أمضى ياكوب الأسابيع الأخيرة يمشط السراديب بحثاً عن أسرار، لكنه لم يخرج بشيء حتى الآن. ساعده هيسكل في بحثه بضعة أيام، لكنه كان في أغلب الأحيان في مهام مع سيانا، وهو ما أثار غيرته لأسباب عجز عن تفسيرها. أهلکتني شياطين أخالطها حتى صرت أعكس رذاذ رزائلها كأعراض علة تنهش روحي؟ أمضى الوايت وإيلفين وقتاً طويلاً معاً منذ أن التقيا، لكن ربما قلّ تعلق الأمر بياكوب وكثر بتأثير هذيانات الجد المتواصلة في أذني هيسكل عن روعة الإيلفين وندرتهم.
مع ذلك، كان ياكوب ضحية لغسيل دماغ الجد أيضاً. حتى الآن، كانت هناك آثار كثيرة يتساءل أهي حقاً من صنعه أم بقايا من تعاليم معلمه. لا تلم الوحش، مقولته المفضلة، ومع ذلك، ربما كانت درعاً توارى خلفه من تهمة الجبن خوفاً من النهاية التي تواجه كل البشر الفانين. حقاً، لا ينبغي للمرء لوم خنزير يتمرغ في الوحل، لكن يجدر به لوم رجل بعبقرية الجد على نقائصه العديدة. توقف مستنداً إلى الوراء بعد نبش هيكل عظمي آخر خلف ما بدا مدخلاً معقولاً لأنفاق أعمق.
لمَ أسعى لإيجاد مختبراته القديمة؟ أي نفع تجلب لي معرفة تركها الماضي؟ فتيقن، كانت تلك الشظايا المعرفية التي وجدوها قرب هيكنفيلت كألعاب أطفال مقارنة بما يعرفه ياكوب مسبقاً. مسح ياكوب أتربة القبور عن يديه بمرزره الإسفنجي. هذه تضييع للوقت... أدرك حقيقة أخرى جلية، بالنظر إلى ما تكشف له عن معلمه السابق. المعرفة التي ستنفعني تقبع بأكملها في ملكوته. في أحشاء هيلمسغارتن. في مخالبه الشحيحة البخيلة.
في أظافره الغيورة. بفضل الرؤية اللاحقة وما تعلمه ياكوب عن العالم والشياطين منذ انفصاله عن معلمه، أدرك أن الجد كان رجلاً ضعيفاً. حقاً، لقد كان عظيماً ذات يوم. رجلاً لا نظير له. لكنه الآن، إثر لقائه بفنائه البشري الهش، انكسر. لقد وقع عقداً مع كائن عظيم وحبس نفسه طوعاً في مختبره. أي قيمة لاتباع شخص بمثل هذه الطبيعة المثيرة للشفقة؟ غادر ياكوب السراديب.
حين داعب الهواء النقي جلده، خلع قناع الروائح وأخذ نفساً عميقاً. الهواء هنا أفضل من هواء المتروبوليس. هيسليك مكان ليس سيئاً للاختباء فيه الآن. لكنه حسم أمره. متى مضت ستة أشهر أخرى وأصبحت أغصانهما تابعة لشجرة ألفية، سيستدعان نهارلا ويظفران بقوة الإيلاه مباشرة من مصدرها. متى تسلحا بقوتهما المكتشفة حديثاً، سيعودان مظفرين إلى هيلمسغارتن ويمسحان وصمة الجد من المتروبوليس، ويستنزفان كل معرفته المكنوزة بأنفسهما.
أخذ ياكوب نفساً عميقاً آخر، وقد غمره هدفه الجديد بشعور عارم بالقوة. لن ينظر إلى الماضي بعد اليوم. المستقبل هو حيث تستقر وجهته.
"عذراً؟"
سأل رجل، قاطعاً خلوته بفكره فجأة. لكونه قطع تخطيطه العظيم، كاد يشطر الرجل نصفين بطرفه المعدلي المطوّر حديثاً، لكنه نجح في كبح جماح نفسه.
"ما الأمر؟"
"أأنت متعهد الدفن الجديد؟"
أمعن ياكوب النظر في الرجل صعوداً وهبوطاً. بدا من طبقة ميسورة الحال نوعاً ما، وإن ظل هزيلاً في المخطط الأوسع لهيسليك وسياساتها المقفرة بلا شك. أومأ رداً عليه.
"ممتاز. أجل، ممتاز... لدينا جثث كثيرة تحتاج للدفن في سراديبنا العريقة، كما ترى."
عبث بياقته أثناء حديثه. تساءل ياكوب إن كان ذلك خوفاً أم توتراً اعتيادياً.
"ومن تكون أنت؟"
"العمدة سيلفمون."
ألقى ياكوب نظرة أخرى عليه صعوداً وهبوطاً. بالنسبة لرجل ينبغي أن يكون في قمة هرم المدينة، لم يبدو كذلك البتة. ارتدى بدلة، لكنها بوضوح ثوب متوارث، بفتقات مرقعة عديدة وتعديل رديء ليناسب جسده المترف. حتى خدم نبلاء هيسليك ارتدوا ملابس أفاخر...
"أرى ذلك،"
كان كل ما رد به.
"إن لم تمانع، أود اصطحابك إلى المشرحة فوراً. فهناك الكثير من العمل المنجز بعد كل شيء."
"بالطبع."
"ممتاز. كما ترى، الماجستير هارمليج هناك بالفعل وقد أخذ يتذمر من تكدس الجثث."
"كم عددها تحديداً؟"
"امم، حسناً، ما يقارب المئتي جثة."
توقف ياكوب في مكانه.
"سأذهب لإحضار خادم لي، انتظر هنا."
"أجل، بالطبع. ممتاز."
بعد التأكد من حفظ قطع الأغصان في قبو البيت الذي يقيمون فيه، اصطحب يعقوب ووترام معه إلى مدخل السرداب حيث التقى بالعمدة. كان الأمر غريباً، لكن العمدة لم يبد أي انزعاج يُذكر من مظهر ووترام. صعد الثلاثة في زقاق ثم عبروا نصف شارع، حيث انعطفوا مرة أخرى نحو زقاق ووجدوا منحدراً كبيراً يؤدي إلى قبو مبنى مربع الشكل. عندما مروا عبر بوابة كبيرة قابلة للرفع، أدرك يعقوب أن المنحدر صُنع خصيصاً للعربات التي تنقل الجثث إرادةً ورجوعاً من القبو.
في الأسفل، عرّف العمدة يعقوب ببلادة على المعلم الذي حمل اسم هارمليج. كان المعلم أكبر سناً من يعقوب بنحو عشر سنوات، لكن تحديد عمره بدا عسيراً بالنظر إلى مرض خبيث شوه نصف وجهه وبدو أنه شلل يده اليمنى. كان شعره لبدة سوداء كثيفة، وعينه السليمة تحمل قزحية زرقاء بقطرات بنية. بدا بقية وجهه كآثار حرق كيميائي، وقد ذابت العين اليمنى في جلد الخد. أما أنفه وفمه فبدا بحال جيدة.
أول ما نطق به الرجل: "ألديك واحدة أخرى من تلك؟"، مشيراً إلى قناع يعقوب.
أجاب: "ليس لدي."
"يا للعار. استخدمت سدادات شمعية في أنفي، لكنها لا تبدو قادرة حقاً على حجب الرائحة الكريهة. إنها مقرفة للغاية."
"لا تقلق! تَرى. هذا الرجل هنا هو المعلم—"
قال يعقوب: "جودارد."
تساءل هارمليج: "حفار قبور جديد؟"
"نعم، حقاً."
وبّخ العمدة قائلاً: "حان الوقت لذلك! استغرقت وقتاً طويلاً بما يكفي لاستبدال الأخير!"
العمدة سيلفمون، عوضاً عن الدفاع عن كبريائه، خفض رأسه اعتذاراً. رمق هارمليج يعقوب بنظرة تقييم.
"لست مجرد حفار قبور، أليس كذلك؟"
نظر يعقوب إلى العمدة الذي بدا كأنه أدرك أنه لم يعد مرغوباً فيه فهرب بخطوات متسارعة صعوداً عبر منحدر القبو.
بعد مغادرة العمدة، أجاب يعقوب: "براعتي في الاستدعاء وصنعة اللحم."
لم يكن متأكداً لماذا شعر برغبة في البوح للمعلم، لكن ربما لأنه لمس فيه روحاً شبيهة، أو ربما طيش ناجم عن ثقته بهدفه الجديد المتمثل في الإطاحة بسيده.
"استدعاء، ها؟"
أومأ يعقوب برأسه.
"وخادمك هناك، هل أُصيب في التقدير حين أقول إنه صُنع من العظام؟"
رد يعقوب كأن الفرق مهم: "عظام بشرية."
ضحك هارمليج.
"لقد مضى وقت طويل منذ أن قابلت معلماً يملك شجاعة حقيقية."
أجاب يعقوب: "كل ذلك في سبيل السعي وراء المعرفة."
ثبّت المعلم نظرة صلبة من عينه السليمة عليه.
"قد يكون بيننا مشترك أكثر مما ظننت."
أطلق يعقوب زفيراً من بخار مستهلك، ثم قال: "إن أخبرتني بما تُعدّ له، فسأصنع لك قناعاً."
وأشار إلى كومة الجثث المحيطة بمحطات العمل القليلة في القبو.
"فالموارد وفيرة هنا على أي حال."
ابتسم هارمليج رداً على ذلك: "الحق يقال، لقد بلغت التبلد تجاه الرائحة الآن، لكنني لن أرفض العرض. أنا معلم مسببات الأمراض. دراستي هنا تدور حول التيفوئيد الطفيلي المنقول بالبراغيث. لقد ضربت هيسليك بشدة، واستأجرني اللورد كارستين من نقابة التجار في العاصمة لأجد علاجاً."
سأل يعقوب بصدق: "أهناك علاج؟"
"بالطبع، وإن كان يعتمد على الفرد. في الوقت الحالي، الأمر قائم على أساس العلاج، لكني أخطط لبناء حل استباقي."
نظر يعقوب إلى التركيب الغريب للعدسات والتلسكوب المثبت أفقياً. تذكر زجاج العدسة المقربة الذي أهدته إياه بيرنيل.
"ولهذا الغرض، تستخدم هذه النظارات المقربة؟"
لم يجب هارمليج، بل التقط قطعتين من زجاج شبه شفاف تماماً مضغوطتين معاً، ثم وضعهما تحت التلسكوب الأفقي وأشار ليعقوب بأن ينظر عبر العدسات الموجودة على مستوى العين. اضطر للانحناء قليلاً ليدخل فيهما، وحينها رأى صورة ضبابية لأشياء تتلوى حولها. بدت كحبات الفاصوليا ذات لواصق طويلة تشبه المجسات.
"أهذا...؟"
"أنت تنظر إلى الطفيليات المسببة للتيفوئيد."
"فاتن."