مضى اليوم خمسة أعوام منذ أن وجد جون هال نفسه في هذا العالم، فخطّ هذا الإدراك عبوساً على وجهه وهو يسحب ملفّاً برفيع القلم من شظية البلّور الرماديّ التي كان يشتغل عليها. خمسة أعوام من نبذ أهل المكان له. خمسة أعوام من التحيّز على حوافّ المجتمع كطيف. خمسة أعوام منذ أن اختُطِف، بعد أسبوع واحد من نيله وظيفة الأحلام بوصفه مهندساً صناعيّاً. حسناً، لقد أفسد ذلك مزاجه سريعاً.
ربّما كان الأفضل التوقّف الآن خشية أن يفسد آخر يوم عمل ويضطرّ إلى البدء من الصفر. تنهّد، فوضع بعناية قماشاً مغموساً في عصارة محايدة سحريّاً فوق البلّور لمنع بؤرة العمل الجاري من التلوّث بالمؤثرات الخارجيّة. حضرت إلى ذهنه ذكريات الصيف الحارق حين سدّت بؤرة التبريد الأولى خاصّته كقطعة مكيّف هواء محتضرة بعد أسبوع طويل وشاقّ من تصنيع نموذجها الأوّلي وتطويره، فارتجف لمجرّد فكرة تكرار ذلك.
لو مالت نفسه، لربّما استطاع قلي البيض على الحجارة في الخارج ذلك الصيف.
ربّما يكافئ نفسه ببعض الشراب الذي «حرّره»
من تلك العربة المقلوبة قبل بضعة أشهر وينسى كلّ شيء لفترة. افترض جون أنّه يجب أن يحزن لأنّ المالكين علقوا في وحوش الغابة أو اللصوص، حسناً، ربّما ليس اللصوص نظراً لأنهم تركوا الشراب خلفهم، لكنّه نفض الأمر عن كتفيه بعد لحظة. رفرفت ابتسامة خافتة على وجهه عند التفكير في عدم القلق بشأن الغد لفترة. سيكون ذلك لطيفاً... لكن كان لديه أمر آخر يستطيع فعله بينما لا يزال الضوء نهاراً.
التقط جون قفازاً من الخشب الثقيل الداكن والنحاس من طاولة العمل وأدخله في يده اليسرى قبل إجراء مجموعة سريعة من اختبارات المرونة لضمان عدم عطب مفاصل الجهاز الحسّاس.
وهو مطمئنّ، فتح صندوقاً مستقراً على الطاولة، وأخذ البؤرة الغامضة «هيت إي 08»، ووضعها في المقبس أعلى القفاز، ومذخراً إيّاها بليّة.
أخذ لحيظة لتقدير معجزة هذا الموقع المتقدم الصغير والمُبنى بإتقان على حدود المعقول. لماذا هُجِر رغم امتلاكه نصف مخزون من المؤونة؟ ربّما كان سوء طالع، أو ربّما سيصيبه بالسرطان بعد عشرين عاماً أخرى. على أيّة حال، لربّما هلك جوعاً أو التهمه شيء دونه قبل أعوام، لذا سيتعامل مع ذلك إن حلّ. بعد مغادرته غرفة السلاح التي أعيد توظيفها لتكون مشغله، سار جون عبر الفناء تحت ضوء ما بعد العصر، ملحوظاً محيطه أثناء فعله ذلك.
ربّما سيضطرّ إلى دفع تنظيف هذه المنطقة في الجدول الزمني؛ إذ بدأت النباتات تشقّ طريقها بين الحجارة مجدداً، ولم يكتشف بعد كيفيّة استنساخ الخرسانة لرقعها بملائمة. على الأقلّ كانت الحقول تؤدي بشكل جيّد هذه الدورة، لذا سيمتلك مخزون شتاء وافراً، خصوصاً الآن بعد أن حفر غرفة تبريد ملائمة تحت الثكنات التي عدّلها لتكون مستودعاً ثانويّاً. وقف المستودع الأساسيّ بجوار المستودع المعدّل، حاملاً كمّيات معقولة من الخشب ومعادن متنوّعة وجراراً خزفيّاً مختومة ممّا بدا أنّه دواء.
لم يجرؤ قطّ على محاولة تعرّفه بعد أن أرسله الشمّ الأوّل متقيّئاً حين وفد إلى هنا. كان عليه حقّاً رمي ذلك المتاع. إن لم يفسد حين ظهر، فهو بالتأكيد فاسد الآن. مع ذلك، حسب علمه، فإنّ فكّ ختامه لتنظيف الحاويات سيطلق رائحة تجدها الحياة البريّة المحلّيّة لا تُقاوم، وسيصبح حتى صدره غارقاً في أنياب كاشطة ومخالب حادّة. مشروع ليوْمٍ آخر. كان المبنى الإداريّ الرئيس الذي استخدمه بيتاً له على حاله: مبنى خشبيّ مطليّ بالأبيض ذو ثلاثة طوابق مستقرّ على أساس حجريّ ومخيّم فوق كلّ شيء كعملاق.
حسناً، كان على حاله، عدا بضع بقع لاحظها جون للتوّ حيث تقشّر الطلاء على طول الجانب الغربيّ — غالباً من عاصفة الليلة الماضية. سيضطرّ إلى صعود هناك وإعادة ختمه عاجلاً أو آجلاً، لئلا يدبّ التعفّن في الخشب غير المحميّ. ما زالت الحقول تؤدي بشكل جيّد؛ وبدت مصابيح الشمس الغامضة المرتجلة خاصّته مرضيّة تماماً لمحاصيل المحلّيّات سريعة النّموّ على نحو غريب، وهي خليط من أساسيّات وأعشاب وجد بذورها في المخزن والتي أصبحت عموداً فقريّاً لغذائه.
كان جون محظوظاً لأنّ فكرته الحمقاء بمصابيح السحر قد نجحت، مع مدى غيوم الجوّ طوال الشهر ونصف الشهر الماضيين. لم ير قطّ شيئاً مماثلاً؛ وإن استمرّ هذا، فسيلزمه إبقاؤها تعمل مستقبلاً. هـه. السحر. أحياناً، ورغم الألفة التامّة بحلول هذه النقطة، كانت لا تزال هناك رعشة تباغته عشوائيّاً. كان ذلك غالباً الجانب الإيجابيّ الوحيد لوضعه. لو أخبرت جون قبل خمسة أعوام أنّه سيكون ساحراً أو صانع آلات أو أياً كان تصنيفك له الآن، لحسناً، لضحك عليك ووصفك بالمخدّر.
ومع ذلك، لو استطعت إقناعه، لكان في غاية الحماسة. صحيح، لم تكن لديه القدرات الفطريّة التي بدا أنّ لبعض المحلّيّات إيّاها، لكنّه ما زال يمارس السحر، حتى لو كان عبر الأدوات، وأكثرها مصنوع بيده حتّى! على أيّة حال، كان يجب أن يزعجه أكثر كونه في عالم آخر أو كون آخر أو أياً كان اللعين الذي حدث له، ومع ذلك لا تزال هناك بطاطا بشكل ما. ناهيك عن مدى يابانيّة الهندسة المعماريّة والكتابة الضبابيّة، وأنّ البطاطا محصول من العالم الجديد فضلاً عن كونها من كون آخر، لكنّه بصراحة لم يستطع دفع نفسه للاهتمام.
ربّما ذات يوم، سيجد بعض الإجابات. عرف جون كيف يكتب باللغة المحلّيّة... نوعاً ما على الأقلّ، حتى لو لم يتكلّم بها. لقد فتح ذلك أبواباً إن وجد أحدهم ممّن لن يفرّ صارخاً، أو يمدّ يده إلى أسلحته، أو يستدعي سحره. أغبياء. كان المحلّيّون بشراً إلى حدّ أو آخر أنفسهم، باسثناء بعض الملامح الحيوانيّة السطحيّة مثل ذيل أو أذنين، ومع ذلك كان افتقاره كافياً لدفعهم إلى حالة من الهياج.
حقّاً، راقب قافلة ذات مرّة من بين الشجيرات ورأى رجلاً ليس عليه شيء مرئيّ سوى حراشف خافتة كادت تخفيها تماماً قميصه على أيّة حال، ولم تكن لدى ذلك الرجل مشاكل مع بقيّة الناس هناك. ربّما كانت رائحته غريبة. بغض النظر، كانت الكتب حول صيانة الأدوات السحريّة القليلة التي لم يصنعها هنا مفيدة لتعلّم الخطّ المحلّيّ المكتوب عموديّاً وكيفية أداء أمور أساسيّة تخصّ الصنعة. حقّاً، متى ما استقرت لديك المبادئ الأساسيّة للسحر، لم تكن المسألة برمتها صعبة الفهم للغاية...
إن كنت راغباً في قضاء عام أو عامين من الأمسيات في التجريب وحساب الأرقام برياضة بمستوى جامعيّ على الأقلّ، لكنّه كان يستحقّ ذلك بنسبة مئة بالمئة لامتلاك السحر. تسلق فوق الجدران الترابيّة الثخينة ذات الستة عشر قدماً، متسلّلاً الصعود على الطبقة الخارجيّة من الحجر الرماديّ. كان عليه حقّاً استبدال ذلك السلّم القديم المتعفّن أو صنع درجات ملائمة. كانت الجدران نفسها مصممة بذكاء؛
وقدر أنّ بمقدورها امتصاص قذائف مدفعيّة من شأنها تحطيم جدار حجريّ نقيّ، لكنّ لها مشاكلها الخاصة. ألقى جون نظرة عابرة إلى الأسفل على الحافة الخارجيّة، متنهداً أمام فوضى الكروم الزاحفة صعوداً فوقها، ورفع قفازه. خُذ نفساً. أفرغ نفساً. الإصبع السبّابة للتصويب. أعد وضع الإصبع الصغرى لضبط النمط. اثنِ إصبع الخاتم لضبط الشدة. استعمل الإبهام لفكّ الأمان. أطلق. انطلقت حرارة لاذعة عديمة اللهب من إصبعه في شعاع، قاطعة الكروم الزاحفة كشفرة خفيّة.
تهافتت إلى الأسفل، والسيقان تدخن إبهاماً، في كومة أدنى. غرق في تفكيره أثناء طوافه حول الخارج وتطهيره الكروم الزاحفة بكفاءة وحشيّة. إنّ اجتياح الشعاع جيئة وذهاباً فوق المنحدر بمرات معدودة قبل الانتقال إلى القسم التالي جعله عملاً يسيراً، مع متسع من الوقت للتفكير. مع ذلك، بالكاد وجد وقتاً للدخول في الإيقاع قبل أن يضطرّ لتوقيف البؤرة لتبرد، أو لإعادة تعبئة المكثّف في قاعدة القفاز حين أشار المقياس البسيط على الجانب إلى انخفاض مانا ذات جانب لهبيّ.
كان ينبغي على جون حقّاً جلب بؤرته الباردة ليتمكن من تبديلها، لكنّ تلك كانت في الداخل بالطابق الثاني، ولم يشعر برغبة في التوجّه طوال الطريق إلى الداخل. ربّما استطاع إضافة منفذ بطارية للنسخة التالية من القفاز لتسريع هذا النوع من الأمور. كانت مشكلة التصميم البارزة الوحيدة هي وجوب إيجاد طريقة لضمان عدم تسرب المانا من القنوات الداخليّة أو انتهاء أمر الأشياء الخارجيّة بداخلها وتلويثها، لكنّ بعض أعمال الصمّامات البسيطة يمكنها معالجة ذلك...
غرق في العمل، حالمًا بتعديلات وأفكار جديدة. بدا حرق الكروم سريعة النّموّ بعيداً متعباً بغرابة، حتى لو لم يكن عملاً يذكر تقريباً. كاد أن يغويه تركها وشأنها والقيام بعصفه الذهنيّ بالداخل، لكنّ رؤية أحد تلك الأشياء في الغابة يحاول التسلق إلى الداخل مستخدماً كروماً مهملة للإمساك متأخراً من الليل قبل بضعة أعوام وضحت أنّه لا ينبغي له قطّ إهمال تلك المهمّة الخاصة. صدر اهتزاز باهت من جيبه، فتجمّد.
سحب على عجل لوحيّاً صغيراً، متجمّداً فور تسجيله أن الضوء البلّوريّ لكاشف الحركة من الجهة الشماليّة «3 سي»
كان يومض، ليخفت بعد ثوانٍ قليلة. كانت تلك النقطة الأقرب إلى الطريق. أكان أحداً من المحلّيّين؟ قد يكون طفلاً يطمح لاستكشاف الموقع المتقدم المخيف القديم تجرؤاً. لكنّه لم ير أحداً قريباً يقترب. ربّما بعض الحياة البريّة المحلّيّة؟ غير مرجح، بدا أن شيئاً ما في المكان ينفرها. ربّما وحش آخر؟ هبط جون إلى وضعية انحناءة منخفضة بحيث لا يمكن رؤيته فوق الحواجز، مهرولاً بأكبر قدر ممكن من الهدوء مع الحفاظ على سرعة لائقة.
غمرته النظريات والمخاوف، مستعرضاً كلّ احتمال ومبتدعاً طريقة للتعامل معه، ليتبع ذلك مباشرة بسؤال مزعج عمّا إذا لم تنجح الخطة.
اهتزّ الجهاز مجدداً، وانطلق ضوء الطبقة الثانية، «3 بي».
مضغ باطن خدّه، حاضراً فكرة جيش صغير ما في الخارج آتٍ لاستعادة موقعه المتقدم. لم يكونوا يتحركون بسرعة بالتأكيد، أياً ما كانوا. لربّما أثار الركض الثاني في نصف الوقت، لذا كانوا يمشون على الأرجح، وإن كانوا يتسللون، لما انطلق. ربّما استطاع الفرار من الخلف قبل وصولهم؟ طرد تلك الفكرة قبل أن يدخل في نوبة. لا. لم تكن خطيرة بهذا الحدّ تقريباً. واضعاً نفساً عميقاً، بلغ البوابة الشماليّة.
توقف، كاتماً أنفاسه ولم يسمع سوى الريح واندفاع الدم هديراً في أذنيه. باحثاً عن سكين مصانة حديثاً من غمدها، رفعها فوق الجدار، مطيلاً النظر إلى الانعكاس في شفرتها بينما مسح بها المنطقة، متجنبة السماء الغائمة أيّ مشاكل بانعكاس الوهج الذي قد يكشف أمره.
بعد قليل، انطلق «3 إي»
أخيراً، فاخترق خط المراقبة الأخير... شعّر وكأنّ العالم حبس أنفاسه معه، وساد السجود إذ هدأ النسيم ذاته. ثمّ حطم صوت طحن الحصى قاعدته، مسموعاً بصعوبة رغم الصمت المطبق. كان لكل ما كان هناك زوج واحد فقط من الساقين، وكانا يستعملان الدرب، لذا فعلى الأرجح لم يكن وحشاً إذن. ولا كشّاف جيش من نوع ما، إذ سيحاولان جعل وجودهما أقلّ ملحوظة. محلّيّ وحيد ما، ربّما؟
لا، إن كانت هذه مجرد مغامرة يافعين، لكان هناك آخرون للتأكد من دخولهما الموقع المتقدم «المسكون»
أو أياً كانت السخافة التي فكّروا بها. من إذن؟ بعد دقيقة متوترة، نال إجابتَه إذ ظهر شكل بوجه ثعلب مرسوم بالأسود والأبيض من منعطف في الطريق. كان الشكل الطويل الأبيض الثلجيّ أنثويّاً بلا شكّ في تشكيله وارتدى كيمونو حالكَ السواد، ومحاراً ومطرزاً بما بدا خيطاً ذهبيّاً. تروحت تسعة ذيول طويلة زغبية من خلف الثعلب، برؤوس سوداء كأنّها استُخدمت كفرشاة لعقد أو معاهدة كبرى، مع علامات متطابقة على كفيها ويديها.
ربّما كان عليه أن يصدم أكثر لوجود شيء يتعرّف عليه ضبابيّاً من الأساطير هنا، لكنّه لم يشعر سوى برعب غامض آكل في جوهره العميق. ما مغزى ثعابام ذوات ذيول تسعة أصلاً؟ لم ير قطّ ثعلباً على ساقين في هذه الأرض قبل الآن، وكان ما يتذكره بقليل من الثقافة والأساطير اليابانيّة هو أن ذيولاً تسعة أمر جلل. ما اسمهم، مجدداً؟ كيت-شيء؟ توتّر. أكانت نوعاً من رسول سماوي أو مبعوث؟ لربّما أُرسلت بواسطة شخص ما أو شيء ما بسبب تعديه هنا، لكنّه لم يستطع إدراك سبب استغراق الأمر كلّ هذه الأعوام.
تنفس بعمق، مركزاً نفسه ودافناً جنونه العظمي قبل أن يبدأ في الدوران لولبيّاً. مسحت عينا زائيرته الذهبيّتان الجدران والبوابات بعبوس طفيف، لكن إن لاحظت تجسسه، فلم تبدِ أيّة إشارة على ذلك وتقدمت للأمام باتزان فوق بشريّ بلا جهود. الآن بعد أن كان ينظر إليها بعناية أكبر، كان بعض النقش الذهبيّ على الكيمونو الخاصّ بها متغيّر اللون حول فخذها الأيسر، أداكن من البقية، وكل خطوة بالساق المطابقة كانت أقصر قليلاً.
إصابة، ربّما؟ تحركت بهدف نحو هذه القشرة المجوّفة بمعظمها، لكن بالتأكيد لكانت القرية المجاورة مكاناً أفضل لطلب الملجأ من هذا الحصن المهجور منذ مدة طويلة؟ لقد كان شاغراً لأكثر من نصف عقد كحدّ أدنى. كافح جون الرغبة في الشتم إذ ضربه إدراك. إن كانت معلوماتها قديمة، لكانت أخطأت بسهولة باعتبار صيانته دليلاً على أن المالكين ما زالوا هنا. لابدّ من وجود طريقة لإنقاذ هذا. لم تكن تلك تبدو فاخرة للغاية لتكون ملابس سفر ولم تكن بالية بشكل رهيب جراء الاستخدام طويل الأمد، كما لم تظهر مرتدية مؤناً، لذا فقد أتت على الأرجح من مكان قريب بمعقول.
علاوة على ذلك، لما ارتدت ملابس ملطخة، لذا فمهما حدث لها فلا بد أنه وقع منذ مغادرتها. أكانت مجرد شخص ضاع ووحيد، ربّما حتى— طرق ب knuckles على البوابة أدناه ثلاث مرات، بعد أن ضلت عن ناظريه بينما كان مشغولاً بالتكهن بجنون. غمره الذعر قبل أن يقبض مجدداً، ساحباً ببطء الشفرة في صمت ومغرقاً في تفكير عميق. بإمكانه الانتظار حتى تغادر لتكون الأمور آمنة. لكنّه عندئذ سيهجر أحداً فحسب، وهل يمكنه ادّعاء أنّه أفضل بكثير ممن طردوه عند الرؤية؟
لم تكن لديه طريقة للتحدث معها. لكنّه عرف كيف يقرأ ويكتب بلغتهم، بحدّ أدنى على الأقلّ، وإن كانت مهمة، فمن المرجح أنها تجيد القراءة والكتابة. ستهرب على الأرجح. لقد كانت مختلفة تماماً عن المحلّيّين العاديين من حيث المظهر، لذا فقد لا تحمل الرعب الفطريّ الذي بدا أنهم يكنّونه للبشر العاديين. بدا القليل بشريّاً منها باستثناء وضعية ساقين، وحتى حينئذ، انتهتا بكفين بدلاً من قدمين، لذا ربّما لن يكون غريباً عليها بالقدر الذي كانه لهم.
إلى ذلك، وماذا لو فعلت؟ ستكون ببساطة فرداً آخر يأخذ نظرة على وجهه القبيح ويعدو هارباً، وبعدها يمكنه العودة إلى عمله. قد تهاجمه. كان مسلحاً ولم ير أيّة أسلحة عليها، وبدا أن سحر المحلّيّين يحتوي على قدر كبير من التحضير المسبق، بخلاف سحره. كان سيفعل هذا حقّاً، أليس كذلك؟ تنهّد جون ووقف، منحنياً للنظر إلى أسفل نحوها.
هتف خاشناً: "أهلاً بك،"
جاعلاً ثلث عقد من سوء الاستخدام صوته أجشّ وضعيفاً، لا كالحصى بل كالرمل الخشن. لم تقفز زائيرته ولا ركضت، لا؛ انتصبت أذناها، ورمت بنظرتها نحوه، وميض مفاجأة عابر عينيها قبل أن تتفحصه صعوداً ونزولاً كعينة معروضة. ولم يمض وقت طويل حتى انسكب سيل صغير من الحديث بلغتها منه، رغم أنّه لم يستطع تبين رأسها من ذيلها. كان صوتها منخفضاً وناعماً كالعسل، شبه لحنيّ، مع نبرة مرحة كادت لتبدو مازحة خارجة من شخص آخر.
صعد الأمل في صدره لفكرة شخص يتحدث إليه طوعاً قبل أن يُسحق إلى جانب الخوف غير المفيد بالقدر ذاته. كانت لا تزال لغزاً.
ردّ هازّاً رأسه: "عذراً، أخشى أنني لا أتحدث لغتك."
عبر عبوس وجهها قبل أن يزتلي، يليه تكرار امرأة الثعلب عبارة بلغة أخرى، ثم أخرى، ثم ثالثة، فهزّ رأسه وتمتم باعتذار لكلّ واحدة بدورها. رفع جون إصبعه للإشارة إلى أنه سينتهي لحيظة، رغم أنه لم تكن لديه فكرة عما إذا كانت تفهمه بينما سارع بالمغادرة. من مشغله، أخذ بضع أوراق، ووعاء حبر، وفرشاة حررها من العربة ذاتها التي أخذ منها الشراب. عادة، كان يفضل قلمه المصنوع منزليّاً للكتابة، لكنه كان غير ملائم ليكون مفهوماً حين يبدو أن خطا أنحف يمكنه تغيير معنى حرف، حتى لو عرفت أيّ منها من المفترض أن يمثل مفاهيم بأكملها والتي كان مقصوداً منها أن تكون حروفاً فرديّة أو أصواتاً مثلما لدى الإنجليزية.
بحروف كبيرة، كتب: "مرحباً. أنا أفهم بعض الكتابة فقط. لقد علمت نفسي بنفسي."
على الأقلّ، هذا ما أمل أنّه كان يكتبه. سيكون هذا أبسط للشرح لو عرف حرف اللغة.
مخفضاً بعناية بؤرة «هيت إي 08»
حتى لا يحرق عمله، جفّف الحبر في ومضة وهرع عائداً إلى المدخل. في الأسفل، كانت الثعلبة تقف بهدوء تماماً حيث تركها، وتثبت عيناها عليه بمجرد تسلقه عائداً إلى الأسوار. كافح رجفة لا إرادية؛ شيء ما فيها جعله في غير راحته، حتى لو لم تقعل شيئاً يسبب له ضيقاً سوى الظهور. كانت خطيرة. حتى لو لم تؤو قدرات خاصة، كانت مجهولاً تامّاً. مدّ جون الورقة لتقرأها بغض النظر. درستها باستفهام، مضيّقة عينيها قبل ارتدادهما نحوه، جاعلة غرائزه تصرخ مجدداً بشأن خطر مخفيّ.
استدارت، ولثانية، خاف أن تبتعد، لكنّها ببساطة التقطت عصا واستخدمتها قلماً للكتابة في الحصى أدناه.
كتبت: "أنا،"
متبوعة بحرف اشتبه في أنه اسمها.
ومع ذلك، كان يمكن بكل سهولة أن يكون نوع المخلوق الذي تكونه أو لقباً رسمياً، "سأبقي كتابتي بسيطة قدر الإمكان. أرغب،"
تبع ذلك حرف لم يفهمنه، رغم أنه رآه مستخدماً بالتزامن مع سجل للقوات التي يتمّ تدويرها خارج خطوط الأمام في صراع طويل ومرهق. ربّما عنى شكلاً من أشكال الملجأ قصير الأمد؟
"أحتاج مكاناً للراحة والشفاء."
أكّد ذلك شكوكه حول عرجائها، على الأقلّ. عبس، غاطساً خارج الرؤية قبل خربشة المزيد على الورقة، مجففاً إياها بسرعة لكن بمهمة خارج الرؤية كي لا يكشف قدراته السحريّة تماماً بعد. كانت مسألة سلامة، بالطبع؛ سيكون الدفاع عن نفسه أسهل بكثير إن لم تعرف أن جون يستطيع إشعال النار فيها من ثلاثين خطوة. قد يكون مدى سرعة جفافها كي يتمكن من تعليقها دون تقطير مشتبهاً فيه قليلاً، لكن كان هناك عالم من الاختلاف بين معرفة قدرته على تجفيف الحبر بسرعة وتلك التي تتيح له إطلاق الحرارة خصيصاً نحو المكان الذي يشير إليه بيده اليسرى الملبسة بالقفاز.
بالطبع، كان الاحتمال الغالب أن قفازه قد اُختُرع في مكان آخر، لذا كان هذا غير مجدٍ على الأرجح.
"أنا جون،"
قرأت الرسالة التي علقها عبر الجانب، مستخدماً حروفاً إنجليزية لاسمه، "أنا بشر."
مجدداً، عائداً إلى الإنجليزية بدلاً من هذه الشبيهة باليابانيّة — افترض أنها لم تكن يابانيّة صريحة نظراً لأنه لم ير لواحق تضاف إلى الأسماء، حتى في المستندات الشخصيّة — "العديد من جنسي بشر. كم من الوقت ستحتاجين للبقاء؟"
كان الحرف الذي استفاده للجنس من تقرير ساحة معركة يتحدث عن أنواع متعددة ومختلفة من الوحدات. ربّما كان له معنى حربيّ أكثر، لكنّه أمل أنه قريب بما يكفي. درست الثعلبة الورقة قبل النظر مجدداً إليه، مع ميل فضوليّ في رأسها بينما تتجرّع كل تفصيل لشكله، تاركة إيّاه يشعر كحيوان حديقة في قفص.
قال: "جون،"
مشيراً إلى اسمه وناقراً على صدره.
"بشر."
عند ذلك، نقر على الكلمة ثم طوّق نفسه.
"بشر."
طوّق مساحة أكبر حوله للإيحاء بمجموعة. أضاء الإدراك في عيني الثعلبة، وابتسمت عرضاً بلا مبالاة بأسنان لؤلؤيّة حادّة أكثر ممّا يروق له بينما تشير إلى الحرف غير المألوف.
رنّت بصوت يشبه الغناء تقريباً: "يوكي،"
ناقرة على صدرها.
تابعت: "كيتسونه،"
تاركة حرفاً مرسوماً على الأرض، ثم رسمته مجدداً، محاكية حركات التطويق ذاتها التي صنعها طوال الطريق، "كيتسونه."
تالياً، كتبت على الأرض: "سأحتاج أسبوعين."
وعند ذلك، رفعت رجل كيمونوها للأعلى. كافح صعود تقيؤ عند المنظر؛ بدا فخذها العلويّ كأن أحدهم أخذ فأساً إليه. شُقّت خدوش عميقة فيها، بادية كأنّ الكثير من لحمها قد غُرف تقريباً، وحُشيت المنطقة المصابة بشاش مشبع ومضمد عشوائيّاً فوقها. وعلاوة على ذلك، لم يكلف من قام بالعمل نفسه حتى عناء تنظيف المنطقة، تاركاً دماً جافاً يخطّ ساقها. لم يكن مفترضاً بها المشي بمثل هذا اليسر.
بحق الجحيم، كان ينبغي أن تكون ميتة! كان يفترض أن يدبّ الالتهاب بحلول الآن، خصوصاً إن بقيت في الخارج ليلة البسة في العاصفة بلا خيمة! توجه تلقائياً للاندفاع إلى الأسفل لإدخالها قبل أن يتجمّد.
يجب أن تكون «يوكي»
هذه ميتة. لماذا لم تكن كذلك؟ كان من الممكن لتلك الجرح أن يؤدي بسهولة إلى نزيفها حتى الموت، ناهيك عن جذب الرائحة لزوار غير مرحب بهم أو ملامسة شبه اليقين بالعدوى. ألقى نظرة خاطفة إلى أسفل نحوها، عابساً. لم تكن في أيّ من كتب وحوش الغابة المحلّيّة. أكانت نوعاً من متبدلات الشكل لا يمكنها الدخول إلا إن سمحت لها؟ حسب علمه، سيشفى الطرف بمجرد خطوتها للداخل، وسينقطع حلقه بمسحة واحدة.
كان الأمر الآمن فعله هو طردها.
غطس خلف الجدران وكتب: "أسبوعان فقط. سأوفر لك ضمادات طازجة، طعاماً، ودواءً من حديقتي،"
قبل تعليقها فوق الجدار. فقط لكون الجرح لم يصبح ملتهباً بوضوح بعد لم يعني أنه لن يفعل على الإطلاق. لحسن الحظ، قرأ عن عشبة أو عشبتين لهما استخدامات طبية ونجح في زراعتهما وعزل المكوّنات الفعّالة. رفرفت ابتسامة على كمّامة يوكي إذ شبكت يديها معاً ومنحته انحناءة جليلة. عوضاً عن التفكير في التداعيات، طار هبوطاً على المنحدر، ماشياً بعجلة نحو البوابة قبل أن يبدأ بالإبطاء.
تسللت الشكوك إليه مجدداً، ورؤى لكلّ ما يمكن أن يخطئ بينما يقترب من المدخل. ومضت في ذهنه صور لموته أخيراً وحده في الغابة فقط لأن شيئاً قرر أخيرًا الهجوم بقدر ضئيل من المكر، نازفاً حتى الموت بينما تمزق لحمه الذي ما زال حياً بأنياب حادة كالشفرة. أخذ نفساً عميقاً، وأزال اللوح الحاجب للباب، ولوح بالبوابة مفتوحة لأيّ قدر قد تخبئه الأقدار في طيّاتها.