، حيث تتقاطع مع الحلقة الخارجية. ثم ركع عند قدمي الشكلين، أحدهما ميت والآخر متبلد، وبدأ بتلاوة التعويذة.
قال: "قلبان يصبحان قلباً واحداً"، وقال: "عقلان يصبحان عقلاً واحداً"، وقال: "روحان تصبحان روحاً واحدة"، وقال: "اجمع هذين في عناق واحد واربط روحيهما بخيط واحد"، وقال: "أيها الثعبان الأبدي الرحيم الذي يحيط بنا شكل ملتف"، وقال: "اصنع من هذين القلبين المنفصلين كلاً واحداً"، وقال: "وحتى في الموت ليكونا توأمي قلب إلى الأبد".