دوى ابتهاج كوري في أرجاء القاعة، وعاد صداها إليها كقوة مادية نزعت الحماس من جسدها الرشيق. إذ لا شيء يعيد الصدى مثل قاعة حجرية فارغة. بالطبع، وُجدت أشياء معدودة، طاولة معدنية بارتفاع الخصر ومقعد ينزلق تحتها، وبضعة صناديق متراكمة في زاوية، وزوج من الرفوف المنخفضة التي جعلت المساحة تبدو أكثر فراغاً لخلوّها من محتويات، وما عدا ذلك كانت الغرفة ببساطة أربعة جدران حجرية عارية، وأرضية، وسقفاً مرتفعاً أكثر من اللازم.
لم تكن متأكدة أي الخيانتين كانت ألذّ لدغة في تلك اللحظة، تحطم آمالها في قضاء اليوم في تجربة أدواتها الجديدة كافة في أفعال خلق متنوعة، أم الضحكات الصاخبة التي سمعتها قادمة من الغرفة خلفها والتي بدَت وكأنها تعامل تلك الآمال المحطمة كمزحة.
التفتت بحِدّة لتواجه الشيخين اللذين اقتربا من الخلف بنية التعبير عن غضبها، ولكن كل ما استطاعت انتزاعه بينما بدأت الدموع تنهمر كان همساً ضعيفاً: "ولكن... ولكن... مختبري!".
تحول تعبير بولست من عبوس وُجه حصرياً نحو هار بعد خسارة رهان آخر معه، إلى تعبير عن إثبات براءة.
"هاه! الآن تعرفين كيف أشعر...".
لم يستطع إنهاء الجملة قبل أن يلتفّ يد هار حول خطم الصياد العجوز.
"اصمت أنت، لقد اتفقنا أخيراً على السماح للسحرة بختم الشيء في الحجر ونقله، فلا تجعلني أصرّ على تجربة أداء".
رمقه هار بنظرة قاسية قبل أن يُبعد يده، وبدأ بولست فوراً في فرك البقع التي ترك مخالب التاجر بصمةً لها على حراشفه.
"إضافة إلى ذلك، أنا أعلم تماماً أنه لم يتبقَّ أي من القوارير المستقرة التي صنعَتْها للقيام بمثل هذه التجربة، لذا فلنَرَكِ تشرحين ذلك لأورتيك".
بدا الصياد وكأن لديه رداً، لكن نظرة حادة من هار جعلته يعيد التفكير.
"كوري، أظن أنك ربما أسأتِ فهم غرض اليوم".
بدأ هار بلطف، محاولاً مواساة اليايبة خيبة الأمل.
"قد يكون ذلك خطأنا لعدم مناقشة الأمور بوضوح".
كوع بولست، محاولاً حمله على إبداء القليل من الندم أيضاً. أدار بولست عينيه نحو نظيره قبل أن يعود إلى كوري بقدر ضئيل من التعاطف على الأقل.
"إنه على حق، أستطيع أن أرى أنك كنت تتوقعين الدخول وصنع شيء ما، وأعلم أنني كنت سأشعر بخيبة أمل لو أنني عدت أخيراً إلى مختبري ووجدته فارغاً...".
ارتجف لمجرد التفكير في الأمر.
"الأيام الأربعة القادمة، بما أنني التالي في الجدول كمرشد لك، ستكون في تفريغ كل شيء وإعداده قبل أن نتمكن من الانتقال إلى الجزء الممتع".
تولى هار زمام الأمور مرة أخرى.
"نحن هنا لمساعدتك في جعل الأمور بالطريقة التي تريدينها".
وضع تركيزاً قوياً على كون الأمر وفق تصميمها بينما كان يرمق بولست بنظرة، ولم تكن هذه على الأرجح المرة الأولى التي يذكرانه فيها بهذه الحقيقة.
"بالطبع، سيكون لبولست هنا آراء، والكثير منها، حول كيفية إعداده، وأنا متأكد من أن ذلك سيكون مفيداً للبدء، لكن هذه مساحتك لذا يجب أن تتم وفق احتياجاتك".
خفف الشرح من استياء كوري إلى حد ما وأقرت بأنهما على حق على الأرجح. لو أنها دخلت ببساطة وكان كل شيء جاهزاً للانطلاق، فهل كان ليكون مختبرها حقاً؟ أطلقت شهقة سريعة محاولةً مسح دمعة شاردة شقّت طريقها عبر حراشفها.
"أوه... أعتقد أن هذا منطقي... كان يجب أن أفكر في ذلك".
بتنهيدة ارتياح، أشار هار نحو المدخل الآخر للغرفة، ذلك المؤدي إلى الغرفة التي لم تُستكشف بعد.
"يوجد مزيد من الأثعاث هناك، ويجب أن نبدأ على الأرجح بنقل كل شيء للداخل ومعرفة كيف ترتّبين المساحة".
عندما فتحت كوري الباب الآخر، لاحظت بسرعة وجود مقبض متطابق على الباب الخارجي لذاك الذي دخلت عبره، وأكدت بسعادة بالغة أنه يفتح دون عوائق من الداخل. عندما نظرت باستفهام إلى بولست، بادلها ابتسامة جانبية سريعة قبل أن يشرح.
"ليس أي منهما الأصلي، فهو مدفون في المختبر داخل خزانة ما في مكان ما. كان صنعه سهلاً بما يكفي على أي حال. في الواقع إنه مجرد آليات تسليح معدلة من أحد فخاخي".
مال إلى الأمام ووسع ابتسامته أكثر، مظهرًا أسنانه الحادة قبل أن يهمس.
"إلا أن هذه لا تطعنك بأشواك سامة عندما تعبث بدبابيس الخداع".
ابتلعت كوري ريقها مدركة فجأة مدى خطورة العبث بمهارتها الجديدة. عندما أعادت تركيزها إلى الغرفة التي كانت تدخلها، وجدت أنها أقل تنظيماً بكثير من حالة منطقة التخزين الأخرى. فبدلًا من صناديق مرتبة بدقة جاهزة لاكتشاف محتوياتاتها، وجدت طاولات متراكمة فوق بعضها، ومقاعد مكومة تحتها أو فوقها، وعدة خزانات متراكمة ضد بعضها تمنع كلاً منها من تفقد محتوياتها، وفي منتصف ذلك كله حوض حجري يقارب المتر في أحد جوانبه جالس هناك يبدو وكأنه يزن أكثر من بقية الأشياء مجتمعة.
ولم تكن متأكدة حتى ما إذا كان الأخير قادراً على المرور عبر الباب. عندما رأى هار ميلان رأسها متسائلة عند الحوض محاولة معرفة سبب وجوده، تجهم وجهه.
"آه... ذلك. لقد واجهنا مشكلة بسيطة مع الحوض. وتحديداً، التصريف...".
هز رأسه قبل أن يتابع.
"فشلنا في حساب مشكلة الهلاميات... فأي مكان يمكنك تصريف الماء منه، يمكنها اكتساب الدخول منه...".
تدخل بولست لشرح الحل المؤقت.
"في الوقت الحالي، ستحتاجين إلى استخدام الحوض هنا من أجل مياهك، فهو يمتلك روناً جاهزاً لتوفير ما تحتاجينه وسيتم جمع المياه العادمة في دلو، وسيقوم المحارث الحارس للممر الخارجي بمساعدتك في إفراغه في المحجر القديم حتى نتوصل إلى شيء أفضل".
بينما كانا يشرحان الوضع، كل ما استطاعت كوري رؤيته في مخيلتها كان هلاماً مائياً لزجاً يفور صاعداً من مصرف الحوض ويزحف خارجاً إلى الأرضية ليتربص بقدمها الغافلة. ارتعشت عند الفكرة وأدركت يقيناً أنها لن تكون قادرة على نيل أي نوم في وكيرها الجديد بعيداً عن البيت في أي وقت قريب. برؤية قلقها المتصاعد، حاول هار تهدئة مخاوفها.
"لا داعي للقلق، فالجندي المناوب في الخارج كان ينام في إحدى الغرف لأسابيع دون حوادث. لن تتركي بمفردك تماماً هنا أبداً".
لم تكن متأكدة ما إذا كانت حقيقة شعور الشيخين بوجود حاجة لوضع حارس عند مدخل المحجر راحةً أم سبباً لمزيد من القلق. فمن غير المرجح أن يكون وجودهما مخصصاً لإبقاء الأشياء بالخارج على أي حال. بدلًا من القلق بشأن ما قد يحاول أو لا يحاول دخول غرفتي نومها الجديدة بينما تنام، وهو أمر لم تكن مهتمة به قط بعد اطمئنانها إلى أنه ليس تهديداً، ولا بأي شكل، حاولت كوري إعادة تركيزها على الماء نفسه وراحت تنقب بين الأوراق في حقيبتها.
"في الواقع كانت لدي بعض الأفكار بشأن الماء، لقد دونت ملاحظات!".
قدمت الصفحة بحماس لبولست، وربما بحماس مفرط بعض الشيء وكأنها لا تحاول فقط تغيير الموضوع بصوت عالٍ، بل وتغيير الموضوع الذي يشغل أفكارها أيضاً.
"إيميلدا، العشابة على السطح التي أجريت معها بعض التجريب، تحدثت عن كيف يمكن لكل ما يذهب إلى دواء أن يؤثر على النتيجة، لذا أردت تفكيك كل مكون ومعرفة ما قد يصنع فرقاً. لذا، أردت محاولة صنع الصبغة بماء مكثف بالرون، ثم بنفس الماء لكن مغلياً لعشر دقائق على الأقل، ثم بماء من البحيرات العميقة، ثم...".
استرسل شرحها دون توقف، بينما كانا ينقلان الطاولات والخزانات والمقاعد وكل شيء آخر عدا الحوض الكبير، إلى داخل الغرفة.
حسناً، نقل الكبار معظم تلك الأشياء، أما كوري فقد "ساعدت"
عبر نقل المقاعد والأصناف الاصغر وتوجيه المكان الذي تريد للأشياء أن توضع فيه. وغير مفاجئ أن عيني هار قد تجمدتا وصار غافياً عن هذيانها بشأن درجات الحرارة وأوقات النقع وأوعية الخلط وجميع التفاصيل الأخرى التي لم يستطع استيعاب حملها لأهمية تبرر مثل هذا الاهتمام. أما بولست من جهة أخرى فقد استمع باهتمام شديد، مانحاً إياها إرشادات أو مقترحاً مقاربات إضافية للاختبار، محاولاً طوال الوقت عدم التأثير على خياراتها.
لقد قام هو نفسه بالعديد من الاختبارات التي كانت تقترحها، لكن تجاربه استندت إلى رغبته في التأثير على الضحايا لا المرضى. لم يرغب في مشاركة نتائج ليُفسد نتائجها. كلما ناقشا الاختبار واستقرا على تصميم المختبر الجديد، كلما شعر بخيبة أمل لأن تجربتهما الأولى في العمل معاً سارت بشكل سيء للغاية. كان متأكداً من أنهما يمكن أن يفعلا أشياء عظيمة معاً، رغم أن تعريفه للعظمة ربما مال أكثر نحو ما قد يساميه الآخرون مرعباً.
في النهاية استقرا على تصميم يذكرنا تماماً بمساحة بولست، ثلاث مناطق عمل منفصلة في الزوايا الخارجية مع صف من الخزانات تفصلها عن بعضها ومساحة لتجهيز المواد والأجهزة في منتصف الغرفة، وكان القصد منها واحدة للعمل الطبي وأخرى للعمل الأقل طبية والأخيرة للتجريب. بمجرد تأثيث مناطق العمل، كانت الخطوة التالية هي فتح الصناديق، والمزيد من الصناديق، والمزيد من الصناديق. فقد احتوت على كل شيء من وفرة من الأواني الزجاجية والحوامل لحملها، والتي سرعان ما ملأت الخزانات العديدة، والمشابك المعدنية التي لُفّت أطرافها بالجلد لإمساك الأواني الزجاجية، وأنواع متعددة من الهاون والمدقة، وتيار لا ينتهي تقريباً من الأدوات واللوازم الأخرى.
كانت متحمسة لرؤية وجود زوج من السخانات المدعومة بالمانا، مثل تلك التي استخدمتها إيميلدا لتسخين شايها. كانت تتمتع بدرجات حرارة أكثر استقراراً بكثير من النار، أو حتى رون نار يعتمد على عوامل مثل العمر والجودة لمكونات النقش. كانت مهتمة حقاً بكيفية عمل الأدوات بالفعل، لكن بصرف النظر عن التعليقات حول السحرة والمعادن الموصلة للمانا، لم يستطع أحد شرح ذلك حقاً حتى الآن.
كانت هناك أكثر من عدة عناصر لم تستطع كوري استخلاص الغرض منها، مثل سبب احتياجها لقضبان زجاجية طويلة، أو ما كان مفترضاً في الأنبوب النحاسي الصغير ذي المقبض المنزلق فعله. عندما لعبت بالأخير، وجد أن انزلاق المقبض يتسبب في طرد الهواء من دبوس سميك بارز على النهاية.
"أه... هار... ما هذا؟"
"مم؟"
رفع بصره عن سجل الشحن الذي كان يستخدمه للتحقق من محتويات صندوق.
"أوه، هذا جديد. يُدعى على ما يبدو محقنة؟ أم أكانت محجنة؟ لا، أظن أنه الأول".
جذب الحديث عن الألعاب الجديدة اهتمام بولست بالطبع وانتقل لفحص الجهاز.
"مثير للاهتمام، لأي شيء وُجد؟"
"شيء ما حول استخلاص السائل من وعاء لترسيب كمية مقاسة في مكان آخر؟ لست متأكداً حقاً".
هز كتفيه، غير متفهم تماماً لغاية الشيء نفسه.
"التقطه أحد التجار المتجولين من العاصمة, ووصل على متن سفينة من إيثين. باعه كأدات معالج بثمن رخيص، ويرجع ذلك في الغالب إلى عدم معرفة أحد بما يصنعه منه، لذا فكرت لم لا".
عندما رفع نظره ورأى نظرة الرجاء في عيني الصياد تنهد فحسب، "نعم... لقد جلبت واحداً لك أيضاً".
لم تكن كوري ولا بولست يعرفان ما قد يستخدمان الآلة لأجله، لكنهما تقاسما أوسع ابتسامة عند التفكير في الحصول على لعبة جديدة مثيرة للاهتمام. عندما تم تفكيك آخر الصناديق الموسومة باحتوائها على معدات في السجل، بقي عدد أقل بكثير من الصناديق التي تحتوي على مكونات عما كانت كوري تأمل في رؤيته. بالرغم من ذلك، وبإلقاء نظرة على ما تم إدراجه، استطاعت العثور على كل ما تحتاجه لصنع أي من معلقاتها المعروفة، لكن ليس الكثير فيما يتعلق بأي شيء جديد.
افترضت أن ذلك منطقي بعض شيء، فلا سبب لتخزين أي شيء قد يتبين أنه عديم الفائدة. عرف هار جيداً ما كان يدور في ذهنها وهي تنظر ذهاباً وإياباً بين الصناديق المتبقية والسجل.
"لدى أورتيك حمولة من المواد من الدائرة لك أيضاً".
ثم رمق بولست بنظرة حادة، "وأنا متأكد من أن بولست هنا سيشارك بعض إمداداته لتجربي بها إن طلبت بلطف".
وكل ما تلقاه كان همهمة غير التزامية رداً على ذلك. بينما انتهيا من معظم التفريغ والإعداد الأولي، كانت كوري متأكدة من أنه ستكون هناك الكثير من التنقلات وإعادة الترتيب في القادم. وكانت هناك أيضاً مسألة الزاوية الأخيرة، تلك الواقعة بين البابين. كانت هذه المساحة الأخيرة مثيرة للجدل في الواقع، أرادت كوري وضع مكتب كتابة ورف كتب في الفضاء، بينما اعتقد الشيوخ أنه يجب عليها إبقاء هذه الأشياء في غرفة منفصلة في حالة وقوع حوادث.
في النهاية، أصرت كوري على أنها تريد أن تكون مراجعها في متناول اليد حتى تتمكن من الوصول إليها دون مقاطعة سير العمل. كانت هذه أيضاً نقطة جلبت سعادة كبيرة لكوري. لقد اشترى لها هار بالفعل دفاتر ملاحظات فارغة. انتظرها ثلاثة مجلدات جديدة مجلدة بالجلد بالإضافة إلى كومة من الأوراق لملاحظات العمل وخزانة كان الغرض منها تنظيم الأوراق المتناثرة. للحظة بدا من الصعب تحديد ما كان يثير حماسها أكثر، الحصول على إمكانية الوصول إلى الكثير من مواد الكتابة أم البدء في العمل بالتجريب والعثور على تركيبات جديدة لصنعها.
لكن لفترة وجيزة جداً فقط، ثم استقرت، مرة أخرى، بحزم على الأخيرة.
عندما تبيّن أن أحد الصناديق في الغرفة الأخرى احتوى حقاً على الكتب الفارغة، كان أول ما فعلته كوري هو التطلع إلى بولست بعينين كبيرتين واسعتين متوسلتين وسألت: "هل يمكنني صنع نسخة من كتاب السموم الخاص بك؟".
حسناً، أول أول شيء فعلته هو القيام برقصة متعرجة صغيرة من الحماس، ثم طرحت سؤالها.
اتسعت عيناها أكثر عندما أجابها بشكل غير متوقع بابتسامة متغطرسة: "أيّ واحد؟"
"ألديك أكثر من واحد؟!"
سألت كوري بحماس. لم يستطع بولست إلا أن يضحك على حماقاتها.
"بالطبع. لدي واحد للنباتات السامة، ربما تمتلكين معظم تلك في خاصتك بالفعل، ثم هناك واحد للحيوانات السامة، وآخر منفصل للّواسعة، ثم لدي واحد جلبه هار هنا من السطح، منسوخ باحترافية وكل شيء، يغطي المركبات السامة والمعادن".
بدا متفاخراً بعض الشيء بشأن الأخير، وربما كان الأقل فائدة من بين الحزمة، لكنه كان يعتز به مع ذلك.
"لا أنصح بمحاولة نسخ الأخير يا كوري".
حذر هار، مفاجئاً كلاهما.
"نقابة النساخ تأخذ النسخ غير المصرح به على محمل الجد تماماً".
اتخذ نبرة خطيرة للتأكيد على أهمية ما سيقوله تالياً.
"إنهم أعضاء في أكاديمية إيثين الملكية للفنون، ولا ترغبين حقاً في العبث معهم".