كان ياكوب يتأمّل وجوه الفلاحين الثلاثة داخل كوخ الجزار الذي استعاره. توزّعت الوجوه شِقَعاً من الجلد وغضاريف الأنف، وتساءل إن كانت ستفي باستدعاء نارلا. لم يكن يهمّه في الواقع إن اضطروا لجمع المزيد. أثبتت سيانا أنهما قادرة على بلوغ الكمية المطلوبة بسهولة إن استخدمت القناع الإلفيني. كان يحاول بناء مكون داخلي جديد ليده الاصطناعية، مستخدماً خلطة من الفولاذ وعظم الأيل.
بدا وتد الإطلاق القابل للقذف متطرفاً بعض الشيء بالنسبة إليه، نظراً لكونه ليس مقاتلاً بارعاً. أخبره مارل أنه يجب أن يستدعي أخاهم الأكبر سارل، ويستخدم روحه وقوداً لتصميم سلاحه الجديد، لكن ياكوب ظل متوجساً من تسليم الكثير من قدراته للشياطين. علاوة على ذلك، لم يغدُ مارل وبورل أداة ممتازة إلا لقدرته على العمل على جثثتيهما الطبيعيتين، ولم يظهرابشكليهما الطبيعيين إلا لخصوصيات هالة مامون وجذبه.
لو استدعى سارل، فلن يخرق الحجاب سوى روح الشيطاني، ولن تجدي رموز التحت أرض التي استخدمها هيسكل لربط الشياطين في قفازته ومريوله. أخرج ياكوب من تأمله دخول سيانا من باب الكوخ، ملوحة بمنشور مهمة جديد فوق رأسها بانتصار.
قال هيسكل: "هذا مسار محتمل آخر نحو أحد مختبرات معلمك!"
أعاد ياكوب بصره إلى العمل غير المكتمل أمامه، ثم نهض عن المقعد وتبعه الإلفينية خارج الباب. فهذا يكتسي الأولوية بالتاكيد.
ما إن دخل نوغل مدينة هيلمسغارتن عبر البوابة الشرقية، حتى أدرك أن الحاضرة قد تغيرت جذرياً خلال السنوات الست الفاصلة عن زيارته الأخيرة. لم يطُل الوقت حتى بلغ نبأ قدومه الحرس الملكي؛ فرغم بداستهم كمن يستعد لحرب وشيكة، خصصوا له مرافقين وأعاروه عربة لتعبر الأحياء المضطربة الفاصلة بين البوابة الشرقية والحي الملكي. وبينما كانت فرق الحرس منكبة على التجهيز للحرب على إمارة أوكلاند، غرق مواطنو هيلمسغارتن في خضم فوضى تجنيد القادرين، ونقص الغذاء نتيجة مشاكل في نقل البضائع من هايمدال، وأعمال النهب والاحتجاجات في شوارع الأحياء العامة، إلى جانب عشرات المشاكل الثانوية الأخرى.
كان نمط الاضطراب هذا مألوفاً لديه بما يكفي لعزوه إلى رحيل قائد قوي، تمثل هنا في الملك أوبريك، الذي حكم بابتسامة ظاهرة وسيف خفي فبلغ ذروة النجاح. بدا أن وارثه الملك باتريخ الأول يفتقر إلى دهاء أبيه، إذ دمر، خلال شهره الأول على العرش، التحالف مع دولته التابعة أوكلاند. لكن هذا أيضاً كان نمطاً مألوفاً، هكذا حدّث نوغل نفسه بينما كانت العربة تتخبط فوق حصى ساحة الأسلحة.
فكثير من الأبناء الطموحين يسعون لتقويم أخطاء آبائهم المتخيلة، وبما أن أوبريك بدا لقمة سائغة لمن لم يبرحوا جهلهم به، فقد كان بديهياً أن يتحول وارثه علانية إلى شفرة فولاذية تسحق كل معارض ومنافس لعرشه. أدرك أن البقاء في حظوة ملك كهذا يتطلب الملق ومداعبة غرور الرجل. أطلق نوغل تنهيدة. كانت هذه الصراعات تافهة دونه، فدعوته الحقيقية تخدم كياناً أسمى تمتد حبائكه عبر عشرات الأجيال.
وأمام تعقيد خطط كهذه، بدا ملك ناشئ وحربه القائمة على الكبرياء عبثاً مطلقاً. غير أنه سيلعب دوره أيضاً في النهاية، وكان دور نوغل دفعه نحو المسار القويم، لتبلغ خطط النواح المهموسة غاياتها.
قال نوغل للمستشار الهرم: "لقد تقدمت في السن"، وعانق ذراعه بقربة تكاد تخلو من الغرابة.
فقد عرفا بعضهما منذ زمن طويل.
"وأنت تبدو كمن لم يتقدم يوماً... رغم أن ندوبك قد تواثرت."
أومأ مغامر الوردة الذهبية.
"وحروقك؟ تبدو حديثة."
"اصطدمتُ بشيطان شارد ورياحه اللاسعة."
"لا شك أنها ذاتها التي شقّت ندباً عبر مدينتنا الجميلة."
هزّ نوغل كتفيه.
"لكن... لماذا أنت هنا يا نوغل؟"
"تلقيت نداء عاجلاً من أحد مقدمي الحرس الملكي. ذكر أحداثاً شتى تقع دفعة واحدة. أتيت هنا متسائلاً عما إذا كان سيد أعماق المجاري قد تحرك مجدداً."
أطلق سيرليوس تنهيدة ثقيلة.
"لا أعلم حتى من أين أبدأ."
"اختصر خلافتك."
وقف نوغل إلى جوار سيريلوس يمليان الأعين على جثة متحللة لوحش غريب. كانت كتلة منشطرة من عدة بشر حاولوا تقمص هيئة مخلوق أسطوري بدمج العظام واللحم والشحم.
قال: "لا فكرة لدينا عما يكونه هذا، لكن الواضح أن فاجعة الملاذ هي ما أوجدته مع غيره من المسوخ العجيبة".
أومأ نوغل برأسه. لقد كان ذلك أثراً جانبياً لتعاويذ العالم السفلي القوية. أشار إليه سيده المطاع النادب مراراً في أحلامه الصاخبة بوصفه مسخ الفراغ سيء التدبير. مثلما سمحت السحر المحيط بتمائم العناصر والطقوس المعقدة، كذلك كان الفراغ بين النجوم وقوداً قوياً لطاقة لا متناهية تتوسع أبداً، مما سمح للمطلقين، كالنادب والسيدة المسلوخة، بممارسة سحرهم. قلما حملت التمائم العادية آثاراً جانبية فوضوية، لكنها لم تكن نادرة في تعاويذ العالم السفلي الخاصة بالكيانات الكونية، نظراً لطبيعة العنصر الفوضوية التي تغذيها.
طالما تساءل عما إذا كان هناك مطلق بلا اسم تخضع لسلطانه طاقة الفوضى وحدها، وإن وُجد كيان كهذا لجارى المراقبد أو الخالد بقوته، لكن الفوضى بطبيعتها مستعصية ولا تُبرمج، فلعلها كانت كذلك فحسب.
سأل: "أبقي غيرها؟"
أجاب: "كل ما أسرناه مات، ولست ندري سبباً لذلك، سوى أن هناك واحداً عتا على محاولاتنا قتله وألقى بنفسه نحو الأحياء الفقيرة ومدخل المجاري الكبير هناك. نظراً لوعورة الأنفاق العميقة، سيما في الآونة الأخيرة، رأينا من الحكمة ألا نقتفيه، ونرجو أن يحتذي حذو أقرانه فيهلك قبل أن يعيث فساداً أبعد".
قال له نوغل: "إنه يبحث عن ملك القاع".
أومأ سيريلوس وكأنه وصل إلى النتيجة ذاتها.
سأل: "لكن لأي غاية؟"
هز نوغل كتفيه.
"لا يهم. سأتعقبه من أجلك على أي حال، لتطمئن نفسُك إلى أن الأعماق لا تؤوي غير شر واحد".
دلك المستشار العجوز أرنبة أنفه.
"وهناك أيضاً أمر الشيطان الخالد الذي لم أحدثك عنه بعد".
سأل: "وقل لي أرجوك، أي مستدعٍ بلغ به اليأس أن يستدعي مخلوقاً كهذا؟"
أجاب: "نفس الشخص الذي نظن أنه وراء فاجعة الملاذ".
سأل: "هذا التابع لملك القاع؟"
رد: "حقاً".