كان الأمر غريباً. نام جون نوماً هادئاً الليلة الماضية رغم معسكر الرجال المسلحين في المستودع المجاور. ربما لوجود يوكي في الطابق الأسفل. لم استطاعوا الوصول إلى غرفته دون التسلل متجاوزين إياها وكواشف الحركة. بدا واضحاً أن يوكي مستعدة لتعريض نفسها للخطر حرصاً على نجاته إثر القتالين بالأمس ضد مجهولي الهوية. شعور غريب عجز عن التعامل معه، هذا مؤكد. لكنه لو كان مكأن أحد الجنود، لتجنب استجلاب غضبها بعد رؤية ذلك الاستعراض الصغير.
هزّ جون رأسه وهو يراجع واجب يوكي في الرياضيات للمرة الأخيرة. كانت تتعلم الأمور بسرعة. بسرعة فائقة. ظنّ الأمر مجرد رياضيات أساسية بالنسبة إليه في الغالب. لكن لمثله ممن لم يطلعوا على هذا من قبل، بدت هذه البراعة أكثر من مذهلة بالفعل. ربما واجهت شيئاً مشابهاً في الماضي. بلغت يوكي، على أقل تقدير، عدة مئات من السنين. لعلهّا عملت في وظيفة مكتبية مرموقة نوعاً ما، تتعامل مع الأرقام لفترة قبل تمردها الغامض الكبير.
قال بصوت مرتعش بعد تفقد ملاحظاته وتوقف لفرك حلقة رقبته: "وهذا يبدو درس اليوم".
بدا أن كلمة درس تثير حيقية حلقه بطريقة ما.
"لدي سؤال محرج بعض الشيء مع ذلك".
ارتسمت ابتسامة ساخرة على خطم يوكي وأمالت رأسها.
"تفضل".
أوضح وهو يهز رأسه: "هناك مصطلح واحد لم أجد له ترجمة جيدة. النخبة العسكرية السحرية في هذا العالم، توحي الكلمة وكأنهم... أحرار بطريقة ما. رأيت نفس المصطلح يُستعمل للإشارة إلى العبيد المنقذين من سفن الأعداء في وثيقة تاريخية، لكنه يبدو سوء فهم".
شعور بالمخاطرة رافق هذا الكشف. سيمانحها تلميحاً كبيراً حول طبيعته... لكنها ستشك حتماً عاجلاً أم آجلاً في انعدام أي نظير له في موطنه، ولو من خلال ردود أفعاله وحدها. تمتمت بصوت خافت قبل أن ترسم رمزاً عرفه جيداً.
قالت: "المتحررون".
وأومأ هو بحماس.
"نجل، هذا هو!"
استندت الكيتسونه إلى الوراء وبدا على خطمها فضول.
"ترجمتك دقيقة".
رمش مندهشاً وسارع بتدوين بضعة ملاحظات.
تساءل: "كيف ذلك؟".
أوضحت يوكي: "هم متحررون بطريقة ما من القيود التي تثقل كاهل الكائنات غير الروحية. هناك حد لمدى قوة المرء، حتى مع السحر، قبل الاصطدام بجدار ما".
"فكّر. ما مدى قوة الفناء؟ والآن، ما مدى القوة التي رأيتني عليها، حتى في حالتي الضعيفة؟".
عقد جون حاجبيه متذكراً الأقوياء في موطنه. عجزوا عن فعل جزء يسير مما تفعله يوكي بينما فقدوا قدراً كبيراً من رشاقتهم. ظنّ الأمر مجرد سمة خاصة باليوكاي. فبديهي أن بشرياً مجرداً من التطوير لن يستطيع تنفيذ مآثر سخيفة كالقفز لارتفاع يقارب طابقين في الهواء بينما يحمل خمسة رجال. وهناك حد لمدى قوة العضلات جسدياً دون مواجهة مشكلات أخرى. ألياف عضلية مصنوعة من شي آخر لم تقبل العقل.
تابعت متنهدة: "لا تملك اليوكاي تلك الحدود. يمكن لطرف نحيل لعنكبوت جوروجومو أن يتفوق قوة على طرف شجرة ليوكاي بشرط توفر الظروف المناسبة، رغم أن اكتساب القوة يختلف عندنا قليلاً".
"ما زلت أفتقد أحياناً رؤية تلك البطولات في عالم الارواح. إنها أكثر جاذبية بكثير من بطولات الفانين. هناك شيء في عدم خوف أي كان من فقدان طرف مؤقتاً يضفي بعض العدوانية الضرورية على المجريات".
انتظر. ماذا؟ تابعت قبل أن يتمكن من صياغة أي تعليق على تلك القنبلة.
"حقاً، قد تظن أن المتحررين من الطبقات العليا سيشعرون بالمثل، نظراً لتشابههم الكبير عند تلك النقطة، لكن لا، ما زالوا متمسكين بالدقة. تبّاً. على أي حال، المتحرر فاني عادي شارك في الاستهلاك الطقسي لمواد اليوكاي بطريقة تربطها به، محولاً إياه من مجرد لحم وعظم إلى شيء أعمق روحياً. يرفع هذا الحد الأقصى القابل للتحقيق ويمنحه قدرات سحرية معززة، وإن تلونت بقدرات المانح الخاصة".
آه. آه... تعليق الكابا عن ظنّ جون نوعاً من صيادي القطع بدا منطقياً فجأة. بحق الجحيم، أتحتاس اليوكاي صيد البشر بنشاط؟ انتظر. التهمت يوكي الأرواح بنشاط سابقاً دون أن يرف لها جفن. والأرجح أن اليوكاي تصطاد البشر بالمثل. ورغم قول يوكي إن روح شخص مثله لا تستحق الأكل، فلم يساوره شك في أن روح الشخص العادي القادر على صيد اليوكاي تستحق ذلك. كيف تسنى للجميع تقبل هذا بمثل هذه السهولة؟
قاطعت يوكي كلامها مبتسمة: "بعض هذه العلاقات تبادلات مفيدة، إذ يُستبدل الدم أو اللحم بخدمات، وأخرى..."، ثم تابعت: "يصبحون متغطرسين دائماً بعض الشيء في النهاية. ستفاجأ بعدد الوجبات المجانية التي حصلت عليها من شخص يكاد لا يقوى على التعامل مع سيف".
ابتلع ريقه. صحيح. بغض النظر عن تاريخ يوكي، أقله الآن، فقد انتهى من طرح الأسئلة. لم يحتمل قلبه المزيد.
"شكراً لك. لقد جلى هذا الكثير من الأمور بالنسبة لي".
أومأت يوكي برأسها قبل أن تنهض وتتمدد، ملامسة السقف بيديها بسهولة بينما تمددت ذيولها نحو كل اتجاه تباعاً. تأكد تماماً من عدم مفترضة ذيول الثعالب لتلك المرونة، لكن يوكي لم تكترث البتة لأمور مثل الكيفية التي ينبغي أن تعمل بها الأحياء، بالنظر إلى حصانتها ضد اقتطاع جزء صالح من ساقها.
سألت الكيتسونه: "من المرجح أن الرجال قد انتهوا من إفطارهم الآن. أأجمعهم؟".
أومأ: "سألقاك عند البوابة".
قالت يوكي وهي تمد ذراعيها لتعانقه، أو لنقل لفتة نفعية تشابه ذلك غامضاً: "انتظر، قبل أن أنسى... دعنا نخفي حضورك".
شد شفتيه لكنه لم يستطع الرفض. بدا غريباً المشي نحو ذراعي الكيتسونه بعد بالأمس. مع ذلك، بقدر سرعة يوكي واستعدادها لتمزيق أعدائهم، كان من المنطقي وجود أوقات عديدة استطاعت فيها القضاء عليه، وعجز هو عن فعل شيء حيال ذلك. لم تنو إلحاق الأذى الجسدي به على الأرجح، أقلها. استقام جون ومشى نحو نطاقها. التفت ذراعا الكيتسونه برفق حوله، وجذبته نحو صدرها. جعله التفاوت الشديد في الطول يشعر وكأن هيكلها يبتلعه تماماً، حتى قبل أن تغلق ذيولها حوله.
غمره حضور دافئ. وشعر كأنه ملفوف تحت بطانية سميكة في صباح شتاء بارد. هدد الزائض... العاطفي للمرة الأولى بالظهور مجدداً، مشاعر معقدة من الحنين والوحدة تفور من جديد، لكنها لسبب ما لم تطفح، ودفعها هو لأسفل مجبراً. ربما كان أكثر استعداداً أو اعتاد على لمستها. ربما حالفه الحظ فحسب. احتضنته يوكي بإحكام، والتفت ذراعاها حول ظهره وذيولها السميكة المنفوشة في كل مكان كشرنقة فرو، فعجز عن الانحناء بعيداً.
حتى ساقاه ظلتا على اتصال وثيق بها، وهو أمر منطقي ظنّه، بالنظر إلى غاية هذا التمرين الصغير. استنشقت أنف رطبة... أعلى رأسه برفق، وهو أمر بدا مبهماً أكثر. مع ذلك، شعر بأمان غريب. لم يكن مفترضاً أن يشعر بذلك. حقاً لم يكن مفترضاً. أكان محروماً من اللمس إلى الحد الذي يتطلب فيه الأمر مجرد ملامسة لإذابة قلبه وإخضاعه؟ لكل ما علم، لربما كان هذا جزءاً من خطة معقدة. مع ذلك، لم تطلب يوكي الكثير منه، بل حتى ذلك لم تأخذه دون تقديم تعويض واف.
كان من السهل جداً عليها خداعه للتخلي عن أسراره مقابل فتات مقارنة. استطاعت انتزاع وعود بالولاء بالمكر، وجعله يصدق أن العالم بأسره عدوه وأنها الملاذ الآمن الوحيد وسط بحر هائج... لكنها لم تفعل. هدفت يوكي فوراً إلى تصحيح نقصه في طلاقة اللسان المنطوقة، وأشارت إلى المشكلة الدقيقة المسببة للمضايقة بين السكان المحليين. ولم يساوره شك في قدرته على صياغة نوع من المحاكاة المقبولة للحضور مع الوقت بعد أن أدركه.
لم تحاول عزله عن الآخرين، وشرع... وإن بتعثر، في التحدث مع الآخرين مجددا! ربما بدا الأمر حماقة بعد أيام قلديدة، لكنه ظن رغبته في مناداتها بصديقة. لن يصارحها بذلك وجهاً لوجه مع ذلك، خشية أن يبدو غريباً. تخللت الكيتسونه من حوله، وتلاشى الدفء الغريب ضد جسده وروحه ليصبح مجرد ذكرى.
"هذا هو. يمكننا الذهاب الآن".
عند ذلك، غلّفت يوكي نفسها بذات النار الذهبية السوداء الغريبة، وتحولت إلى تنكر يومي بطريقة بصقت تماماً في وجه حفظ الكتلة قبل أن تبتعد. وجب عليه معرفة كيفية عمل ذلك في نقطة ما، حتى لو كان نوعاً من السحر العالي المناهض للمنطق. أدرك عدم اكتفائها بتحريك الكتلة فحسب، لقلة صرير ألواح الأرضية حين كانت متنكرة. راوده الفضول أيضاً لسبب قرارها منح نفسها مظهراً جذاباً بما يكفي لجذب الأنظار التائهة بينما حاولت الاختفاء، لكنه لن يسأل.
كان منعزلاً، لا غبياً. غادر هو الآخر، لا باتجاه البوابة، بل إلى ورشته، متوقفاً سريعاً لجمع بعض الأغراض من المتجر قبل رميها في حقيبة ظهر ألقاها هناك. ربما لم يبد وقوراً، لكن تباً لذلك. علاوة على ذلك، كانت لديه خطط. إن تصرف أصحاب الأعمال مثل موطنه، فإن السير والمطالبة برؤية بيانات محدودة من دفاتر حساباتهم سيثير بعض الاستياء، ورغب الجميع في إبقاء الأمور هادئة قدر الإمكان.
استلزم الأمر بعض الرشاوى، لكنه لن يفرط في أي من أدواته، ولم يملك مالاً. كان لبعض الخبرة والمهارات غير المتوفرة محلياً أن تشكل بديلاً جيداً كفاية. توجه جون إلى البوابة بعد إغلاق الورشة حيث انتظر الجمع، ونظرت إليه يوكي بفضول لكنها لم تبت بكلمة. بدا الجنود متوترين أكثر من أن يطيلوا النظر إليه. وبأوامر معدودة ومقضوبة، انطلقوا. شعرت الميليشيا بعدم الارتياح، ملتفتة فوق أكتافها نحو الغابات...
لكن يوكي لم تنزعج، رغم عجزه عن تمييز ما إذا كان ذلك استرخاء حقيقياً منها أم أن تنكر يومي جعل التوتر أقل بروزاً بشكل جلي لسبب ما. تخلف الاثنان في مؤخرة المجموعة. لم ينزعج جون كثيراً، رغم بقائه في حالة التأهب بوضوح. سهلت هذا العدد من العيون رصد الأشياء، وصار بارعاً جداً في انتقاء كمائن مجهولي الهوية. علاوة على ذلك، امتلك جون خطة هروب، حتى إن اعتمدت على التقاط يوكي له والعدو بعيداً بينما قدم الدعم.
وبشكل غريب، شكلت خطة جيدة جداً، لا سيما بعد علمه بقدرتها على القفز بسهولة أعلى من أغلب الأشجار. ربما توجب عليه تسليحها بمعدات سحرية الآن بعد أن علم أمرها، بعد تفكير. لكن ما الذي قد يفيده أصلاً؟ أخرج كاشف مجهولي الهوية الصغير من جيبه، ومسح الغابات بحثاً عن أي أثر لهم، فلم يظفر بشيء. بدا غريباً عدم الاضطرار للخوف من التواجد على الطريق. لا يزال متوتراً بعض الشيء وشعر بالألفة وسط ممرات الطرائد، ولكن غاب الرعب الش شبه شامل الذي ضربه سابقاً.
ربما اعتاد على هذا، بمنح الأمر وقتاً كافياً. وإن لم يكن لشيء آخر، فأثبتت السنوات الخمس الأخيرة قدرته على الانحناء لملاءمة سيناريوهات جديدة عوضاً عن الانكسار. لاشيء. مشت المجموعة أكثر. ولا شيء لا يزال. اقتربوا من البلدة. تجمد جون عند سماع نقرة، متفحصاً العداد ليتبين بقاءه عند الصفر... وأدرك أنه طائر بعد ثوان قليلة. أفزعه الوغد الصغير كلياً. مع اقترابهم من أطراف البلدة وبدء السير داخلها، خفتت كآبة الرجال بشكل ملحوظ وهم يجتازون المباني غير المنهوبة عمداً نحو الأطراف.
لوحت عجوز للمجموعة، وهتف الميليشيا ببضع تحيات ردّاً عليها، منادين إياها بالجدة بوريدج، وهو ما افترض سماعه بشكل خاطئ، رغم إسكات ياشيرو لهم بعد لحظات، متلفتاً للخلف نحو جون ويوكي. لوح جون بحرج تلويحة صغيرة، وحنت يوكي رأسها بأدب عند مرورهم. انقشع توتر غير مرئي عن المجموعة، واسترخوا مجدداً. يا للفضول. أظنوا إقدامه على الهياج عليهم لتحية امرأة عشوائية؟ مؤكد أنه لم يرتكب شيئاً...
استذكر اقتصار تفاعلاته الوحيدة مع أهل هذه الأرض في الغالب على مراقبتهم بريبة من بعيد، وكاد يغلي رجلاً حياً في درعه كالسرطان، ومطاردته بتهديد بينما تروّج له يوكي كنوع من الأساطير، وذبح بعض مجهولي الهوية أمامهم بوسائل فاقت إدراكهم. لو كان مكانهم، لما وثق بعدم جنونه هو الآخر. مع ذلك، ورغم أن مسيرهم نحو البلدة لم يبعث على الهدوء تماماً، وجذبهم لأنظار كل عابر وشعوره بوخز في مؤخرة عنقه عند تواجد أحدهم في النقطة العمياء خلفه، فقد أضفى الإقرار بعدم تعرض المكان للإغارة من مجهولي الهوية أثناء غيابهم بعض الراحة.
بدا المارّة مشوشين وقلقين بعض الشيء، تسليم بذلك، لكن عزا جزء من ذلك غالباً لاصطحاب شخصين غامضين بحرس شرف محلي، وهو حدث غير معتاد هنا على الأرجح. توجهوا في طريق مختلف، مبتعدين عن السوق. بدا أهدأ من المرة السابقة. افترض جون بكاء الأمر باكراً جداً. ربما ستنبض الأمور بالحيوية لاحقاً، أو لربما كان يوماً عادياً فقط. انتهى بهم المطاف أمام مبنى منخفض وواسع أمامه حقل ترابي.
سُوّرت الساحة، لكن الباب ظل مفتوحاً، واشتغل نحو عشرين رجلاً بالتدريبات في الداخل، تعرف على بعضهم من الأمس. مثير لاهتمام. امتلك حاملو أسلحة الاشتباك نوعاً من السحر المعزز لأسلحتهم، سواء أشواك أرضية أو لهب أو جليد، بينما خلت أسلحة الرماة من ذلك. يبدو السحر مرتبطاً بشدة بالمتانة، لذا فإن الأقل مهارة فيه سيبدون هُشّاً للغاية في قتال الاشتباك، لذا لابد من إبعادهم عن الخطوط الأمامية.
مثير لاهتمام. تحرك عدد أقل اندماجاً في تمارينهم للترحيب برفاقهم العائدين لكنهم تصلبوا لدى رؤية جون ويومي عند مؤخرة المجموعة.
أمر ياشيرو مجموعته: "انصرفوا! أنهوا أمركم وارجعوا لمنازلكم"، وسارع الرجال المرافقون له للطاعة، مهرولين متجاوزين الرجال في الساحة نحو الثكنات...
أملاً بالتنظيف قبل الوصول للمنزل. لم يرغب بذكر الرائحة سابقاً. لم يكن عدلاً محاسبتهم بعد ركضهم بحياتهم وانخراطهم في قتال من أجلها. أكان محرجاً للغاية تزويدهم بدلو وفرشاة، على الأقل؟ شيء لتشاور يوكي بشأنه لاحقاً. ظناً منهم بتمتعهم بالسرية، نظر بعض الرجال بهدوء إليه وإلى الاثنين الآخرين اللذين ما زالا في الشارع، متممين أعمالهم قبل التوجه للداخل لاستجواب رفاقهم عما جرى بحق الجحيم.
لكن أحدهم شق طريقه نحوهم فعلياً! خمن جون وجوب كونه نوعاً من الرجل الثاني في القيادة. بالإضافة إلى ذلك، بدأ يشك في كون لقب رقيب إما ترجمة خاطئة أو إرهاق ياشيرو المسكين بجحيم العمل مقابل أجر بخس؛ وتأكد من تعامل الرقباء مع ثمانية إلى اثني عشر رجلاً في موطنه فحسب. تخيل فقط الفوضى التي قد يحدثها الأفراد العاديون أو ما يعادلهم هنا عند تعذر استدعائهم والصراخ في وجوههم.
حيّ الرجل بانحناءة حادة: "سيدي وسيدتي!"
ثم انحنى مجدداً، هذه المرة لرئيسه الفعلي: "سيدي!"
"الأمور تحت السيطرة في غيابك. خشينا تعرضكم لكمين الليلة الماضية. أكل شيء على ما يرام؟".
كان الرجل قصير القامة، ممتلئاً بعض الشيء ربما، مقارنة ببنية ياشيرو المفتولة، لكنه تصرف باحترافية، زوايا حادة وسكون موزون. رغم ذلك، تركت الهالات السوداء تحت عينيه بلا شك سهره طوال الليل. ولم تبدو علامته الحيوانية واضحة فوراً، تماماً كقائده. ألقى ياشيرو نظرة على يوكي، فأومأت الكيتسونه المتنكرة. تمكن جون بالكاد من سماع استنشاقها للهواء قبل ذلك، شامة بلا شك إن كان الرجل من مجهولي الهوية.
طلب جون بلطف: "الجميع بخير هنا. دفتر نفقاتك، من فضلك؟"، فتصلب الرجل.
أمر ياشيرو: "سألقاك في وقت متأخر من المساء لمناقشة الأمور، إيزومي. يرجى اتباع أوامر السيد الفاضل"، فأومأ من يحتمل كونه نائباً قبل أن ينطلق ركضاً.
لم يغيب طويلاً، وجلب بسرعة كتاباً سلمه لياشيرو، الذي مده بدوره إليه... لكن الكيتسونه المتنكرة انتزعته أولاً.
التفتت يوكي إليه متسائلة: "أتتمانع؟ لدي خبرة في دفاتر الحسابات"، فأومأ جون، مناولاً إياها الدفتر بصمت كذلك.
شرعت الكيتسونه المتنكرة في تقليب الدفتر بسرعة مذهلة. بدا ما استطاع جون رؤيته قبل تقليبها للصفحة التالية كجداول بيانات مستعصية، وألم روحه إدراك حصار الحضارات عبر أكوان متعددة لذات الشر العظيم. ربما كان قانوناً لتعثر أي حضارة صاعدة حتماً بجداول البيانات، كفن قديم ينتظر منذ فجر التاريخ ممارسين جدد. بعد دقائق، أغلقت يوكي الكتاب بصوت حاد ومدته مجدداً لإيزومي، الذي سارع لإعادته بينما كانت الكيتسونه المتنكرة تدون بعض الملاحظات بوتيرة حارقة على صفحة فارغة.
تباً. بالتفكير في الأمر، كان عليها إخبارها بإبقاء هذا القسم لمزيد من ملاحظات اللغة. مهما يكن. ربما سينتهي به الأمر لتمزيق تلك الصفحات لحفظها بأمان في مكان ما بالحصن. أغلق الدفتر بعد انتهائها، ومدته إليه مجدداً.
قالت وهي تهز رأسها: "تبدو أغلب هذه الأمور طبيعية تماماً. بالطبع، طرأ ارتفاع في تكلفة استبدال الأذرع والدروع عندما اندلعت الحرب، - ربما عليك مطالبة رجالك بكونهم أكثر لطفاً معها أثناء التدريب - ولاحقاً عندما بدأت في التصاعد، لكن هذا متوقع. ربما خارج النطاق قليلاً لما تتوقعه... لكني بحاجة لعينة أكبر للتأكد".
التفت جون نحو ياشيرو مبتسماً: "أتعلم مكان حداد؟".
أومأ الرجل بحرج: "أجل. هناك اثنان، لكنهما لا يكفيان تماماً لتزويد المجتمع، لذا علينا الاعتماد على الواردات. أسيجد هذا نفعاً؟".
"هذا مثالي! تقدّم".