انزلق أريان بحذر من تحت الأغطية محاولاً ألا يوقظ ويل النائم إلى جانبه. منحته ليلته الأولى بعيداً عن بيته فراشاً ألين من أي فراش تملكه عائلته مع ألواح أرضية بالبرودة نفسها. صرير أحدها علا تحت وزنه لكن ويل ظل منكمشاً في نومه. كان فراش كرفت فارغاً. اغتسل في حوض ماء أُعدّ خصيصاً مستخدماً صابوناً وفرشاة خشنة بقوة زائدة قليلاً. شعر بانزعاج خفيف لرؤية الماء البني الذي خلّفه وراءه.
كان يغسل عادة في الصباح والمساء وهو أمر اعتادت عليه عائلة منذ زمن طويل لكن ماء البئر البارد عجز عن غسل الأوساخ التي استقرت بعمق في جلده. لحسن الحظ وفي طريقه نزولاً على الدرج إلى القاعة المشتركة مر بفتاة خدمة أومأت وقالت إنها ستعتني بتغيير الماء في غرفتهما حين ذكر ذلك. أبقت أخبار سقوط الطغيان أريان مستيقظاً لفترة طويلة بعد إرساله إلى الأعلى. ومما يثير الضيق أنه لم يَعرف شيئاً تقريباً سوى إعلان هوغو الأصلي.
وما عَرَفه بالفعل جاء بمعظمه من حكايات تيري وإجابات فيلين الحذرة والنصف منقوصة: يقع الطغيان شرق ريبين، وحدوده أقرب من ويلهولد، وعاش حاكمه لقرون، وبقيت البلاد معزولة عن معظم القارة طوال تلك المدة نفسها. كان تذكُّر العديد من الملوك أقل ارتباطاً بشجاعتهم وأكثر بغباوة محاولة اختراق حدودهم. وحتى وحوش غابة الصمت لم تعبر بطريقة ما إلى الأراضي المجاورة، وهو لغز بدا الجميع سعداء بتقديره دون تفحصه بعناية فائقة.
لم يجعل أي من ذلك الانهيار المفاجئ لنظام عمره أرباع قرون أقل إثارة للقلق.
قال السير سامويل بضحكة: "يا أريان، أرى أن شيئاً لا يمكن أن يمنعك من اللحاق بوجبة".
دلت الظلال تحت عينيه على أنه سهر حتى وقت متأخر مثل أريان تقريباً. جلست هيليا إلى جانبه بكوب في كلتا يديها، بينما كان كرفت في منتصف إفطاره بالفعل.
"ويل ما زال نائماً على ما أظن؟"
"نعم، يا سيدي. لم أرد إيقاظه. سيحتاج إلى كل قطرة قوة اليوم."
أومأ كرفت برأسه قليلاً.
"جيد. دعه ينام."
التفت السير سامويل نحو هيليا.
"أعتقد أن علينا العودة اليوم. لقد غادرت القرية دون أحدنا لفترة أطول مما أحب".
قالت هيليا: "كنت أفكر في الشيء نفسه. خصوصاً بعد ما سمعناه الليلة الماضية. السلامة خير من الندامة".
تردد السير سامويل.
"كان ويل يتحدث عن النهائيات الكبرى لأسابيع. أكره جره إلى البيت قبيلها مباشرة".
وضع كرفت قدحه جانباً.
"إذن دعني أبقى مع الفتَيان. يمكننا استئجار عربة والعودة غداً".
"مم، سأفكر في الأمر، ربما ليست فكرة سيئة. أريان، أتود البقاء؟"
أومأ أريان بحماس، وهو الذي لم يستمع إلا بنصف أذن بينما كان مشغولاً بتهام كعكات دافئة لذيذة مدهونة بسخاء بالزبدة والعسل. أراد أن يرى ويختبر أكبر قدر ممكن قبل العودة إلى القرية. والأهم من ذلك، أن ذلك يعني صباحاً آخر من تلك الكعكات. لم ينزل ويل إلا بعد أن أصبح أريان آخر الباقين على الطاولة، بينما كان لا يزال يحاول ابتلاع سجق إضافي بالقوة مستمتعاً بدفء مبارك يسري في معدته.
أما الصبي من جهة أخرى فلم يكاد يلمس إفطاره زاعماً أنه ليس جائعاً جداً. ربما توترات ما قبل القتال. دس أريان الكعكة الأخيرة في جيبه. بعد1 وقت قصير، صعدا إلى العربة مجدداً وانضمان إلى حركة المرور الصباحية المتجهة نحو أبواب المدينة. كانت ريبين أعلى صوتاً من الليلة السابقة بالفعل. صرخ التجار من أكشاك افتتحت حديثاً، وازدحمت العربات بالشوارع، وقطعان من المتفرجين بدا أنهم جميعاً يتحركون في الاتجاه نفسه.
تقع أراضي البطولة خارج المدينة مباشرة. سُوّيت المساحة المخصصة وخُلت من الغطاء النباتي، مع عشرة صفوف من المدرجات ترتفع على كل جانب. أحاطت بالساحة أكشاك تبيع الوجبات الخفيفة والجعة، وبدأت طوابير تتشكل بالفعل رغم الساعة المبكرة. شقا طريقهما وسط الحشد ودخلا الساحة المسورة بحواجز خشبية، حيث تجمعت بالفعل عدة مجموعات من الفتيان الصغار مع آبائهم.
قال كرفت: "استشعر الأرض قبل القتال"، فأومأ ويل بوقار.
قال السير سامويل وهو يمشي مبتعداً وهيليا على ذراعه: "يجب أن تكون جدول المباريات معلقاً بالفعل. سنذهب للتحقق".
"يا ويل، أتريا ذينك الفتيان يتمددان هناك؟ هما ابنا السير هورتيك. لا فرصة لك أمام الأكبر، لكن الأصغر يجب أن يكون في متناولك. عليك الحذر أيضاً من ذاك الذي يرتدي قميصاً أحمر، صاحب الشعر الطويل و القرط، وذاك الذي يملك مقبضاً غريباً على سيفه... أه، وذاك الذي يتمرن على الضغط على يديه يبدو خطيراً أيضاً. وتلك المجموعة برمتها هناك. إنهم في التاسعة من العمر غالباً، ومن الواضح أن هذه ليست بطولتهم الأولى".
رمش أريان بين الفتيان الذين أشار إليهم كرفت. وبجانبه، حرك ويل كتفاً ثم الأخرى مسترخياً قبل القتال.
"كيف تعرف أيهم خطير على ويل وأيهم ليس كذلك؟"
"تراقب كيف يتحركون. كيف يمسكون سلاحاً. وما إذا كانوا يواصلون التطلع حولهم أو يحدقون فقط في الشخص الذي أمامهم".
أومأ كرفت نحو أحد الصبية.
"بعد فترة، تبدأ في ملاحظة الأشياء".
"بلا مهارة خاصّة؟"
"ليس من أجل ذلك".
تحرك أريان باضطراب.
"أهناك مهارات تتيح لك فحص حالة شخص ما؟"
"هناك مئات الأنواع المختلفة من المهارات. لا أعرف إن كانت هناك مهارات قوية بقوة قراءة حالة شخص ما، لكني سمعت عن مهارات يمكنها كشف المستوى أو القوة أو نقاط قوة شخص ما وخصائصه الضعيفة".
تحرك أريان باضطراب. إن وُجدت مهارات كهذه، فقد يكون إخفاء حالته أصعب مما افترض. انتظرا في صمت لدقائق، يراقببان الساحة، حتى عاد السير سامويل.
قال السير سامويل: "عشرون دقيقة حتى مباراتك الأولى. ذهبت أمُّك لتحجز لنا مقاعد، لذا استخدم الوقت للإحماء".
ومنحه نظرة دقيقة: "وتذكر ما وعدتني به".
"أنا أتذكر".
"جيد".
التفت سامويل إلى أريان.
"تعال. سنتركهما وشأنهما".
بينما كانا يبتعدان، التفت أريان إلى الوراء.
"حظاً سعيداً، يا ويل. أنا متأكد أنك ستؤدي بشكل رائع! ولكن إن لم تفعل، يمكنك دائماً أن تصبح كاتباً بدلاً من ذلك. حينها سأصبح فارساً مكانك".
أصدر ويل صرخـة سخريّة وانفجر ضاحكاً. كانت هيليا تنتظرهما في الصف الأمامي تبدو أكثر شحوباً من المعتاد. ظلت معظم المدرجات فارغة إذ إن المعارك الصباحية بين الأطفال تجذب العائلات والمعارف غالباً. وبغض النظر عنهم، لاحظ أريان فقط بضع مجموعات صغيرة من الأولاد الصغار الذين بدوا كأنهم من أهل المكان، ربما وُجدوا هناك لمشاهدة المعارك والحلم بدخول الساحة أنفسهم يوماً ما. أخيراً رن جرس، وتحرك ما يقارب عشرين صبياً نحو طاولة جلس عندها خمسة كبار.
اقترب كل منافس من إحدى المحطات منفرداً، وقال شيئاً ثم تلقى سلاحاً. اختار معظمهم سيوفاً قصيرة مع دروع، بينما اختار آخرون فؤوساً أو سيوفاً ذات قبضتين.
سأل أريان متفاجئاً ومنزعجاً قليلاً: "أسيقاتلون بأسلحة حقيقيّة؟"
أجاب الفارس بسرعة: "بالطبع لا. كل سلاح مسحور طوال مدة البطولة. ستؤلم الضربة، لكنها لا ينبغي أن تكسر أي عظام".
أومأ نحو الساحة ثم نظر إلى زوجته.
"أترين هذين بالرداء الأبيض؟ إنهما معافيان. لن يصيب ويلاً مكروه".
وقف أحد الرجال على الطاولة وصرخ بشيء ملوحاً بذراعيه في الهواء. انتشرت خطوط متوهجة عبر الأرض مشكلة عشر دائر ات مثالية بقطر عشرين قدماً. راقب أريان مأخوذاً كيف تجمع المانا المشتتة عادة في أنماط دقيقة وثابتة. ماذا صرخ الرجل؟ أكانت تعويذة؟ أكانت تلك الحركات جزءاً من طقس ما؟ لم تبدو التعويذة نفسها دراماتيكية بشكل خاص، ومع ذلك كانت دقتها أبعد بكثير مما يستطيع أريان إدارته حالياً.
أخذ حكم موقعه في كل دائرة بينما نُوديت الأزواج الأولى للأمام. تفحص أريان الحقول وتوقف حين لمح كرفت يدير الأخيرة.
أوضح السير سامويل متبعاً نظرة أريان المتسائلة: "سيصل باقي الحكام لمباريات الكبار. في المستويات الأدنى، يمكن لأفراد العائلة أو خدام المشاركين التحكيم. بالطبع فقط للمباريات التي لا تضم من يتولون أمرهم".
بحينها كان ويل قد بلغ أحد الحقول حيث وقف مقابل صبي نحيل أطول منه بنصف رأس. ومثله حمل سيفاً ودرساً. تصافحا ثم تراجعا خطوات. بدا صديقه هادئاً بشكل غير معتاد. لم يكن يتململ أو يتلفت كعادته. بقيت جهة انتباهه كاملة على الصبي المقابل له.
صرخ أحد الحكام: "ابدأ!"
فانفجرت الساحة بهتافات العائلات واشتباك الحديد بالحديد. وجد أريان نفسه يهتف باسم صديقه. اقترب ويل ببطء مراقباً خصمه للخطوة الأولى. لم يتردد الصبي الآخر. اندفع للأمام وهوى بسيفه في ضربة رأسية ثقيلة استهدفت وجه ويل. لم يحاول ويل حتى الصد. تنحى جانباً، وسمح للنصل بالمرور على بعد إنشات منه، ثم تقدم ووضع طرف سيفه على حلق خصمه. رفع الحكم يده إعلاناً لنهائية المباراة، وقفز أريان من المقعد هاتفاً بجنون ومجذباً نظرات ممتعة من المتفرجين القريبين.
قال الفارس مصفقاً: "أترين يا هيليا؟ لدى ويل موهبة طبيعية للقتال".
وانضمت زوجته لحظة لاحقة وإن ظلت مشدودة الوجه.
قال أريان جادساً بعد هدوئه: "ويل مذهل".
"لقد دربناه لعامين مع كرفت. يبدو خصمه مقاتلاً عصامياً. المسكين لم يملك أي فرصة".
انتهت المباراة التالية بعد نصف ساعة بالطريقة نفسها تقريباً.هاجم خصم ويل بسيف ذي قبضتين ملوحاً بأقواس واسعة غير منضبطة بينما ضرب ويل الذراع المكشوفة مرتين والساق مرة ليكسب ثلاث نقاط. أدى الفتيان الذين حددهم كرفت مسبقاً بشكل جيد مماثل. فقط مبارزة بين طفلين في التاسعة استمرت لعدة دقائق مستخدمين الدروع والمناورات والتبادلات السريعة قبل أن يفوز أحدها أخيراً بثلاثة لاثنين.
جلس كرفت في مقعد فارغ قائلاً: "حسنًا، لن أكون مطلوباً بعد الآن. مباراة ويل القادمة ستكون صعبة. أوقعته القرعة مع ابن السير هورتيك الأصغر، تايلوس، لكن لديه فرصة".
ركض ويل نحوهما لاهثاً لكن بابتسامة تملأ وجهه من الأذن للأذن: "أمي، أبي، أريان، هل رأيتم؟"
قالت هيليا وإن بقي بعض التوتر في وجهها: "بالطبع يا بني، نحن فخورون بك. لقد قاتلت ببراعة".
وأضاف أريان: "ستصاب نقابة الكُتّاب بالصدمة لفقدان عظيم كهذا".
"أنا سعيد أن المعركة القادمة ضد تايلوس. الفوز ليس ممتعاً حين يكون الخصوم أضعف".
عقب أريان مكتسباً نظرات غريبة من الكبار: "تلك المعارك كانت سهلة لأنك قضيت وقتاً أطول في التدريب منهم. لقد كسبت تلك الميزة قبل أشهر. سأكون فخوراً بها".
"إحم. حسن القول يا أريان".
أشار كرفت: "الآن اذهب وأحضر لي جعة، ألا تفعل؟ يا ويل، تعال، سنناقش التكتيكات للمعركة القادمة".
سأل أريان آخذاً القطع المعدنية من الرجل: "أي شيء لك يا سيدي؟"
"سأطلب جعة أيضاً. كن غلاماً جيداً وأحضرها من أقرب حانة لا كشك. هيليا؟"
هزت هيليا رأسها دون أن تحول نظرها عن الساحة وبقي انتباهها مثبتاً بقلق على مباراة أخرى. ركض أريان خارجاً من الساحة مودعاً ويل بيده أثناء ذهابه. لكونه صغيراً كانت للامر مزاياه. انزلق أريان بسهولة وسط الحشد الممتلئ على المدرجات ولم يلتفت له أحد حين ركض واصطدم بشخص ما. كانت بوابة المدينة تقف بجوار الساحة مباشرة فوصل المباني الأولى دون أن يفقد أنفاسه حتى. تحسنت قدرته على التحمل بوضوح جراء أشهر قضاها في ركض مسار تدريب ويل.
مر بعدة ححان غير جذابة قبل أن يتوقف أمام واحدة مُميّزة بعلامة تظهر خنزيراً بفمه تفاحة. عبر الباب المفتوح ماراً بعجوز تقشر بطاطس بجانب قدر هائل بدا كافياً لحمله. أومأ لها أريان بأدب. تأملته للحظة ثم عادت لعملها بصمت. بدت الحانة لائقة إلى حد ما. ليست برفاهية العنب الذهبي لكنها نظيفة ومرتبة وكان الزبائن يرتدون ملابس بجودة نسبية جيدة.
"ألم تضل طريقك يا فتى؟"
ظهرت نادلة أمامه فجأة. شابة ترتدي مئزراً ناصع البياض وتوازن صينية هائلة من الصحون الفارغة فوق رأسها بيد واحدة. كانت قصيرة نسبياً لكنها متينة البنية بشعر أسود مربوط في جديلة طويلة وحاجبيها الكثيفين فوق عينين داكنتين ممتعتين.
"لا. أرسلني السير سامويل غراي روك من البطولة. يريد جعتين، واحدة لنفسه وأخرى لحارسه".
سعد أريان لامتلاكه عذراً مقنعاً. وبدونه لكان طفل في الخامسة يدخل حانة ويطلب جعة قد قذف به خارجاً فوراً.
"أه، في تلك الحالة ستكون أربع قطع برونزية للجعة وأربع أخرى للأكواد، والتي ستستردها إن أعدتها. انتظر هنا. ولا تلمس شيئاً. والأفضل ألا تتحرك على الإطلاق"
ردت النادلة متبعدة وصينيتها مرفوعة عالياً كأنها لا تزن شيئاً. وقف أريان ساكناً يتطلع حول المكان. احتلت مدفأة ضخمة أحد الأركان وتحيط بها أرائك ومقاعد منجّدة بفراء الحيوانات. وخلفها وقفت عشر طاولات خشبية جلس عندها بضعة زبائن يحتسون الجعة. على عكس العنب الذهبي حملت الجدران شموعاً عادية فقط بينما امتلأت الرفوف خلف منضدة الخدمة بالزجاجات. بدت الغرفة الثانية المريحة عبر الأبواب المزدوجة المفتوحة على مصراعيها أشبه بقاعة طعام ممتلئة بمقاعد طويلة وطاولات استمتع عندها عدد من الضيوف بإفطار متأخر.
وكانت أفتح نوراً بكثير من الغرفة الأولى بفضل نوافذ كبيرة تسمح بنور الصيف عبر زجاج ربما كان أغبش قليلاً مما اعتاد عليه على الأرض لكنه ظل زجاجاً.
"أريان؟ أأنت هذا؟"
التفت أريان. وقفت ساري على بعد خطوات بفساتين بني ومئزر، أطول مما تذكرها. حدق بها متسائلاً باختصار إن كان أخطأ في شخص أخته. لم يخطئ. عبر أريان الغرفة وطوق ذراعيه حول خصرها بقوة كافية لكي تتعثر. تصلبت ساري مفاجأة قبل أن تلف ذراعيها حوله بالشدة نفسها. ضغط أريان وجهه في فستانها وحرقت عيناه. تخيل أريان هذا اللقاء بطرق مختلفة لأشهر. كانت لديه أسئلة وأكثر من أشياء قليلة أراد الصراخ بها في وجهها.
ولم يهم أي منها وهو يمسك بها. حين تركته أخيراً تراجعت ساري وتأملته عن قرب.
"ماذا تفعل هنا؟"
ترددت.
"أوالداك معك؟"
أجاب وشعر باسترخائها: "لا، أبوانا ما زالا في القرية. أنا هنا مع السير سامويل. أحضرني رفيقاً لويل للبطولة. أنا سعيد جداً لأنني وجدتك. لا تكادين تعلمين كم قلقلت عليك".
"أه، مع السير سامويل. أرى أنك كبرت خلال العام الماضي. حتى أنك تتحدث بشكل مختلف. لا بد أن لديك قصصاً كثيرة ترويها. وفي البيت الجميع... لا علينا. كيف تجد ريبين؟"
سأل ناظراً إلى المئزر فوق فستانها البني: "إنها بخير. ولكن ساري، ماذا عنك؟ أتعملين هنا؟"
كانت تحمل نفسها بشكل مختلف وإن لم يستطع أريان تحديد كيف بعد.
"أه، نعم، نعم. أخذتني السيدة فيلدا. إنها تعاملني معاملة حسنة جداً. ولدي حتى غرفتي الصغيرة في العلية. اسمع..."
قاطعتهم النادلة السابقة حاملة قدحي فخار كبيرين تعلوهما رغوة بيضاء كثيفة: "يا ساري، أتتعرفينه؟"
"ميلي، هذا أخي الأصغر أريان. حدثتك عنه".
"الهادئ؟ ها. يبدو أذكى مما توقعت. على الأقل مقارنة بأطفال أختي الذين لعبتهم المفضلة حفر أي شيء يجدونه من أنوفهم. ولكن انتظر، أيعني ذلك أن عائلتك..."
"لا، أتي أريان إلى هنا مع سيّدنا من أجل البطولة".
سقطت عينا أريان على القدحين في يدي ميلي.
تطلع أريان نحو الباب دون أن يتحرك: "البطولة..."
ثم قال أخيراً: "ستبدأ مباراة ويل القادمة. يجب أن أعود، لكن مباريات التصفيح تنتهي خلال ساعتين. أيمكننا اللقاء بعد ذلك؟"
"سأطلب من السيدة فيلدا استراحة. سيكون معظم الناس في البطولة على أية حال ولن يكون مزدحماً جداً".
"عظيم".
خطا أريان خطوة نحو الباب ثم توقف.
"ستكونين هنا، أليس كذلك؟"
توقفت ساري.
"سأكون هنا".
أومأ وأسرع نحو المخرج.
صاحت ميلي خلفه: "الجعة!"
فالتفت بسرعة لدرجة أنه كاد يقع. أعطى ثماني قطع برونزية ثم حمل القدحين الثقيلين بحذر نحو الساحة.
تمتمت المرأة بضحكة: "ربما ليس ذكياً بهذا القدر بعد كل شيء".