قبل أن يتوجها نحو المبنى، تفحّصا بقية معالم الكابا… مع أنها لم تُسفر إلا عن بضعة مداخل إضافية لعشّ المجهولين وما بدا وكأنه بضعة مزارات. كان انتشار مخارج عشّ المجهولين مقلقاً بحق، وبدأ جون يشتبه في أن المكان قد يشبه مدينة ملعونة بالأسفل. كان لديهم ذلك الهراء الخاص بالتواء المكان كلّه، بعد كل شيء. استطاعوا النزول — وإنزال غنائمهم — عبر جذع الشجرة الضيّق ذاك، فلم يكن الأمر طبيعياً.
ومن يدري إلى أي مدى تمتد الشبكة في الأسفل؟ الرحمة الوحيدة تكمن في أنهم ليسوا أفضل الحفارين على الأرجح، نظراً لأنهم لم يحاولوا الحفر نحو حصنه بل حاصروه، لذا فمن المرجح أن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن يصطدموا بالسطح بمجرد أن يُسقِط المداخل. راودته فكرة عن كيفية فعل ذلك، والآن بعد أن تفكّر فيها بعمق أكبر، ربما أصبحت لديه فكرة سديدة عن كيفية تحقيق ذلك… لكنّ الأمر سيطلب خطوط رؤية واضحة وطويلة، وهو ما لا يُستطاع بلوغه إلا عبر الطيران.
كان من حسن الحظّ أن المجهولين لا يستطيعون الطيران. مع أن ما ذكرته يوكي عن الطفو كان صحيحاً، فإن كان أحدهم متمرّساً وقادراً على التحليق بالمشي أو القفز من على هواء متصلب، فقد يعني ذلك أن المجهول الأكبر قادر على الطيران، بطريقة ما. كانت تلك الفكرة مرعبة، وكره أنّه توصّل إليها. هزّ رأسه ليعود إلى الحاضر بينما كانت المجموعة تتوارى خارج نقطة الإنزال المشتبه بها، وتتسلّل عبر الغابات بحذر شديد.
همس بصوت بالكاد يسمعه هو نفسه، لكنه عرف أنها ستسمعه: "أتشعرين بشيء يا يوكي؟".
أثار سمع الكيتسونه اللعين حسده في بعض الأحيان. ثم فكر في مدى استحالة العيش في مدينة إن كان لك جار ذو أطوار غريبة. وتوقّف عن الشعور بهذا القدر من الحسد بعد ذلك. استنشقت الهواء، وارتجفت أذناها في اتجاهات شتى، كمركبات لالتقاط الإشارات تمسح الغابات. اعتلَت وجهها كشرة، وقامت بالحركة الشائعة لعدم اليقين، إذ رفعت يدها في مستوى واحد ثم أرجحتها من جانب إلى آخر.
همس: "دعيني أخمن، لا أصوات، لكن رائحة المجهولين تفوح بغزارة؟"، فأومأت بالموافقة.
كظم جون ألمه ومسح المنطقة بكاشف المجهولين، لكنه لم يخرج بشيء.
سأل بهدوء: "ما هو النطاق الذي يمكن للمجهول الأكبر التحكم بالدمى ضمنه؟".
أجابت يوكي بهدوء: "أبعد من هنا إلى العشّ"، فأومأ.
كانت الجثث على الأرجح قريبة إذن. ليس الأمر كأنّ جثة مجوّفة ستتطلب موارد كثيرة لصيانتها، وإن كان المجهولون الصغار الذين يستخدمونهم لتحريكها شبيهين بالكبار، فيمكنهم البقاء بلا حراك لفترة طويلة جداً دون قلق. صحيح، إذن فمن المحتمل أن يكونوا بالجوار… لكنهم مخبؤون في مكان ما. هذا يُعقّد الأمور.
أردف وهو يعقد حاجبيه: "ما زلنا بحاجة للتأكد من أن هذه نقطة إنزالهم وليست شيئاً آخر. على ما ندريه الآن، قد تكون هذه طُعماً للمسافرين أو ما شابه".
"إذن نتقدّم".
كانت عبارتها، رغم هدوءها، حاسمة. تسلل الثلاثة بحذر، وحذرتهم يوكي من خلوّ المكان من أسلاك الشرك. لا بد أنهم قلقون بشأن كشف حضورهم إلى حد ما. وبينما لا يعير الشخص العادي بضعة خيوط من حرير العنكبوت اهتماماً كبيراً، فإن شخصاً خبيراً بالتعامل مع المجهولين سيرى الشرك على حقيقته وينذر قوات تفوق بكثير ما يمكنهم التعامل معه. ففي النهاية، كان نوع سريع الغضب وقادر على الانتشار كالمجهولين يمثّل حقاً تهديداً وجودياً لأي حضارة غير مستعدة، ويجب التعامل معه بسرعة.
حتى مع وجود البنادق، لم يكن يتخيل أن معظم البلدات أو المدن الصغيرة في موطنه ستتعامل معهم بشكل جيد، خاصة إن استطاعوا تسريب الدمى. قلّت الأشجار، وبعد هنيهة، ظهر مبنى من بينها. كان بسيطاً، وغير مزخرف، ويتميز بجدران ترابية سميكة ولياسة، وتحيط به دعامات خشبية. لم يكن ضخماً، وربما بلغ طوله ثمانين قدماً من طرف إلى آخر، لكنه ملأ المساحة الفارغة التي كان فيها بالكامل، واحتكت الأشجار بحوافه.
طابقان، إلا إن كان يضم قبواً، لكنه استبعد ذلك. قد يكون هناك مكتب. كان هناك قسم واحد مرتفع نحو حافة السقف المُسنّم بدا أشبه بدور علوي من نوع ما، وحمل النوافذ الوحيدة التي استطاع جون رؤيتها من هذا الجانب. وأخيراً، وُجد باب مزدوج سميك، مصنوع من ألواح كبيرة، مع عقدة حبل كثيفة مربوطة بين المقابض، بلا قفل.
تمتم وهو يرمق الباب بنظرة مظلمة: "هذا طُعم".
إن كان هناك شيء رُبط بخيط، فهو هذا. أومأت يوكي موافقةً، مشيرةً إلى النافذة المغلقة في الدور العلوي أيضاً.
"كل المداخل مفخخة يقيناً. غير أن أسفل السقف يحتوي على ما يبدو مدخنة دخان. أتملك تلك الأداة التي لديك والتي تذيب الأشياء؟"
سألت وهي تلقي نظرة نحو حقيبته. مومئاً، وضع حقيبته أرضاً وعبث فيها مستخرجاً الجهاز. عندما أمسكت به الكيتسونه، لم يتركها، وشُدّت شفتاه للحظة.
سأل بنبرة متوترة والكاد صوته يُسمع: "أتحتاجين إلى أي إرشادات حول كيفية استخدامه؟".
هزت يوكي رأسها.
"لا. لقد راقبتك تستخدمه كثيراً".
لو كان أي شخص آخر، لما ظن أن ذلك يكفي، لكن يوكي كانت شديدة الملاحظة بشكل مزعج في أسوأ الأوقات. أفلتته، وأومأت له بامتتقدير قبل أن تستدير وتتسلل إلى الأمام بصمت، بلا أي نوع من التمويه. كانت أذناها تدوران في كل اتجاه، لتلتقطا آلاف الأصوات التي لم يكن مطلعاً عليها. مسحت عيناها المسار بحثاً عن التهديدات، وبدت ذيولها ساكنة بشكل مرعب. وما إن بلغت المبنى حتى انحنت قبل أن تقفز فوق السقف بصوت يكاد يكون معدوماً.
وتسللت نحو حافة الحافة، وبعد أن ألقت نظرة من فوق الجانب، أمسكت بها وتأرجحت إلى الأسفل، مختفية عن الأنظار إلا من أصابعها وذيولها التي كانت تلوّح بلطف في النسيم من خلفها. وبعد لحظات قليلة، تأرجحت إلى الخارج، ثم إلى الداخل، لتختفي تماماً عبر أي فتحة صنعتها. كان يعلم أن هذا سيحدث، لكنّ رعباً عميق الجذور سرى في أوصال جون مع ذلك. إن احتجت للدعم، فما هي الطريقة المثلى للهرع لمساعدتها؟
أكان الأفضل حرق الباب الأمامي؟ قد يعرضه ذلك لأي أفخاخ أعدوها في الانتظار. أم استخدام مركز الحفر لاختراق الجدار الجانبي؟ لكان ذلك أبطأ.
همس صوت بجانبه: "معلمي"، فاستدار فجأة ليواجه رين.
أجفلتها السرعة، فانحنت إلى الوراء، وإن كان لم يشهر سلاحه في وجهها هذه المرة لحسن الحظ.
"معلمي، ماذا سنفعل؟"
هامت عينا رين نحو المستودع المشتبه به، وتمركيزتا عليه لفترة أطول من اللازم قبل أن تعودا إليه.
أجاب بهدوء: "نبقى منخفضين وننتظر".
بدت الطليقة غير راضية حيال ذلك، فأدارت وجهها لحظة بينما التوت شفتاها عابسة. استغل جون تلك اللحظة ليضع حقيبته الظهرية جانباً كي لا تشكل كتلة ملحوظة وبدأ يتخفّى. وعندما التفتت مجدداً، اتسعت عيناها.
"ماذا تفعل؟"
همست بحنقة. لم يكن عتاباً، بل أقرب إلى الذهول. نظر إليها جون باهتمام، مقاطعاً عملية دفنه المرتجلة لفضلات الغابة. حدق فيها، مدركاً كم تبدو هذه الحركة غريبة بعد لحظة واحدة.
قال وهو يشير إلى الأوراق والفروع التي غطى نفسه بنصفها بالفعل: "انظري، نحن في منخفض. سيبدو الأمر طبيعياً جداً من بعيد، ولن يستغرق إخراج نفسي سوى نصف ثانية ربما".
تراجعت رين هامسة: "الأمر…"، وبدَت كمن يختار كلماتها بعناية، محملّقة من وراءه.
"دون مقامك".
همس با لهاث: "لا ترفاهية لدينا لنتذمر بشأن كيف يمكننا الانتصار بأفضل شكل، نحن نواجه كارثة. إنهم سرب من الوحوش بلا عدد سيقتلون بكل سرور كل فرد ممكن ليكنزوا قدر المستطاع من الثروات. إن فشلنا، ستتحول هذه البلدة إلى هيكل ذابل، لا تكاد تتمسك بالحياة. إن لم يتحركوا علناً، فسيُكتب الأمر كنتيجة بسيطة للحرب أو سوء الطالع. ثم يتكرر ذلك، ثم مرة أخرى، ثم أخرى".
توقف جون، مشيراً إلى كومة الحطب التي استخدمها للتمويه.
"ماذا لو فشلنا بسبب عدم اقتناصنا لكل ميزة ممكنة؟ ألن تكون دماؤهم في أعناقنا؟ أدون مقامِي أم أعلاه، قد يحدث هذا الفارق. الآن انبطحي".
تصارع الصراع في نظرة رين، وارتجفت بقلق، ناظرة نحوه، لكن عقلها كان في مكان آخر، واهتزت رجلاها كأنها على وشك الفرار.
كل ما قالته أخيراً بعد صمت طويل كان: "أرى ذلك"، متمددة بقربه ومغطية نفسها بارتباك بالنباتات والتراب.
قدم لها بعض النصائح وهي تفعل ذلك، مما سمح لها بصنع غطاء مقنع بدرجة أكبر بكثير. وبحلول الوقت الذي انتهى فيه، سيواجه أي شخص وقتاً عصيباً في ايجادها… بافتراض أنهم لا يملكون حواسّ خارقة للطبيعة على الأقل، لكن تلك بدت نادرة نوعاً ما؛ فالمثال الوحيد المؤكد الذي امتلكه حتى الآن كان يوكي. لم يكونوا المجهولون شديدي الملاحظة تماماً، بخلاف امتلاكهم قدرة مرعبة على تحديد مواقع المال، نظراً لمهارتهم في تجريد التجار وعرباتهم عن آخره.
مرت الدقائق، وبدأت عقدة من القلق تتشكل في جوفه. لقد استغرق الأمر وقتاً طويلاً. أعليه التدخل؟ بالتأكيد، لو حدث أي شيء، لكانت يوكي أقوى من أن يغلبوها دون صوت، أليس كذلك؟ ولكن، ماذا لو وُجد نوع فرعي من المجهولين لم يروه من قبل، أو وقعوا في طُعم؟ قد يكون الأعظم هناك في الداخل الآن! سمع رين تتحرك بجانبه، منتبهة فجأة.
همست بحنقة: "معلمي. هناك أناس قادمون!".
أمر بسرعة متمسكاً بغريزته: "ابقي منخفضة. لعلهم يعبرون".
كانت تلك حيلة قديمة أثبتت جدارتها معه طوال السنين، لكن إن كانوا قاصدين المستودع… كان عليه أن يأمل ويدعو بأن تكون يوكي بخير. بعد قليل، سمع قدومهم أيضاً. بضعة أزواج من الخطوات وبعض… وقع الحافر تقترب؟ التفت جون نحو الضجيج قدر استطاع دون الإخلال بتمويهه. دخلوا بين الأشجار كأشباح تنذر بالسوء، بوادر مشؤومة للصراع القادم. بلغ عددهم نحو ثلاثين رجلاً مدرعاً، عرف بعضهم من اشتباكات سابقة مع جامعي الضرائب، بينما لم يَعرف آخرين.
شكلوا مربعاً فضفاضاً حول عربة كبيرة يجرها حصان، وكانوا جميعاً في حالة تأهب. بدت وجوههم متوترة وخائفة، رغم أن الرجل الذي يقود العربة بدا غاضباً أكثر من أي شيء آخر، أشبه ببركان على وشك الانفجار. انتظر. عرف جون السائق. الرقيب شيراي. لقد رأى الرجل من قبل، حين واجهوا جامعي الضرائب خارج منزل أيكي وهارو؛ فقد قاد جامعي الضرائب وكان مستعداً لإطلاق ذلك الوحش غير الميت عليهم قبل وصول الميلشيا.
لقد بدا… مختلفاً بعض الشيء مع ذلك. تذكر جون الرجل بندوب أكثر بكثير، وكانت طريقته في مسح الغابة أقل شبهاً برجل يبحث عن تهديدات وأقرب لصقر يبحث عن فريسة. على مؤخرة العربة، بجانب عدة صناديق كبيرة محاطة بحافات معدنية، لمح جون رجلين آخرين يجلسان في المؤخرة، ولم يكونا مرتدين لأي دروع بتعمد رغم ملابسهما عالية الجودة. أشخاص طلقاء. لقد جنّد جامعي الضرائب اللعينون بعض الطلقاء.
أإلى هناك ذهب زعيمهم لجلب العون؟ بمد نظره إلى أبعد من ذلك، رأى الكائن غير الميت، منفصلاً عن المجموعة ومسجلاً ثلاثين خطوة في الخلف. كانت مشيته كأنه… يجر قدميه؟ لم يكن ذلك صحيحاً. لقد علم أنه يشعر بالخوف منذ أن كاد يحرقه بصاعقة برق وتراجع، فهل يشعر بمشاعر أخرى أيضاً؟ ألم يكن يودّ التواجد هناك؟ شعر برعب قارص يتصاعد وهو يراهم جميعاً يتقدمون. لا بد أنهم سيتركون بعض الغنائم، أليس كذلك؟
إن وُجد مجهولون أو دمى داخل المبنى، فسوف يشمون رائحة أي عملات يمتلكونها في الصناديق ويستيقظون! تباً! لا، لا، كان عليه الحفاظ على هدوئه. أخذ نفساً عميقاً، محاولاً تركيز نفسه بينما كان التهديد يلوح مقترباً أكثر فأكثر. أولئك الرجال… لم يكونوا آلات قتل عمياء كالمجهولين. كان بالإمكان إقناعهم بالمغادرة، لكن ماذا لو لم يستطع تدبر الأمر؟ ماذا لو لم يستطيع إرهابهم ليتراجعوا؟
سيتنازلون عن امتياز الضربة الأولى، وسيكونون محاطين، وحينها… تسللت فكرة الرجل الذي أحرق قبل أيام قليلة فقط، وهو يتلوى على الأرض بألم بينما يستغيث طلباً للمساعدة، إلى ذهنه بلا استئذان. انتابته قشعريرة وهو يحارب المرارة في حلقه. ماذا لو اضطر للقتال؟ حتى لو تسللت يوكي مجدداً من حيث أتت، فستكون في مرمى نظرهم الآن. أيمكنه تحمّل اضطراره لإيذاء شخص آخر؟ في النهاية، حُسم الخيار نيابة عنه.
دوت صرخة مرعبة تشبه صرخات الحشرات من المستودع، وتدفق ضوء ذهبي ساطع عبر الشقوق، تلاه صوت طحن رهيب. تحول دمه إلى جليد، وغمره شعور بهدوء عظيم ورهيب بينما تصلب جامعي الضرائب وحلفاؤهم. أُطلقت الأوامر بصوت عالٍ من الرقيب شيراي على رأسهم، وترجلوا، رغم أن جون لم يستطع سماع الكلمات الدقيقة وسط خفقان قلبه. همّت رين بالنهوض، للانضمام إلى القتال، لكنه مد يده باندفاع وضغط عليها لتنخفض إلى الأرض مجدداً.
استجابت له.
همس: "لا".
بدأت تحتج، لكنه التفت ليواجهها، فتجمعت في مكانها. التفت جون مجدداً نحو الرجال، الذين كانوا يتقدمون الآن، موجهاً قفازته لتبرز من عش التمويه. كان مركز الحرارة مُلقماً. حافظ على موقع مرتفع، موقع سمح له بتجنب القلق بشأن إحراق العشب وكشف زاويته. لم يكونوا ينظرون إليه. صوّب. استعد. أطلق النار. أحرقت الشعاع بصمت ساق الرجل الأول قبل أن يدرك حتى ما يدور حوله. احترق الدرع الجلدي على ظهر ساقيه وتلوى تحت الهجوم كالبلاستيك الملقى في نار مخيم.
ربما سيقدم بعض الحماية على الأقل لو كان هذا مجرد مجرى نار، لكنه لم يكن كذلك. كانت حرارة خالصة، مدفوعة سحرياً بقوى لا يستطيع أي شخص في موطنه الحلم بتسخيرها. مر الشعاع مخترقاً، فغلت لحظة تعرض واحدة الطرف على الجسد. سقط الرجل صارخاً، متلوياً من الألم. سحب جون الخط كالموت الخفي فوق الخط الخلفي بذات الارتفاع، مطيحاً بطرف تلو الآخر كجائزة مظلمة. تعثر التقدم، إذ دفعهم ارتباك الكمين للاستدارة باحثين عن عدوهم…
لينبصروا فلا يروا سوى رفقائهم يتألمون. تردد جون لحظة، مرأى الوجه المرعب للرجل التالي في الصف. راحت عيناه تزيغان من مكان لآخر، تمسحان الغابة بحثاً عن أي تلميح له، لكنهما عادتا خاويتين. صرخاً، فشّد قوسه وأطلق النار على أعداء لم يُوجدوا سوى في مخيلته، فطارت السهام إلى أشجار بعيدة أو راحت تتزلج عبر الأرض. تحركت يد جون من تلقاء نفسها، وسقط الرجل هو الآخر ككومة تصرخ. رفع آخر درعاً هائلاً.
عبر الشعاع من خلاله بذات الطريقة، رغم أن جون اضطر لاجتياح الشعاع عبر المنطقة لعدم معرفته بمكان الساقين خلفه. كانوا على شفا الانهيار؛ استطاع استشعار ذلك. استطاع رؤية طريقة فزعهم، وكيف تفحصوا كل جهة بحثاً عن مهاجميهم.
صاح صوت، مدوٍ بقوة غير طبيعية بينما تداعت الهيمنة فوقهم: "تشكلوا!".
بدا الأمر كالفولاذ ضد عقله، حتى على بعد مئة قدم، وتصلب الرجال قبل أن يطيعوا كالآلآت تقريباً، ملتحمين بتشكيلة محكمة كأنهم دُرّبوا عليها. تم قمع الذعر السابق، بشكل غير طبيعي. كان أحد الطلقاء، رجلاً طويلاً بشعر ممشط إلى الوراء يبدو في أوائل الأربعينيات وله ذيل فأر يتدلى خلفه، هو من أصدر الأمر. وقف بين التشكيلة بلا أي أثر للخوف على وجهه، ووقف الآخر، وهو شاب في العشرينيات من عمره، إلى جانبه.
وكلاهما كان يحمل سيف أوداتشي طويل وأنيق.
صرخ الشاب مشيراً إلى موقعهم: "هناك!".
لعن جون.
أمر الرجل الأكبر سناً: "خذوهم!"، وأخيراً ألقى جون عن نفسه الحطام وقفز واقفاً، وتبعته رين عن كثب.
بقيت إلى جانبه للحظة واحدة، شاهرةً سلاحها وموجهة إياه أمامها…
ثم اندفعت فجأة، لا نحو التشكيلة بل متجاوزة إياها، باتجاه التهديدات "الحقيقية".
باتجاه الخلف حيث لم يكن سوى الطليقين، وشيراي، والكائن غير الميت الذي وقف أمامه بحماية. لقد استل سيفين من رأسه الغريب، المبرقش، الشبيه بالشمع المذاب، ممسكاً بواحد في كل يد. كان جون قد… قطع بالفعل ربما نصف عددهم، لكنهم ما زالوا يتقدمون بتناسق غير طبيعي. لعن، مصوباً نحو الكتلة المتقدمة بينما قطعوا المسافة بينهم… بدا الوقت كأنه يبطئ. على وجوههم، بدا هدوء غير طبيعي، لكنه استطاع رؤية ارتعاشة عرضية بينما انطوت ملامحهم إلى شيء آخر قبل أن تنبسط، كأنهم يكافحون لكي يشعروا بالذعر.
كان جمعهم معاً خطأ. اجتاح بساقه الشعاع عبر سيقانهم. كانوا خمسة رجال عرضاً وثلاثة عمقاً، وسقط الصفان الأولان كما ينبغي. ارتعشت أصابعه بقوة زائدة قليلاً. اشتد الشعاع. غلا اللحم فوراً، وتداعى العظم، وسقط تسعة رجال بلا سيقان بالكامل بينما جرف الشعاع الخفي من بينهم كالعشب الجاف. وتطاير القليل من الدم، وتجرحت الجروح فوراً كما كانت. للحظة، وقف هناك ببله، محدقاً فيما فعله.
أولئك تسعة رجال لن يمشوا أبداً مرة أخرى، ولن— اصطدام النصل برأسه أخرجه من أفكاره، فاشتعلت واقيته بحياة من الضوء الأخضر الكثيف لتتلقى معظم الضربة، لكنه مع ذلك أُرسل في دروب التدحرج نحو شجرة باصطدام مدوٍ مخترقاً الجذع، باعثاً بالشظايا متطايرة بينما هوى. كبت الأدرينالين الألم بينما عثر عائداً إلى قدميه. لم يستطع تحمّل ضربة أخرى كهذه، ليس بلا تفجر الواقية، كان واثقاً تماماً؛
فهي تحتاج وقتاً لإعادة الشحن. نافضاً النجوم عن بصره، نظر نحو مهاجمه. كان الرجل العجوز، ممسكاً بنصله أماماً. ابتسامة شريرة لكنها متوترة ارتسمت على وجهه، وبدت كأنها مثبتة هناك بالكاد.
بصق قائلاً: "أرى أن شائعات اللصوص في هذه الغابات كانت صحيحة. أخبرني، أي جريمة اقترفتها حتى تضطر للتكالب على هذه الفتات، أم أنك تستمتع بالقتل فحسب دون أن تمتلك جرأة المخاطرة؟ أسمع أن هناك سوقاً كبيراً للمرتزقة الأجانب على الجبهة الآن".
كان صوته مراً، ساماً، وطريقة نطقه لكل كلمة جعلت الأمر يبدو وكأن لديه ثأراً شخصياً ضدهم. كان جون سعيداً بإبقائه يتحدث ريثما تُعاد شحن واقيته.
قال: "توجد مجهولون في هذه الغابات، أتعلم ذلك؟ أولئك 'جامعو الضرائب' ما هم إلا دمى لهم. لابد أنك تعرف ذلك، أليس كذلك؟".
لم يتفاعل الرجل، مميلاً رأسه.
"لابد أنك تعرف أن السماوات تأخذ تفشي المجهولين على محمل الجد، أحياناً؟ حتى هنا، سيتعاملون مع الأمر بسرعة".
لم يفقد صوته أياً من مرارته السابقة، لكن هذا بدا… مُدرّباً تقريباً. ألقى جون نظرة نحو قفازته وبدل مركز الحرارة بمركز التجميد.
قال مميلاً رأسه: "ربما، ولكن أتعني أنهم يعرفون كل شيء؟ لقد أُبقي الأمر طي الكتمان بشكل غريب، كأنهم أذكى من المعتاد…"
بدأ يدور حول الرجل، مراقباً إياه كأنه يقدر حجم فريسته، واستجاب خصمه بالمثل، وهو ما ناسبه تماماً. ففي النهاية، كل ما احتاج إليه هو الوصول إلى حقيبته. لقد أقفل هذا الرجل المسافة بسرعة؛ وميزة الحركة الحاسمة كانت لصالحه. لم يدع جون الأمر يبقى هكذا. باندفاعة سرعة خاطفة، انقض الرجل، مستعداً لمحاولة قطع رأس جون في تلك اللحظة، لكن ذلك ما كان ينتظره. رافعاً قفازته، ضبط أصابعه ليضمن أن يغطي الهجوم اللاحق مخروطاً واسعاً، وأطلق العنان.
ترنح الرجل في هجومه الهائج، لكن درعه الأثيري صمد تحت الضغط حتى مع أكل البرد الخارق له، لكن لم يكن ذلك هو المغزى. لا، المغزى كان تجميد الأرض تحته. لم يكن بالإمكان إيقاف هجومه الهائج في هذا الوقت المتأخر، وسقط على وجهه في الأرض فاقداً لكل تماسك، متدحرجاً عبر الميدان بينما سقط سيفه مُجلجلاً بعيداً. أبقى جون الشعاع عليه، مستنزفاً إياه بينما كان يهرول نحو حقيبة الظهر على ساقين مؤلمتين، خاطفاً القرص المجنّح من الجانب ومشغلاً إياه.
صرخ الرجل ناهضاً وممدداً يده: "يا ابن اللّعنة!".
وبعد لحظات، ارتفع سيفه الأوداتشي من حيث سقط وانطلق عائداً إلى يده. نوع ما من التحكم المغناطيسي، ربما؟ لا، هل بدت هيمنته شبيهة بجدار فولاذي صلب، ألم تكن كذلك؟ لا بد أنها قدرة ما من قدرات التحكم بالمعادن. أيعني ذلك أنه يستطيع استدعاء المعدن من العدم، تماماً كما استدعت رين أشياء تتعلق بالعواصف، أم أنه يتعامل فقط مع ما يتوافر لديه؟ شابت ملابسه بعض الصقيع، لكنه بدا بخلاف ذلك سالماً…
وسيتغير ذلك قريباً. هرول الرجل نحوه، وألغى جون محددات السرعة في القرص، محلقاً صعوداً بشكل مستقيم في اللحظة الأخيرة ومتفادياً هجوماً آخر شبيه بالثيران، فحمل الزخم الطليق بعيداً جداً عن النقطة التي انطلق منها. لقد كان سريعاً، صحيحاً، لكنه لم يلتف بذلك القدر الجيد، أليس كذلك؟ علاوة على ذلك، بدا ميالاً للاقتراب من خصومه، حيث يحاول حينها تمزيقهم إرباً. إن كانت لديه أي هجمات مقذوفة جيدة، لراهن جون على أنه ربما بدأ بها قبل الاندفاع لإخلال توازنه وتغطية الاقتراب.
رفع جون قفازته مجدداً، مصوباً نحو الرجل، وأطلق شعاعاً أضيق وأكثر تركيزاً بكتير من البرد الخالص. حاول التفادي، لكن جون تتبعه؛ فشكل الشعاع الخفي طبقة من الثلج فوق صدره من الرطوبة المحيطة، وصرخ الرجل من الألم بينما تغلغل البرد عبر الدرع الأثيري، غارزاً في لحمه. بدل جون مركز البرد بالبرق، ناظراً لخصمه أدناه مباشرة. تثنى الرجل، ممزقاً الملابس الباردة والهشة التي كان يرتدها و…
رمى سيفه؟ بالكاد امتلك جون أي وقت للتفاعل بينما قفز الرجل في الهواء، حاطاً على ظهر السيف، وبدأ يحلق نحوه بسرعات نايزكية! اتسعت عينا جون، وصوب تلقائياً بدقة نحو الرجل، رافعاً الطاقة إلى أقصاها. وأطلق. صار العالم أبيض حتى مع تعتيم واقيته للوميض، ودوى الرعد في أذنيه، ليكون أصماً حداً أدنى حتى مع تخفيفه للاصطدام المدوي. لم يدرك ما فعله إلا عندما رأى جثة الرجل شبه المنفجرة تسقط على الأرض أدناه.
حطم البرق درعه الأثيري، قايلًا إياه من الداخل للخارج بينما حول أي لحم في مساره إلى غاز متبدد بسرعة. حدق جون. لا، هو… لا! لقد كان فقط—لم يكن— جذبت انتباهه انفجار، فاستدار مفزوعاً ليجد المصدر. برد دمه مرة أخرى. كانت الأبواب مفتوحة على مصراعيها، والمبنى يشتعل بالنيران. وبالقرب، كانت يوكي تنهض مجدداً، وعلامات الزمجرة البرية ترتسم على كمّامها. تمددت رين على الأرض، متكئة بغرابة على شجرة، لكنها ما زالت تتحرك لحسن الحظ، ومع خصمها الميت بالقرب، مقسوماً نصفين عند الخصر.
هرب شيراي، والوحش غير الميت خلفه عن كثب. وعدة سيقان عنكبوت ضخمة جداً بإفراط تقبض على حافة الباب، بينما كان عملاق يجر نفسه خارج حدود المستودع.