صعدا النهر على ظهر منصّة عريضة، وعمل عشرون مجدّفاً بانتظام ضدّ تيار نهر وين. ضاق النهر حين توارى أوتال خلفهما، مع أنّه كان عريضاً قريباً من الساحل لدرجة بالكاد استطاع معها أرين تبيّن الضفة المقابلة. أعطاهما القبطان مكانًا قرب المقدّمة، بعيداً عن أغلبية الركاب، وتحدثا في الجزء الأوّل من الرحلة عن رحلات أرين. أعطاهما النسخة المختصرة: طرقاً، وعربات، ومنصّة، والمحارة الذهبية، وقصص أوريان، والعاصفة، وسانري.
بدا شهران من السفر خاليين تماماً من الأحداث بشكل مثير للدهشة حين اختُصرا في بضع جمل. سأل ويل عن العاصفة وسانري، لكنّ أسئلة مالبيك صارت أكثر تحديداً تدريجاً مع تقدم القصة. في أيّ بلدات توقف أرين؟ بأيّ درجة من الراحة تمتعت العربات؟ أيّ نوع من المقصورات كانت تمتلكها المحارة الذهبية؟ وما بدا أنّه ذو أهمية بالغة: ماذا قدّم لهم فينري على العشاء؟ كان ويل يهتزّ فعلياً بجانبه بحلول ذلك الوقت.
وبدا أنّ مالبيك لم يلاحظ.
سأل أرين: "والطعام نفسه؟ لائق؟"
"يا أخي."
التفت مالبيك نحو ويل بتعبير بريء.
"نعم؟"
"ألم ترغب في شرح الأكاديمية له الآن؟ بطريقة صحيحة. لماذا هي مهمة، ما الفارق الذي يصنعه النظام المبكر فعلياً، كلّ ذلك."
التقط أرين ارتعاشة خفيفة عند زاوية فم مالبيك. آخ. كان يفعل ذلك عن قصد. ترك مالبيك ويل يعاني لنبضة قلب أخرى قبل أن يلتفت إلى أرين.
"أتريد أن تعرف كيف تعمل حقاً؟"
أومأ أرين فوراً. رفعت يد مالبيك. تحركت أصابعه عبر تشكيل قصير بينما همس بكلمات عديدة كانت أهدأ من أن يلتقطها أرين. تحوّلت المانا من حولهما. وحين ركّز أرين حاسة المانا لديه، كانت التعويذة قد اكتملت بالفعل. تلألأ الهواء ضمن خطوات عديدة منهما بشكل خفيف، وصارت الأصوات خارجه مكتومة.
سأل أرين: "تعويذة خصوصية؟"
"شيء من هذا القبيل. ينبغي ألا تحمل المحادثة العادية خارجنا."
ألقى مالبيك نظرة نحو المجدّفين.
"لن تمنع شخصاً يتعمد الاستماع بمهارة مناسبة، وإذا بدأ ويل بالصراخ، فلا قواعد تضمن النتيجة."
قال ويل: "هذا رائع!"
أدار عدة مجدّفين رؤوسهم. حدق فيه مالبيك. خفض ويل صوته.
"رائع."
همس ويل: "إذن؟ الأكاديمية؟"
"الأكاديمية يمكن أن تنتظر."
"ماذا؟"
التفت مالبيك نحو أرين.
"أفترض أنك تمتلك التحكم بالمانا. ماذا خصصت أيضاً؟"
نظر ويل إلى أرين كأنّ مالبيك سأله للتو عن عدد جرائم القتل التي ارتكبها.
"خصّصت مهارات؟"
عبس أرين.
"نعم؟"
دفن ويل وجهه بين يديه.
"لاااا."
قال مالبيك: "تجاهله."
لم يجد أرين في ذلك طمأنة تُذكر.
"أكان ذلك خطأً؟"
"غالباً لا."
"مُطمئِن للغاية."
هزّ مالبيك كتفيه.
"توصي الأكاديمية الطلاب المحتملين بتجنب تعيين المهارات حتى يبدؤوا دراستهم. وما إن يتم قبولهم، يمكنهم استشارة سيّدهم قبل الالتزام بمسار معِين."
"لماذا؟"
"لأنّ خانات المهارات محدودة، وغالباً ما يختار الأطفال أشياء يندمون عليها لاحقاً."
تطلع ويل من بين أصابع يديه إلى أرين.
"أرأيت؟"
تابع مالبيك متجاهلاً إياه: "من ناحية أخرى، فإنّ الانتظار سنوات لتعيين مهارات مفيدة يبطئ تطورك أيضاً. تحلّ العائلات النبيلة المشكلة بمنح الأطفال الواعدين معلمين خاصين ومستشارين قبل وقت طويل من بلوغ الأكاديمية."
تمتم أرين: "طبيعي."
"طبيعي."
مال بظهره قليلاً إلى الخلف.
"إذن. ماذا اخترت؟"
تردد أرين. لقد أمضى وقتاً طويلاً في إخفاء حقيقة امتلاكه للنظام لدرجة أن الحديث عنه علانية ما زال يبدو خاطئاً. ومهما كان معجباً بمالبيك، فقد عرفا بعضهما لفترة أقل من يوم. عادت تحذيرات فيلدا إليه. قرر أرين في النهاية كشف جزء فقط من الحقيقة.
"التحكم بالمانا. وحاسة المانا. واثنان من الجوانب."
سقطت يدا ويل عن وجهه.
"اثنين؟"
لم يكشف تعبير مالبيك عن شيء.
"حاسة المانا والتحكم بالمانا خياران بديهيان. الجانبان أقل مثالية. يُنصح أغلب الطلاب بالبدء بواحده، كي يظل لديهم متسع لخانات المهارات الأساسية."
"التي هي؟"
"التأمل. كلمات السحر. إلقاء التعاويذ."
عدّها مالبيك على أصابعه.
"المقاومة الذهنية أيضاً، في النهاية."
قالها بالهدوء ذاته الذي قد يستهدمه شخص وهو يسرد مكونات حساء. تكوّنت قطرة عرق بارد بين كتفي أرين. ربما ملأ العقل الراسخ الدور ذاته الذي تلعبه المقاومة الذهنية، لكنّ ربما كانت تؤدي عملاً شاقاً هنا. ما زال يمتلك خانتي مهارات فارغتين. أكان قد حدّ من خياراته كثيراً بالفعل؟
سأل أرين: "كم عدد الأشخاص الذين يمتلكون جانباً بالفعل حين يصلون إلى الأكاديمية؟"
"أغلبهم لا، وخاصة عامة الشعب. غالباً ما يصل الننبلاء وبحوزتهم واحد مكتشف بالفعل، وغالباً ما ينجح الموهوبون منهم في اكتشاف ثانٍ خلال عامهم الأول."
التفت ويل فوراً إلى أرين.
"ما هما جانباك؟"
أعطى مالبيك أخاه نظرة مسطحة.
"أيمكنك منحه دقيقة قبل استجوابه؟"
"اصمت يا مال. تكاد تموت معرفةً أنت أيضاً."
اشتد تعبير مالبيك.
"أخبرتك ألا تناديني هكذا."
ابتسم أرين.
"لا بأس. سيتعين عليّ إخبار الناس بمجرد دخولي الأكاديمية على أي حال، أليس كذلك؟"
قال مالبيك: "بشكل أو بآخر. لا تُعامل الجوانب عادة كأسرار بين الطلاب. ستتدرب عليها علانية، وفي سنوات لاحقة، بمجرد أن يكتشف المزيد من الطلاب جوانبهم الخاصة، توجد صفوف تركز حصرياً على سحر الجوانب."
"إذن يمكنني الاستفادة من بعض النصائح حول جانبيّ."
قال مالبيك: "تفضل."
"أحدهما هو الحياة. ومما سمعتُه، قد يُحسن ذلك من وضعي عند التعامل مع الفصائل."
حدق فيه مالبيك وقد زال هدوءه المعتاد. بينما بدا ويل مندهشاً تقريباً. شك أرين في أنه كان يتمنى شيئاً ينطوي على انفجارات.
كرر مالبيك: "الحياة؟"
"نعم."
"سامحني، ولكن أيمكنك إثبات ذلك؟"
قال ويل وهو يلتفت مجدداً إلى أرين: "لن يكذب أرين بشأن شيء كهذا. إذن ما هو الثاني؟"
"يا ويل."
"ماذا؟"
"اصمت لبرهة. هذا مهم."
أعطى ويل أخاه نظرة مستاءة لكنه أطاع في النهاية. هزّ أرين كتفيه واقترب منه أكثر. غطّت الكدمات والجروح شبه الملتئمة ساعدي ويل، وهي على الأرجح تذكارات من أي تدريب كان يخضع نفسه له مؤخراً. أمسك أرين بأحد ذراعيه وأرسل كمية صغيرة من مانا الحياة إلى داخله. بدأت الكدمات بالتلاشي. وانغلقت الجروح السطحية ببطء. مال مالبيك إلى الأمام.
"مذهل."
تتبعت عيناه آخر آثار الكدمات وهي تختفي.
"هذا يغيّر الأمور بشكل كبير."
نظر إلى أخاه.
"يا ويل، من أين عثرت عليه في العالم؟"
تمتم ويل وهو ما زال مستاءً: "أنت تعلم أين تماماً."
قلب ذراعه متفحصاً الجلد الملتئم حديثاً.
"وما المميز جداً في الحياة؟ هناك الكثير من المعالجين في العاصمة."
ثنى أصابعه.
"شكراً بالمناسبة، لقدغدغني ذلك."
وافق مالبيك: "هناك الكثير من المعالجين. وقليل جداً منهم يمتلكون جانب الحياة."
نظر ويل إليه مجدداً.
"كم هو قليل؟"
"الحياة نادرة. طوال سنواتي في الأكاديمية، لم أرَ سوى حفنة من الطلاب يكتشفونها، وأغلبهم فعلوا ذلك في وقت متأخر جداً من دراستهم. فكر في الأمر هكذا. معالج ب جانب حياة وآخر دونه هما كجنديّ سيف مدرّبين، باستثناء أن أحدهما فقط مُنح سيفاً حقيقياً."
"إذن لا داعي لأن يقلق أرين بشأن الفصائل؟"
قال مالبيك: "العكس تماماً. سترغب كل فصيل في وايهولد بتجنيده. الفارق هو أنه مع جانب الحياة، سيكون في وضع يتيح له الاختيار بدل التسول بحثاً عن مكان."
عبس أرين.
"لا يبدو ذلك مشابه لما سمعته."
"أتخيل ذلك لا. يحب الناس خارج العاصمة القصص عن عامة موهوبين محاصرين في عقود رهيبة من قبل فصائل قوية."
"وهذا لا يحدث؟"
"لم أقل ذلك."
شبك مالبيك ذراعيه.
"التهديدات، الابتزاز، التلاعب، وحتى القتل تحدث. لكن عادة حين يكون هناك ما هو على المحكّ أكثر بكثير من مجرد طالب أكاديمية."
توقف مؤقتاً.
"في مستوانا، تعمل الأمور عادة بشكل مختلف عن القصص التي سمعتها."
"كيف ذلك؟"
"السنوات القليلة الأولى محتملة لأغلب الطلاب الأكفياء. بعد ذلك، تصبح الأمور أصعب بكثير. بحلول السنة الخامسة، يبدأ الكثيرون في البحث عن فصيل أو بيت نبيل مستعد لدعمهم في دراستهم وتوفير الموارد التي يحتاجونها للاستمرار في التقدم."
عبس ويل.
"إذن يذهب الطلاب إليهم؟"
"عادة."
أعطى مالبيك أرين نظرة ذات مغزى.
"تصبح الأكاديمية باهظة التكلفة بطرق لا علاقة لها بالرسوم الدراسية. تحتاج وقتاً لإتقان التعاويذ التي يحددها معلموك، ومواد للتدريب، وجرعات مانا حين لا تستطيع استعادتك مواكبة الوتيرة، ووصولاً في النهاية إلى معلمين خارج الأكاديمية يتخصصون في أشياء قد لا يتقنها معلمك الخاص. يمكن للفصائل والبيوت توفير كل ذلك. تتوقف الموهبة وحدها في النهاية عن كفاية معظم الناس."
سأل أرين: "وإذا رفضوا؟"
"يتدبر البعض أمرهم بلا سند."
هزّ مالبيك كتفيه.
"أغلبهم لا يفعل."
تذكر أرين كل ما سمعَهُ في ريبين. لم تكن القصص أكاذيب تماماً؛ بل كانت قد حذفت ببساطة الجزء الذي يقول إنه عاجلاً أم آجلاً، يذهب العديد من الطلاب للبحث عن الفصائل بأنفسهم.
"لكن الحياة تغير ذلك؟"
"تغير من يحتاج الآخر أكثر."
أومأ مالبيك برأسه نحوه.
"طبيب مستقبلي بجانب الحياة يستطيع تحمل تكلفة التفاوض."
قال أرين، جزئياً لتهدئة ويل: "جانبي الثاني هو النار."
نجح الأمر؛ وأشرقت عينا الفتى فوراً.
"النار؟"
بدا مالبيك أقل إثارة للإعجاب بكثير.
"تلك توليفة سيئة."
ألقى ويل نظرة عليه.
"لماذا؟"
أوضح مالبيك: "بالنسبة لشخص يحاول التخصص بكفاءة. تشير الحياة بطبيعة الحال نحو الشفاء، بينما النار أكثر فائدة بكثير لساحر معركة. يتطلب الاثنان مهارات مختلفة جداً."
احتج ويل: "لكن يجب أن يكون أرين قادراً على دفاع عن نفسه أيضاً!"
"لهذا وُجدت التعاويذ."
التفت مالبيك مجدداً إلى أرين.
"بصراحة، لن أخصص جانباً آخر. ليس إلى أن تفهم بدقة ما تتخلى عنه من أجله. خانات المهارات ثمينة للغاية."
قال أرين: "لقد ذكرت التأمل، وكلمات السحر، وإلقاء التعاويذ. لماذا تلك الثلاثة؟"
شعر أرين بحماقة طفيفة. لقد كان يعلم منذ البداية أن تخصيص مهارات عمياء أمر خطير. مع ذلك، فإن سماع مالبيك يشرح ما قد تكلفه تلك الخيارات في النهاية كان كافياً لإثارة شك مزعج.
قال مالبيك: "للتأمل ثلاثة استخدامات رئيسية. يحسن استعادة المانا، ويجعل اكتشاف الجوانب أسهل، وتخصصاته اللاحقة ضرورية لإلقاء سحر أكثر تعقيداً."
بدأ أرين فوراً في فرز التداعيات. كانت الفائدة الأولى أقل أهمية مما كانت عليه ربما بالنسبة لمعظم السحرة. فحويته المتزايدة باطراد كانت تستعيد مانا الخاص به بسرعة بالفعل. وكانت الفائدة الثانية أقل أهمية؛ فقد كشف له خصيصته ستة جوانب بالفعل. أما الثالثة، مع ذلك، فبدت مفيدة حقاً. الثالثة، مع ذلك… بدت مفيدة. مفيدة جداً.
تابع مالبيك: "ترتبط كلمات السحر وإلقاء التعاويذ ارتباطاً وثيقاً. يتيح لنا إلقاء التعاويذ تشكيل السحر خارج جوانبنا الخاصة. وتكون النتيجة أضعف من سحر الجوانب الحقيقي، بطبيعة الحال، لكن المرونة تعوض ذلك."
"وكلمات السحر؟"
"تسمح لك ببناء تعاويذ أكثر تعقيداً. بلا مهارة، لا تكون التعويذة سوى مجرد ضوضاء."
شعر أرين بحماستة تعود إليه. لسنوات، جاء كل ما يعرفه تقريباً عن السحر من حكايات، وشائعات، وتجارب، أو أشخاص لا يفهمون بالكاد أكثر مما يفهم هو. وها هو ذا يحصل، لمرة واحدة، على إجابات يستطيع الوثوق بها حقاً.
"إذن التأمل، وكلمات السحر، وإلقاء التعاويذ هي المسار القياسي؟"
"لسحرة البشر؟ بشكل أو بآخر."
"هل توجد بدائل؟"
نظر مالبيك في الأمر.
"توجد. أمضيت وقتاً طويلاً أتساءل عما إذا كان يجدر بي تجنب إلقاء التعاويذ تماماً."
مال أرين إلى الأمام قليلاً.
"تمتلك الأجناس الأخرى تقارب طبيعي أقوى تجاه جوانب معينة، أو مزايا لا يمتلكها البشر ببساطة. تطورت تقاليدهم السحرية حول تلك نقاط القوة. طيلة قرون، سيطروا على صفوف أعظم سحرة إيرادور. بدأ البشر في منافستهم باستمرار فقط بعد أن تم تطوير إلقاء التعاويذ وتنقيتها."
"إذن لماذا فكرت في التخلي عنه؟"
"لأن بعض السادة يعتقدون أن إلقاء التعاويذ هو أيضاً أحد الأسباب التي تجعل القليل جداً من الناس يصبحون سحرة كباراً."
"كيف؟"
"فكر في الأمر كأداة تعوض الفهم غير الكامل. مفيدة للغاية في البداية. ربما مفيدة أكثر من اللازم."
شبك مالبيك يديه.
"مع إلقاء التعاويذ، يمكن حتى للطلاب المتوسطين إنتاج تعاويذ الدائرة الأولى بعد بضعة أشهر من التعليم المناسب. باستخدام التحكم بالمانا وحدها، قد يستغرق الوصول إلى النقطة ذاتها عاماً أو عامين."
"إلى هذا الحد؟"
"بسهولة. سحر الدائرة الثانية من دون إلقاء التعاويذ قد يستغرق ثلاثة أو أربعة أعوام من الممارسة المركزة، وأحياناً أطول، وغالباً ما يكون ذلك للتعاويذ الفردية تحت ظروف خاضعة للرقابة."
عبس أرين.
"إذن يتيح لك إلقاء التعاويذ التقدم بشكل أسرع بكثير، لكن البعض يعتقد أن الاعتماد عليه يحد في النهاية من مدى ما يمكنك بلوغه."
"أساساً."
"يبدو ذلك... أقل من مثالي."
اشتد تعبير مالبيك قليلاً.
"محاولة إتمام تدريب الأكاديمية دونه ستكون أقل مثالية بكثير."
"إذن خصصته في النهاية."
"نعم. يفعل الجميع ذلك، في النهاية. من دون إلقاء التعاويذ، يمكن لساحر بشري عادي قضاء عقود في بلوغ ما تتوقعه الأكاديمية في عشر سنوات. وسواء كان ذلك يخلق مشاكل في المستويات العليا جداً فهو أمر غير ذي صلة إلى حد كبير بشخص لا يصل إلى تلك المستويات في المقام الأول."
لم تكن لدى أرين إجابة على ذلك.
تابع مالبيك: "ستتعلم النظرية خلال فصلك الدراسي الأول. في الواقع، ستقضي معظم عامك الأول على الأساسيات. النظرية، والتحكم بالمانا، والتمارين، وتعلّم كيف تُبنى التعاويذ فعلياً. لا تتوقع قضاء كل يوم في قذف السحر هنا وهناك."
تردد أرين قبل أن يضيف: "شكراً لك. حقاً. لم يكن هناك أحد في ريبين يمكنني سؤاله عن أي من هذا. لقد تعلمت في الدقائق القليلة الماضية أكثر مما تمكنت من تعلمه في سنوات."
"حسنًا..."
ولأول مرة ربما، بدا مالبيك محرجاً تقريباً.
"أنت صديق ويل. وليس الأمر وكأن لديّ شيئاً أهم لأفعله في هذه اللحظة."
ابتسم ويل فوراً.
"أخبرتني أنك ستدرس طوال الطريق إلى أوتال وعودتها وأنه ليس مسموحاً لي إزعاجك."
أعطاه مالبيك نظرة مسطحة.
"يمكن للدراسة أن تنتظر أحياناً."
ثم التفت نحو أرين.
"علاوة على ذلك، يبدو امتلاك معالج مستقبلي يدين لي بمعروف استثماراً معقولاً."
رفع أرين حاجبًا.
"إذن أنا أدين لك بمعروف مستقبلي غير محدد مقابل بضع قطع من المعرفة العامة التي ربما كنت سأتعلمها خلال أسابيّ الأولى في الأكاديمية؟"
"بالضبط."
ابتسم مالبيك.
"لكن لاحظ الجزء المهم: المعرفة الشائعة بين السحرة. كم ساحراً تعرفه؟"
نظر أرين في الأمر.
"كنت سأساعدك على أي حال. أنت عائلة ويل."
"هذا خارج الموضوع."
ضيق مالبيك عينيه.
"لا تعطِ شيئاً أبداً حين يكون شخص ما مستعداً لأن يدين لك به. في وايهولد، لكل شيء ثمن."
قاطع ويل: "نعم، نعم. هذا أخي الرائع. أتصدق أننا أخوة حقاً؟"
قال أرين ومالبيك في الوقت نفسه: "بالكاد."
نظر أرين ووجد مالبيك يحدق فيه بالمقابل. انفجر ويل ضاحكاً. استمر أرين ثانية أخرى قبل أن ينضم إليه.
"حسناً يا أرين."
مال ويل إلى الأمام بحماسة.
"أخبرنا عن المعركة."
رف جفن أرين.
"أي معركة؟"
"على السفينة!"
"لم تكن هناك معركة."
تعثرت حماسة ويل.
"أمضينا معظم الرحلة في الهرب من عاصفة. لحقت بنا في النهاية، وسقط سانري من الصارية بعد إنقاذ السفينة، وأمضيت الأيام التالية في إعادة تجميعه."
حدق فيه ويل.
"لا."
"لا؟"
"لا يمكنك رواية قصة هكذا."
لوح بكلتا يديه بإحباط.
"ابدأ من البداية."
"يا ويل—"
"من اللحظة التي صعدت فيها."
"كان ذلك قبل أسابيع."
"لقد وعدتني بقصة."
تنهد أرين وبدأ من البداية. استغرق الأمر وقتاً أطول بكثير مما كان متوقعاً، ويرجع ذلك في الغالب إلى أن ويل رفض السماح له بتخطي أي شيء. كيف كانت تبدو السفينة؟ ماذا قال فينري؟ ما حجم الأمواج؟ ما الذي كان أرين يفكّر فيه حين تسلق سانري الصارية؟ في النهاية، شك أرين في أن صديقه كان سيسأل عن لون كل حبل على متن المحارة الذهبية لو أتيحت له الفرصة. حين انتهى أخيراً، كان ويل يبتسم من الأذن إلى الأذن رغم الغياب التام للقراصنة، أو الوحوش، أو النزالات البطولية.
"هذا مذهل."
ابتسم أرين.
"وسانري يستطيع المشي بالفعل؟"
"بعصيين، لكن نعم."
أطلق مالبيك أنيناً. التفت أرين نحوه.
"ماذا؟"
"امنحه دقيقة."
هتف ويل بحماسة: "أسمعت ذلك يا مالبيك؟ إذا كان بإمكان أرين شفاء إصابات كهذه، فيمكنني بدء التدريب بالمنشار مجدداً. ويمكنني إعادة العقبات الأصعب إلى المضمار."
قال مالبيك: "قطعاً لا."
"لماذا؟"
"لأن شفاء أرين للعظام المكسورة لا يجعلك خالداً. ماذا يحدث حين يشقّ أحد تلك الكتل رأسك؟"
تردد ويل.
"حسنًا..."
"أو حين يكون أرين في الصف؟ أو نفدت مانا الخاص به؟"
"ما زال يتعلم."
نظر ويل بأمل إلى أرين.
"رأس، ساق... في النهاية كلها سيّان، أليس كذلك؟"
"لا."
فرك أرين وجهه. بالطبع حول ويل الشفاء فوراً إلى عذر للتدرب بقوة أكبر.
"استمع جيداً. إذا أتلفت شيئاً مهماً، فقد لا أتمكن من مساعدتك حتى مع مخزون مانا ممتلئ. استغرق سانري أياماً، وكل ما فعلته تقريباً هو تسريع تعافيه الطبيعي."
عبس ويل بتفكير.
"إذن ربما نوع من الدروع الواقية—"
"لا يا ويل."
"لكن—"
"وإذا كسرت شيئاً لأنك فعلت شيئاً غبياً عن قصد، فلن أشفيه."
بدا ويل مرعوباً.
"لن تفعل."
"جرّبني."
"سأعجز عن التدريب لأشهر!"
"بالضبط."
"هذا ليس عادلاً!"
قال أرين ومالبيك في الوقت نفسه: "العالم ليس عادلاً."
تبادلا نظرة، ثم أدارا وجهيهما بعيداً. حدق ويل بينهما.
"ربما كان يجدر بي طلب سيف جديد بعد كل شيء."