"كنا... ممم... نصنع بعض المراهم فقط"
أجابت كوري، محاولةً كعادتها، وفاشلة كالعادة، في ألا تبدو مذنب بشيء. اكتفى هار بإلقاء نظرة على المعدات المبعثرة التي فقدت ترتيبها، والأدوات المتسخة المتراصة أمام الاثنين.
"وأفترض أنكما عبثتما بمستودع التخزين بحثاً عن المكونات أيضاً؟"
"كلا، لم ألمسها قط، لقد أحضر بولست بعضها طازجاً!"
هكذا أوقعت الشيخ الآخر تحت عجلات العربة السريعة دون قصد. رمقه هار بنظرة حارقة، ولن تكون هذه نهاية النقاش غالباً.
"أفترض كان عليّ توقع هذا..."
قال وهو يهز رأسه.
"والآن، ما قصة ذلك الخلل الذي دخلت ووجدتكم فيه؟ لن تنفجر أو شيء من هذا القبيل، أليس كذلك؟"
أدرك كوري فجأة أن هار قد لا يكون غاضباً من صنعهما للمرهم، بل من دخوله عليهما وهما يتجادلان حول فشل أمر ما. وتيقّنت أنه يستعيد ذكريات المرة الأخيرة التي عملا فيها معاً هي وبولست. بدا أن بولست أدرك الأمر في التوقيت نفسه تقريباً، إذ لوّح بيديه باهتياج محاولاً الشرح.
"لا، ليس هذا أبداً! حاولنا جعل كوري هنا تنهي دفعة مرهم بدأتها أنا في محاولة لتوزيع العبء وتحسين إنتاجيتها. وهي مصرّة على إمكانية ذلك، وأننا نحتاج فقط إلى المزيد من التجارب لتحديد النقطة التي يجب عليها تولي الزمام فيها. أما أنا فأعتقد أن هذا حدّ للمهارة نفسها، أو ربما لأنها تُسرب المانا إلى إبداعاتها لاواعيّاً أثناء العملية، ويجب أن يتمّ فعل الخلق بأسره بيدها وحدها."
ارتخت كتفا هار وهو يستمع إلى الشرح، حتى إنه لم يدرك مدى توتره حين رأى الاثنين فوق طاولة العمل.
"إذن، لن ينفجر شيء، أو يتحول إلى سحابة من الغاز السام، أو يهدد بإسقاط الجبل فوق رؤوسنا بطريقة أخرى؟"
"كلا! مجرد مرهم مفيد. أو هكذا أظن على الأقل..."
عبست قليلاً، ولا تزال غاضبة لعدم قدرتها على التمييز بما إذا نجحت أم لا إلا عبر الإحساس بالحرفة.
"أمتأكد أنه ليس هناك سبيل لأتعلم التقيس؟"
أخذ هار لحظة ليستوعب قصدها، فقد افترض أن بولست قد تحقّق من النتيجة سلفاً.
"لا أستطيع التفكير في سبيل. أتريدين مني إلقاء نظرة؟"
اكتفت كوري بالإيماء بينما اقترب، ولم يستغرق الأمر خمس ثوانٍ ليتأكد أنها صنعت بالفعل مرهم الشفاء العشبي المشبع، وأنه من الدرجة الشائعة نفسها التي توقعتها.
"ممم... أعتقد أنني أستطيع رفع جودته إلى غير شائعة... أحتاج فقط إلى تحسين المكونات قليلاً. وربما تجربة طريقة التجفيف برونة هواء ساخنة؟"
لم تبدو هواجس كوري موجهة لأحد غير نفسها وهي تخربش ملاحظات على ورقة، لتخطط سلفاً لدفعتها التالية. أو بالأحرى لدفعات، إذ شرعت في صياغة تعليمات لتجارب متعددة. وقع على عاتق هار انتشالها من أحلام اليقظة.
"كوري... كوري!"
انتفضت يدها حين صرخ، لتفسد سطراً من الفرضيات التي كانت تصوغها.
"هاه؟"
رفعت رأسها، ولم تدرك إلا حينها أن الطاولة حولها قد أُفرغت وأن معظم ما يخص جلسة صنع الصباح قد نُظّف.
"حان الوقت..."
تمتم.
"عليك تناول الفطور. لقد أحضرته معي."
"أه. حسناً."
شرعت فوراً في جمع كتاباتها، ناوية أخذ الأوراق معها إما لقراءتها أو مواصلة الكتابة أثناء الأكل.
"لنترك كتابتك إلى ما بعد الأكل."
أمر هار. ترددت بنظرها بينه وبين صفحتها بضع مرات قبل أن تتنهد وتضع قلمها جانباً ثم تتجه عودة نحو الغرفة الأمامية.
التقطت سمعها بالكاد تمتمة "سيكون هذا يوماً طويلاً..."
قادمة من خلفها وهي تغادر. كان الفطور تماماً كما توقع المرء، وإن ظهرت لمسة من إشيكات السطح حين أخرجت أدوات المائدة والأطباق زاهية الألوان من سلتها. وجد بولست الأدوات غريبة بعض الشيء، إذ لم يعتادها بتاتاً، بينما استمتع هار وكوري بوقتهما. كانت كوري ممتنة خصيصاً لشوكتها، إذ استطاعت رش بعض الزيت الحار دون إحداث فوضى أو تلطيخ مخالبها به. وحين أنهى الثلاثة وجبتهم وكانوا ينظفون المكان، بادر هار بالكلام لمحاولة وضع خطة اليوم، أو على الأقل لمنعه من الانحراف أكثر.
"حسناً، إذن علينا ترتيب مستودعك قليلاً. أفكّرتِ في الطريقة التي ترغبين في تنظيم الأشياء بها؟"
وهي، بالطبع، لم تفعل.
"آه..."
"ظننت ذلك..."
تنهد هار، متمنياً تكرار تمتماته السابقة.
"ألم تدوني أي ملاحظات حول كيفية ترتيب إميلدا لمؤونها الخاصة؟"
"أه، كانت طريقة تنظيمها تعتمد على الاستخدام. الأعشاب الأكثر شيوعاً وُضعت بالقرب من مساحة عملها والبقية صُنّفت حسب عائلات النباتات. حسن... ما عدا النادرة، فقد عزلتها وحدها في الخلف."
هزت كوري رأسها مستنكرة هذا التناقض.
"أظن أنها لا تثق بسكان البلدة الآخرين إلى هذا الحد؟ حتى إن بعض الخزانات كانت مزودة بأقفال."
تجاهل كل من هار وبولست سذاجتها تعمدًا، فلم يكن أي منهما مستعداً لسيل التساؤلات اللامتناهي عن سبب ذلك والذي سيلي ويقاطع مثل هذا الشرح.
"يمكننا فعل شيء كهذا، ترتيب الأعشاب التي اكتشفت وصفاتها قرب الباب، فسنستهلك المزيد منها على أي حال، ثم ننظم البقية على الأرفف الأخرى."
فكر هار لحظة قبل أن يضيف.
"أو ربما أبجدياً؟ وإلا ستكونين أنت وحدك من يقوم بالعمل كله لأنني لا فكرة لدي عن النباتات التي ترتبط ببعضها. أو حتى معنى ذلك..."
بدل قبول كلامها ببساطة، رأت كوري فيها فرصة لتعليمه شيئاً للمرة الأولى، فشرعت في شرح مطوّل حول كيف ترتبط نباتتا القراص الحجري والقراص اللاسع، رغم أن أحدهما ينمو تحت الأرض والآخر فوقها، أو كيف أنهما بالكاد يتشابهان. أو كيف أن الفاكهة الشهية -وأصرت على أنها فاكهة حين اعترض هار-، الطماطم، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بواحدة من أفتك النباتات، وهي نبات البنجد. دفع الجزء الأخير هار إلى إعادة تفحص سجل محتويات جميع الصناديق، ليجد أنه يتضمن بالفعل عينة من البنجد، بل ويحتوي في الواقع على عينات من التوت الجاف والجذور والزهور والأوراق.
وعد هار نفسه بجعل أورتيك يعيد فحص كل ما جلبه، والشحنات المستقبلية أيضاً، وإزالة أي شيء لم تكن مستعدة له. أو ربما لم تكن هي من لم تكن مستعدة لتجربة أمور كهذه، بل العشيرة. لم يرتَح قط لفكرة تزويدها بنبات لا يخفي طبيعته بفظاظة لدرجة أن اسمه الحقيقي عند التقيس كان 'البنجد القاتل'. مهما حاول، لم يستطع هار الإفلات من الموضوع. استمر ساعات، مستخدماً كلمات لم يسمع قط بها، وتفاجأ بمعرفتها لها، مثل جنس أو تصنيف.
واستمر الأمر، واستمر، واستمر، بينما كانوا يفرغون صناديق الأعشاب ويرتبونها بالعشرات. ويبدو أنه جلب القليل من كل شيء. ولخيبة أمل كوري، لم تظهر عينة فطر الموت من قيعان الصناديق. كانت العديد من العينات في أكياس أو مربوطة ببساطة في حزم، وما إن تحررت من طريقة تعبئتها حتى وُضعت كل منها في أوانٍ فخارية منتظرة ذات أغطية، وهي أشياء صنعها حرفتو العشيرة القلائل، وعُلقت قطع صغيرة من الأردواز مَعلمة وحول كل منها للإشارة إلى محتوياتها.
كانت تفضل لو استخدموا الزجاج لتتمكن من رؤية محتوى كل وعاء أسرع، لكنها أدركت هي نفسها أن ذلك سيكلف أكثر. لم تكن متأكدة من مقدار الزيادة، سوى أنها ستكون موجودة. استغرق الثلاثة معظم اليوم لجعل الأمور قريبة من الترتيب على الأقل، فما زال هناك الكثير من نقل الأشياء، خصوصاً مع اكتشافها تركيبات جديدة، وهناك المزيد من المؤون في الطريق من الدائرة أيضاً. كانت قد قررت إبقاء مكوناتها منفصلة عن البقية، لتعرف أين تتجه إن احتاجت المزيد من أي شيء.
دلك بولست الحراشف على ظهره وتمطى.
"أخيراً!"
وحين استقر مجدداً في وضع منتصب، راح يتأكد من الغرفة المحيطة بكل ما فيها للعمل به، مبتسماً باتساع.
"إذن، ماذا تريدين أن ن صنع؟"
وعاد حماسه من صباح ذلك اليوم فوراً.
"لا أريد تخريب المزاج أو شيئاً، لكن، حسن، صنع أورتيك قائمة بما يريده بنهاية الأسبوع القادم."
تدخل هار، قبل أن تتمكن كوري من الشروع في أي خطط مبعثرة نسجتها في رأسها منذ الصباح.
"أه..."
كان هذا كل ما تمكنت من الرد به.
"وأفترض أنك تحمل هذه القائمة معك؟"
سأل بولست، وهو يعلم أن أيامه القادمة كمرشد ستستهلكها على الأرجح الحرفة الروتينية لتلبية الطلبات بدلاً من التجريب. وشكّ في أن الأمر ربما كان متعمداً.
"إنها في الحقيبة التي أحضرت الفطور فيها."
أومأ هار.
"الأمر ليس سيئاً للغاية، لكننا نفتقر بشدة إلى مرهم الشفاء بعد أن أمضينا وقتاً طويلاً في واتزاكت. وأنا متأكد من استغلالكما الوقت لمعرفة مقدار المساعدة التي يمكنكما تقديمها، أو يمكنك إرسال كورا إلى الأسفل بينما تشرف على إعادة التوطين غداً."
فقد كل ما عدا ذلك أهميته فجأة بالنسبة إلى بولست.
"أتعني أنه تمت الموافقة؟!"
اتسعت عيناه.
"انتظر، أيعني هذا أنك كنت تعلم طوال اليوم وتخبرني الآن فقط؟"
اكتفى هار بابتسامة خبيثة رداً على ذلك، مستمتعاً باللحظة.
"وافق أورتيك البارحة. ستقوم يلست بختمه في حجر معالج بالمانا بنفسها."
مظلم وجه هار بشكل ملحوظ قبل أن يضيف.
"وتم تشجيعي على أن أكون أنا من يجر العربة التي يُحمل عليها بينما ننقله باتجاه السطح..."
تألم بولست. فقد علم أن الجزء الأخير كان موضع خلاف لفترة. كان هار أعلى سائقي العربات رتبة لديهم، وقد جعلت منه قدراته كقائد قافلة أفضل من يشغل الوظيفة. إن استطاع أحد ضمان رحلة سلسة وثابتة، فهو هار. لم يكن الصياد العجوز ساذجاً لدرجة ألا يرى الأمر على حقيقته. كانا يشتتان انتباهه. ظن أن الحصول على أيام الإشراف الأولى مع الصغيرة في المختبر الجديد كان أسهل من اللازم، وعلم الآن السبب.
لم تكن هذه الأيام لتُعلمها شيئاً قط، فقد أرادا كورا طوال الوقت.
"لا تظن أنني لا أدري ما تفعله."
تذمر.
"ولكن لا بأس، سأحضر كورا إلى الأسفل غداً صباحاً قبل أن نبدأ النقل."
ابتسم هار فحسب، فلا فرق إن علم بولست أم لا، فلن يفوت فرصة إبعاد الكارثة المرتقبة عن مختبره بأقصى ما يمكن وكلاهما يعلم ذلك. ولم تكن حقيقة أن وجوده غير ضروري غالباً عند نقل المتفجرات ضخمة الحجم ذات أهمية، فسيكون هناك.
"لا داعي. يمكنها النزول مع كوري في الصباح."
وجّه انتباهه إلى كوري.
"يريد أورتيك رؤيتك. قال إن عليك مقابلته في حجراته حين ننتهي من تفريغ الصناديق."
استطاع بولست رؤية مخالب هار في كل مكان من الخطط التي وُضعت. فمن يدبر المكائد سواه على أي حال. لكنه لم يهتم، فهو يستعيد مختبره.