فرقعت خشبة في النار ونثرت شرارات في الظلام. علق وميضها لحظةً بحافة فأس جاكس والخطوط العميقة حول عينيه.
قال متابعاً: "كنا قرب غرافهول حينها. مدينة عند الجبال النحاسية قريبة بما يكفي من الأقزام ليعد تجارها الجشع تقليداً ثقافياً".
نخزته أسنا بمرفقها.
"ماذا؟ أغبياء جشعون".
"وصل أمر من غرافهول: اختفاء ابنة العمدة".
"مختطفة؟"
سأل أريان مقترباً من اللهب.
"أسوأ. غبية".
أدار جاكس الفأس بين يديه.
"عادت من الأكاديمية لفصل الصيف وسمعت أن العفاريت تغير على القرى ومناجم التلال. فجمعت بضعة أصدقاء وأقنعت خمسة من حراس المدينة بمرافققتها وركبت إلى الجبال دون إخبار أبيها".
"لم يوافق الحراس على ذلك؟"
سأل أريان.
"كانت ابنة العمدة وساحرة أكاديمية. أشك في أن الحراس كانوا متلهفين لقول لا لها. وعلم أبوها بما فعلته فكان قد مضى على ذهابهم ما يقارب يوماً كاملاً. أرسل رسالة إلى النقابة وطالب أحدهم بإعادتها".
نخز جاكس النار بطرف عصا.
"كنا الجماعة الوحيدة القريبة بما يكفي".
قطب أريان حاجبيه.
"كل هذه الضجة من أجل عفاريت عادية؟"
أطلق روفيك ضحكة جافة.
"هذا بالضبط ما قاله ابن عمي قبل أن يفقد ثلاثة أصابع".
"ثلاثة فقط؟"
سخِر جاكس.
"أخذ العفاريت الباقي لاحقاً".
"ثم تبكي الأمهات لأن أبناءهن المتلهفين للمغامرة يقتلون على أيدي عفاريت (عادية)".
أشار جاكس بفأسه نحو الظلام.
"اعتبر هذا خدمة عامة أيها الفتى. ماذا ترى هناك؟"
تفرّس أريان فيما وراء العربات. وصل ضوء النار إلى الأشجار القريبة وحدها وترك كل ما بعده سواداً بهيماً.
"ليس الكثير".
"بالضبط. ضع ستة عفاريت بين تلك الأشجار ولن ترى شيئاً أيضاً حتى يضربك السهم المسموم الأول".
نظر أريان إلى الظلام مجدداً واقترب من النار.
"لكن عفريتاً واحداً ليس قويّاً أليس كذلك؟"
"عفريت واحد يقف في حقل مكشوف؟"
هز جاكس كتفيه.
"أي مقاتل كفء يستطيع التعامل معه. لكنهم لا يقفون في حقول مكشوفة. يختبئون فوقك ويحفرون في ثقوب أصغر من أن تتسع لرجل ويسممون أسلحتهم ويتركون حجارة مسنونة حيث يرجح أن تضع قدمك".
هز المستكشف رأسه.
قال جاكس: "أفضل مقاتلة شبح على دخول عرين عفاريت آخر. يملك الشبح نزاهة مهاجمتك من اتجاه واحد على الأقل".
"وإن أمسكوا أحداً حياً؟"
سأل أريان.
"من الأفضل ألا يفعلوا".
ضغطت أسنا بيدها على شيء تحت قميصها.
تابع جاكس: "حين يتأكد وجود مستعمرة يقتحم الجيش عادة بالدروع والمشاعل وجنود يكفون لملء كل نفق. لكن العمدة لم يملك وقتاً للانتظار. أعطانا عشرين حارس عهد وفضة تكفي لجعل الرفض صعباً".
"لكنها درست في الأكاديمية. ألا تعرف كيف تتعامل مع العفاريت؟"
سأل أريان. أطلقت أسنا ضحكة هادئة خالية من المرح.
قال جاكس: "تعلم الأكاديمية التعاويذ. لا تعلم الحس السليم. كانت ماريكا ساحرة بالمستوى العشرين مع هيئة نار وظنت أن ذلك يجعلها جاهزة لعرين عفاريت".
أضافت أسنا: "ربما عدّت العفاريت مستويات سهلة".
"بالضبط. أخذنا ما نحتاجه للكهوف وركبنا. التقط فيني متعقبنا أثرهم ودفعت الخيول كلما سمحت التضاريس".
تابع جاكس: "ضمت عشرتنا ثلاثة محاربين وثلاثة صيادين وساحرين ولينسي حامل درعنا ومايك فارسنا وقائدنا".
عدّهم أريان سريعاً.
"بلا معالج؟"
سخر المستكشفان كلاهما.
قالت أسنا: "اسمعوه. سمع أحدهم قصصاً أكثر من اللازم".
"كان أبي يرويها".
قال جاكس: "وأبي أيضاً. ثم انضممت إلى النقابة".
"كنا مستكشفين من الرتبة البرونزية أيها الفتى لسنا فرقة غارات نخببية. كان فيني قد قلص تقدمهم إلى نصف يوم تقريباً حين وصلنا التلال. وبعد ساعة تقريباً وجد فيني مخيم ماريكا. دماء في الغالب. وما تبقى من الخيول".
توقف إلياس عن المضغ.
تابع جاكس: "قرض العفاريت العظام حتى نظفت. لم يكن هناك أثر لماريكا أو أصدقائها. لكن فيني وجد آثار أقدامهم قرب مدخل الكهف. تركوا الخيول وحارساً واحداً بالخارج ثم دخلوا".
"لمَ يتركون أحداً وحيداً؟"
سأل أريان.
تمتمت أسنا: "لأن معرفة التعاويذ لا تشفي الغباء".
أومأ جاكس.
"تصرفوا كأن العفاريت لا تستطيع وضع كشافين في الغابة أو إيجاد مخرج آخر من عرينها الخاص. لو انتهت الآثار بالخارج لاستطعنا العودة إلى غرافهول وإخبار العمدة أننا وصلنا متأخرين".
رمى فرعاً آخر في النار.
"عرف يسبر أن العمدة سيجلده إن عاد دون محاولة فتركنا خمسة حراس وأشعلنا مشاعلنا وتبعناهم".
التقط الفرع الجديد وسط فحيح.
فرك جاكس جانب عنقه: "اختفى ضوء النهار قبل أن نخطو عشر خطوان. أكرره الكهوف. يكدب عليك كل صوت تحت الأرض. قد يكون احتكاك يبدو قادماً من ورائك على بعد خمسين خطوة أمامك حقاً. قد يضيق نفق بدا واسعاً حتى يضطر رجل مرتدٍ درعاً إلى السير جانباً. كان الممر الرئيسي طبيعياً وواسعاً كفاية على الأقل لكي لا نضطر للمشي في طابور فردي. وملكنا مشاعل معززة لذا بدا الشطر الأول آمناً تقريباً".
كرر أريان: "تقريباً".
نظر إليه جاكس.
"لا تحتاج العفاريت الممر الرئيسي. امنحها وقتاً كفايتها وتحفر ضيقة بجانبه. أصغر من أن نتسع لها لكنها أوسع من أن تزحف عبرها".
نقر بإصبعين على الأرض بجانب حذائه.
"تمر بجانب جدار فارغ وبعد لحظة يخرج شيء من ورائك. وجدنا الدماء الأولى بعد وقت قصير من الدخول. داكنة ذات رائحة كريهة. دماء عفاريت. لكن بلا جثث. ولا أسلحة أيضاً".
"أخذوها؟"
"كل شيء. الشفرات والأحذية وحتى موتاهم هم. وجد فيني آثار سحب تقود إلى ممر جانبي ضيق بينما استمرت آثار ماريكا أعمق في الكهف. ووجدنا دماء مجدداً في العمق".
توقف جاكس.
تابع: "بشري هذه المرة. واصلنا التقدم. صعد النفق وضاق حتى استطاع ثلاثة منا فقط المشي جنباً إلى جنب. كان هوري بجانبي حين رفع قبضته".
رفع جاكس يده وراحتها مغلقة.
"امتلك هوري حاسة الخطر. وحين توقف توقف الجميع".
"أرأيت شيئاً؟"
سأل أريان.
"أنا؟ لا شيء. تقدم لينسي بدرعه. وازدحم الباقون خلفه. ثم دَبَّ السقف حيوية".
"السقف؟"
"الصخور أولاً. ثم السهام من حواف فوقنا. أصابت معظمها الدروع. تلقى جاكيس سهماً في ذراعه وصادق حارس آخر سهماً في فخذه. مشلل. إسقط جاكيس قوسه قبل أن يتمتم شتيمته. حطم مايك حجرين مضيئين ضد الجدران. انفقدا غلافهما الفخاري وغمر ضوء أبيض ساطع النفق. كان العفاريت في كل مكان: جاثمين على الحواف ومضغوطين في الشقوق ويعدون رشقة أخرى أصلاً. أطلقت أسنا والحارس سهامهما بينما أرسل بن شظايا حجرية إلى السقف. سقط عدة عفاريت. واختفى الباقون في الشقوق قبل أن نستطيع تثبيتهم. سحبنا جاكيس والحارس خارج الكمين قبل أن تخفت الحجارة المضيئة. وما إن تجاوزنا الحواف حتى توقفنا هوري مجدداً. شعرت باهتزاز تحت حذائي يليه دوي من عمق النفق. تدحرجت صخرة من الظلام واملأت النفق من الجدار إلى الجدار. كان لينسي يتحرك بالفعل. زرع درعه وخفض كتفه وثبت نفسه في منتصف النفق. ومع ضرب الصخرة ومض نبض قوة عبر الدرع. هز الارتطام الغبار من السقف. ثم انشقت الصخرة. تزلجت الشظايا متجاوزة أحذيتنا. وما زال لينسي واقفاً وإن بالكوع يلتقط أنفاسه في لهاث ممزق. لابد أن العفاريت توقعت أن تنهي الصخرة المهمة لأنها ظهرت على الحواف مجدداً فوراً تقريباً. أعادتها بضعة سهام متخبطة إلى الظلام. وما إن استطاع جاكيس والحارس المشي مجدداً حتى تعمقنا. وفي العمق وجدنا موضعين آخرين حاربت فيهما جماعة ماريكا مع مزيد من الدماء ومزيد من الحواف المخفية لكن بلا جثث مجدداً. قال فيني إن الآثار عمرها ساعات".
اقترب أريان من النار.
"إذن ربما كانوا أحياء بعد؟"
"هذا ما ظللنا نكرره لأنفسنا".