كان باب كوخ صانع الفحم مشرعاً، ولم يختَرِق ضوءُ الغسقِ الظلالَ بعد. كانت خيوط الضباب تتسلل في الأرجاء، ومع السحب الكثيفة فوق الرؤوس، بدت وكأنها تمتص ألوان المكان. أمام الكوخ، رقد فرنٌ باردٌ فارغ، وعلى الجانب الآخر منه سقيفةٌ نصف مملوءة بالحطب. استقرت فأسٌ جيدة على الأرض، كأن أحداً أسقطها ولم يُعِدها إلى مكانها. راقب هونغ فاي المشهد من حافة الفسحة. خلفه، وقف فريقه الصغير من المنفيين بين الأشجار.
كان الشجرُ هنا أقل كثافة، إذ روّض صاحب الكوخ شيئاً من غابة الجزيرة الخضراء التي لا تكاد تترك شبراً. رأى أتباع هونغ فاي ما رآه، وبدا عليهم القلق نفسه. تقدمت العمة لينغ لتقف بجانبه. شمّت الغرير العملاقة الهواء، ودارت أذناها وهي تنصت للهدوء المريب. طقطقت بأسنانها طقطقةً خافتةً تطرح سؤالاً.
أجابها هونغ فاي بصوت خفيض: "لا يروق لي هذا أيضاً، لكن لا أثر لعنف. لظننتُ المكان مهجوراً لولا الفأس. لا يتركها عاقلٌ هكذا، ولا يتركها عرضةً للمطر".
همهمت العمة لينغ موافقةً. نكزته بكتفها، ففهم أنها تطلب استكشاف الأمر عن كثب.
قال هونغ فاي: "الأفضل أن نذهب معاً. وحشٌ روحيٌّ وحده قد يثير الذعر".
التفت إلى خلفه وقال للبقية: "راقبوا الغابة، تحسباً لأي طارئ".
لاحظ بارتياح أن أيديهم كانت على أسلحتهم بالفعل، بمن فيهم أصغرهم. كانت الصغيرة رويون، ذات الاثني عشر ربيعاً، تقبض على سكين. وبجانبها وقفت أمها كانغ ليان، متسلحةً هي الأخرى، كجدارٍ يحمي ابنتها. وفي الأثناء، حمل العالم سون هان والدوقة يو نينغ سيفين، بينما قبض كاهن الدم داتو على هراوته الشائكة المريبة. بدا الرجل ضئيل الحجم كأنه فتى في مقتبل العمر من أبناء الشعب، فقد توارى أصل المتحول البربري.
حتى حصان هونغ فاي، مطر الصحراء، طأطأ رأسه وضرب الأرض بحافره، معلناً استعداده لتلبية نداء المعركة. تحرك تلقائياً ليحمي الحمار، فقد استشعر كليب كلوب التوتر المتصاعد. حين رأى الجميع في حالة تأهب، دخل هونغ فاي الفسحة وتوجه مباشرة إلى الباب المفتوح. توقف على مسافة رمحٍ ليرى ما يمكن كشفه من هناك، لكن العتمة استعصت عليه، فدفع بلمسة من جوهره إلى عينيه، ثم زادها قليلاً ليعوض سطوع المشهد الذي صار مزعجاً.
كان أثاث الكوخ شحيحاً: سرير مغطى بفراء محاك، ورفوف للتخزين، وموقدٌ بارد كبرودة الفرن. تدلت أرانب مسلوخة من العوارض الخشبية، إلى جانب حزم من الأعشاب المجففة. تسلل هونغ فاي إلى الداخل. كان المكان منظماً، فيه مساحة تكفي للحركة من جانب لآخر لا أكثر. خطوة واحدة أوصلته إلى السرير الذي رُتّب بعشوائية. دقق النظر في الأرانب، فلاحظ أن اللحم قد جفّ قليلاً. أنزل إحدى الذبائح، طرد الذباب الذي كان يختبئ في جوفها، وشمّها.
قدّم الذبيحة للعمة لينغ لتشمها.
"قرابة ثلاثة أيام، أليس كذلك؟"
تحرك خطم الغرير العملاقة وهي تشم اللحم. أومأت العمة لينغ برأسها ورفعت مخلبها لتشير إلى الفأس في الخارج، ثم إلى الأرانب.
وافقها هونغ فاي: "أجل. قد يغادر الناس لزيارة مكان ما، لكنهم لا يتركون الأمور على حالها هنا".
نقّب بين الأغراض على الرفوف.
"ماذا يخبركِ أنفكِ أيضاً؟"
نقرت العمة لينغ بمخلبها نقرةً واحدة على الأرض الصلبة.
فسّر هونغ فاي: "شخص واحد كان يعمل هنا".
جثا ليفحص رماد الموقد، ثم أزاح السرير ليرى إن كان ثمة شيء مخبأ تحته.
"لا أظنه كان يسكن هنا، فالممتلكات قليلة جداً. حتى أفقر الفلاحين يملك زينةً أو اثنتين. هذا مكان للعمل فحسب. أما السكن ففي موضع آخر".
شمشم الغرير المكان، ونكزت هنا وهناك، ثم خرجت. راقبها هونغ فاي وهو يمسح على لحيته التي صارت ثائرة بعد أربعة أيام من السفر. التفت حول نفسه، لكنه لم يرَ شيئاً آخر. في الخارج، وجد العمة لينغ تشم الأرض ككلب صيد، تقتفي أثراً غير مرئي بين الكوخ والفرن وسقيفة الحطب. قادها المسار في النهاية إلى حافة الفسحة البعيدة، حيث ترتفع الجبال أمامها، وهي سلسلة من القمم تمتد من الشمال إلى الجنوب.
سار منفيّو هونغ فاي على طول تلك السلسلة، حيث تتحول الطرق المتجهة جنوباً إلى دروب ترابية، ثم إلى مسارات بلا اسم، قبل أن تتلاشى تماماً. كانت الخريطة التي يحملونها تضم خطوطاً تعد بمسار واضح إلى الشواطئ الجنوبية للجزيرة، لكن تلك المسارات بدت من خيال راسم الخريطة لا من واقع الأرض.
كأنها تقول: "استمر في اتباع الجبال وستصل إلى مبتغاك. يوماً ما".
لو التقى هونغ فاي بصانع تلك الخريطة، لعصر عنقه. اضطر رفاقه لترك عربتهم؛ فرغم صغرها بما يكفي ليجرها حمار واحد، لم يكن ثمة مكان لها وسط وفرة الغابة. كان المنفيون التائهون قد استبشروا خيراً حين عثروا على كوخ صانع الفحم، فقد يسمح لهم صاحب العمل بالمبيت، والأهم من ذلك، الحصول على توجيهات وتحذيرات بشأن الأخطار القريبة أو المسارات المسدودة. لكنهم لم يجدوا إلا فراغاً يبعث على الريبة.
تمتم هونغ فاي لنفسه: "مع ذلك، يحتاج صانع الفحم إلى مكان لبيع بضائعه. لا بد أن ثمة قرية قريبة".
بدأ مطر خفيف بالهطول، فملأ الهدوء بقرع القطرات على الأشجار المحيطة. عدّل هونغ فاي قبعته. التفت إلى البقية، مفكراً في كيفية ترتيب أمره.
جاهد نفسه، متجاهلاً قواعد اللياقة بين ضابط ونبيلة في مكانتها، ونادى: "نينغ الصغيرة، معي".
كان الاثنان يتظاهران بأنهما أب وابنته، ولم يعتد على ذلك بعد. أن يكون المرء عفوياً مع أهل بيته شيء، أما دوقة — حتى لو كانت منفيّة في السادسة عشرة — فشيء آخر.
أجابت وهي تهرول نحوه: "أبي".
لاحظ أن وجهها مشدود، وعيناها الداكنتان تخفيان مشاعر جمّة. كانت نظرةً رآها هونغ فاي من قبل في عيون الناجين من المذابح. أخبرته بأنها تركز على ما هو ضروري حالياً، كي لا تنهار. كان إبقاؤها قريبةً ومشغولة قراراً صائباً، حتى لو عنى ذلك وضعها في طريق الخطر. سلّ سيفه، نصل من الفولاذ الأزرق نهبه من أعدائه، مما دفع يو نينغ لسحب سيفها هي الأخرى.
"جهزي الجوهر والتشي، لكن لا تستخدميهما الآن. ابقي قريبة، لأتمكن من حمايتك".
أومأت برأسها، واتجهت عيناها نحو المنحدر الصاعد. كانت العمة لينغ قد سبقتهم.
أمر هونغ فاي البقية: "سنخيم هنا الليلة، لكن ابقوا متيقظين. دافعوا عن أنفسكم إن لزم الأمر، ولا تترددوا في التراجع. سنجدكم إن حدث ذلك".
رغم إيجازها، حملت أوامره دلالات إضافية لبقية أفراد فرقته، أولئك الذين كانوا حلفاءه المستدعين: سون هان، وداتو، ومطر الصحراء. كان يثق بقدرتهم على التصرف باستقلالية، وكان بإمكانه دائماً تتبعهم باستشعار مواقعهم.
سألت يو نينغ بصوت خافت: "ما الذي حدث برأيك؟"
انحنت زوايا شفتي هونغ فاي، وقطب جبينه مفكراً.
"من المبكر الجزم، لكن حدسي يخبرني أن صاحب الكوخ قد مات".