"الان يا بنيتي، لا أستطيع إجبارك على حفظ هذا السر، لكنّي أرى الأفضل أن تفعلي، لكِ ولعشيرتنا. حقيقة أنك أخبرتنا نحن الاثنتين تعني أن الأوان قد فات وكثر العارفون، وبصفتي الأم الكبرى وحارسة روحانية عشيرة إيمبرسكال"، والتفتت الأم كليس بنظراتها بين كورس وكتي وقد علت وجهها جديّة مطلقة، "أطلب منكما هنا والآن أن تعقدا عهداً على القشرة المقدسة بأن لا تبوحا بحرف واحد من هذا مجدداً إلى أن يأمر مرادي أو تبلغي الشأن الذي يشير إليه ذلك اللقب".
وتركَت الاثنين بعض الوقت لتستقر كلماتها في نفوسهما، "هذا اللقب أعظم ممّا تتخيلين، عودة إيمبرسكال ستغير هذه العشيرة للأبد، بل وستتعدى ذلك لتغير مكانتنا بين العشائر الاثنتي عشرة الكبرى، وقد لا يرحب البعض بذلك التغيير".
وخلال حديث كليس انكمشت كتي على نفسها مجدداً، عالمة أنها وطئت موطئاً لا طاقة لصغيرة باحتماله.
"لكنّي بالكاد صغرى؟ كيف لي أن أغير... أي شيء؟ ولماذا أحصل على شيء كهذا؟"
تمتمت كتي بأسئلتها متعثرة.
"لا أعلم يا صغيرة، لكن هذا ليس مما يُخشى، فقد جلب لك العظمة، وقد يستحيل عليك إدراك معناه الحقيقي. كلا، يبدو أن هذه ستكون نعمة كبرى. الخطر ليس في امتلاك اللقب، بل في علم الآخرين بامتلاكك له. قد يسعى البعض لرفع شأنك أو عزلِك بحجة حمايتك، بينما يراك آخرون خطراً على توازن العشائر فيحاولون السيطرة عليك أو حتى التخلص منك. ولكي تبلغي المدى الذي يعد به هذا، أرى أنه يجب أن تكوني حرة في مسعاك، ولن تحظي بذلك إن شاع أمرك".
"إذن، تطلبين منا عهداً، على القشرة ذاتها، وهو أمر لم أسمع به قط سوى عند تنصيب أم كبرى أو زعيم جديد؟"
استقر كورس أخيراً بعد صدمة وصف كتي للقبها.
"ألا يجدر بنا إطلاع باقي الأمهات الكبريات، أو أورتيك على الأقل؟"
"لا. البتة".
ردت كليس، وفي صوتها حزم ويقين، "إن أخبرنا منادي الروح أورتيك، فعليه بحكم الواجب والضرورة إبلاغ باقي العشائر في التجمع الكبير القادم، والذي لا يزال يفصلنا عنه عقد كامل، ولا يمكننا السماح بذلك. هذا اللقب يقول إنها المرشحة التالية، ومن يدري كم سِواها سبقها وفشل أو أُقصي، هنا أو في العشائر الأخرى، ومع ذلك لم أسمع بمثل هذا قط، وأظن الأمر سيّان بالنسبة لكما. كلا، إن كان لأحد غيرها مثل هذه النعمة، فإن أمهاتهن في ذلك الزمان قد فعلن المثل، وحمَين العشائر من افتراضات الاحتمالات وتركن الأمر يجري في مجراه. حتى النظام ذاته يرى أن هذا اللقب من الأهمية بحيث لا يجوز مشاركته أو التجسس عليه بمختلف السبل المتاحة".
"ولكن ماذا لو اكتشفوا اللقب وعلموا أننا كنا على علم به؟"
تسربت الحيرة إلى نبرة كورس إزاء فكرة إخفاء هذا العلم عن الجميع.
"ستثور ثائرة الأمهات الأخريات".
"حينها أتحمل الوزر وحدكم، وستخبرونهن بأنكم كنتم تنفذون أوامري فحسب. سلطتي لا تعلوها سوى سلطة الزعيم في أغلب الأمور، وكلاكما يعلم ذلك. وحيث إن الأمر يتعلق بالروحانيات، فهي تتجاوز سلطته هو ذاته".
تحركت كليس نحو المذبح المغطى في مؤخرة الغرفة، والذي يرتفع قليلاً عن مستوى الخصر ومغطى بقماش أحمر داكن ذي حواف سوداء.
"والآن، تعاليا إلى هنا، كلاكما".
نظرت كتي إلى كورس باختصار، ومع بدء تقدمه انضمت إليه مقتربة من المذبح. وبدت أطول قامة بجانب قامتها الضئيلة مقارنة بالآخرين، والمذبح منقوش ببراعة ومزين بجواهر حمراء داكنة وتذهيب يتلألأ في الضوء الخافت. وراقبتهما بينما ترفع كليس القماش كاشفة عن قشرة لامعة مصقولة ذات لون أحمر داكن تحيط بها بقع دخانية سوداء، وتكاد القشرة تبلغ نصف قامة كتي إذ يبلغ عرضها خمسة وثلاثين سنتيمتراً، وهي منتصبة على قاعدة حجرية منقوشة باتقان لتعرضها لمن يقفون داخل المصلى.
وحين نظرت كتي إلى بريق القشرة الشبيه بالجواهر، شعرت بتردد صداها في كيانها، فوقف كورس بل وحتى الأم كليس، التي ربما رأت القشرة مئات المرات طوال حياتها الطويلة، مسحورين بالأثر ذاته. وتُمثل هذه القشرة بحجم لوحة الإعلانات تاريخ عشيرة إيمبرسكال بأسره، وصولاً إلى نشأتهم تحت حكم الطاغية العقيق الذي يظل كالعلامة اللاسعة المطبوعة على العشيرة. وأدركت كتي أنها ستعود إلى هنا بعد ثلاث سنوات، في اليوم ذاته، وأن هذه القشرة ستكشف أخيراً عن صنفها مع بدء حياتها كبالغة.
تنحنحت كليس فقطعت السحر الذي أمسك بكتي وكورس، "والآن، ضعوا أيديكم جميعاً على القشرة إلى جانب يدي ورددوا كلماتي بحذافيرها".
اضطرت كتي للتقدم حتى كادت تلتصق بالمذبح لتتمكن من الوصول، فقامتها لا تزال دون المتوسط بوضوح، وحين وضعت يدها على سطح القشرة الخشن على نحو مباغت، إذ يخالف سطحها المصقول اللامع ملمسها العضوي الخشن، انتفضت وسحبت يدها قليلاً من المفاجأة مع ظهور بقعة ضوء أخرى على طرف رؤيتها، وانفتح إشعار فور أن أقرت بوجوده بميل في رأسها وتساءلت بصمت: "لماذا؟"
<<مكافأة للمخصص اليومي من خبرة العرقيات المكتسبة>> "أوه... لقد تلقيت للتو إشعَاراً لمجرد لمس هذا... هل كان مفترضاً بي أن أحصل على مكافأة في الخبرة العرقية؟"
لا تزال غير واثقة تماماً من نفسها في هذا الموقف، ولا يزال شعور بالدفء من لمس القشرة عالقاً بيديها.
"لا أظن ذلك؟ يا أم، أكان ذلك متوقعاً؟ لم أكن قد رأيت قط صغيرة تلمس القشرة قبل الكشف عن صنفها"
سحب كورس يده وهو يلتفت متبادلاً النظرات مع الأخريات.
"على الأرجح هي مكافأة الخبرة العرقية التي كانت ستنالها في ذلك الوقت، لكن علينا الانتظار لنرى إن كانت ستجني شيئاً إضافياً حينها أيضاً لنتأكد يقيناً"
استبعدت كليس مخاوفهما وأشارت بيدها عائدة إلى القشرة، "والآن، أعيدوا أيديكم ولننهِ هذا الأمر. فأنا عن نفسي أود العودة إلى الاحتفال".
أعاد كورس يده إلى القشرة بجانب يد الأم كليس وراقب كتي وهي تفعل المثل بتردد. وحين لمست يدها القشرة مرة أخرى، ارتعشت بخفة مجدداً، والتفتت حولها بحثاً عن أي مفاجآت أخرى إثر لمس القشرة، لكن لم يحدث شيء هذه المرة سوى دفء سارٍ ومخدر يتشعب عبر يدها وصعوداً إلى ذراعها من القشرة.
"جيد، الآن، رددوا ورائي. "أقسم، باسم العظيم مالادوكْسيس إيمبرسكال، الطاغية العقيق""
توقفت كليس منتظرة الآخرين لترديد كلماتها.
"أقسم... باسم العظيم... مالادوكْسيس إيمبرسكال، الطاغية العقيق"
رددت كتي بصوت متزعزع جنباً إلى جنب مع تلفظ أشد حزماً من كورس.
"أن الأمور التي نُقشت هنا هذه الليلة لا تُرَدَّد إلى أن يأمر بذلك مرادي الأم الكبرى أو يتبدل لقب وريث إيمبرسكال"."
راقبت الأم عن كثب بينما أنهى اثناهما القسم. تصلبت كتي متوقعة شيئاً ما مع انتهائها من تلاوة القسم، لتتفاجأ بغياب أي استجابة بالمطلق.
"أوه، أكان مفترضاً أن يحدث شيء؟ لم أتلقَّ إشعاراً أو أي شيء قط؟"
نظر إليها كورس بنظرة حائرة، "لا، هذا كل ما في الامر. لقد أديت قسماً مقدساً باسم تنيننا الشفيع، وأي كوبولد ينقض عهداً كهذا يُطرد من القبيلة فور شيوع أمره. أظننتِ هذا وجهاً من أوجه النظام الذي كنا نحاول تقييدك به؟"
"حسناً... نوعاً ما، نعم..."
وبدأ الاثنان من الشيوخ بالقهقهة لبراءة الصغيرة.
"أنسى أحياناً أنه بغض النظر عن طريقة تصرفك، فأنت في الحقيقة في الثالثة من عمرك فحسب".
واستمر كورس يقهقه.
"والآن، بما أن الأمر قد حُسم، أقترح أن نخبر الزعيم بالسمة التنينية الفذة التي تمتلكها صغيرتنا هذه، والتي شعرت بسببها بحاجتك لجرّي بعيداً عن المهرجان والمداولة بعيداً عن الأعين الفضولية".
رمقتهما كليس بنظرة مستوية وهي تسرد القصة التي سيتشاركانها، "ينبغي أن نعود إلى الاحتفالات ونحاول الاستمتاع بأنفسنا قبل أن تخبو"، وانحنت كليس قليلاً إلى الأمام، وقد أجهدها النقاش الجاد الذي خاضته للتو بعض الشيء، "لست متأكدة منك يا كورس، لكنني أستطيع ارتشاف بعض ذاك الشراب القوي الذي خبأه ألدر بجانب الطاولة الرئيسية".
تنهد كورس وأومأ موافقاً الأم، "أخشى أنك أصغر من أن تتناولي ذلك يا كتي، يمكنك الاختلاط بالحشود، لكنني أُشير عليك بالعودة إلى القاعة الأقرب لغرف التفقيس، فغالباً ستجدين إخوتك هناك أيضاً. حاولي ألا تتورطي في الكثير من المتاعب".
ومع إعادة الأم كليس الغطاء فوق القشرة، شعرت كتي وكأن شيئاً ما ينقص من كيانها، وعلمت الآن لِمَ يتحدث الشيوخ أجمعون عن التنين العظيم بخشوع، إذا كانت قشرة واحدة كفيلة بمنحها شعوراً بالاتصال على هذا النحو. ومع مغادرة الثلاثة لمصلى القشرة، التفتت نحوهم نظرات فضولية من الشيوخ على الطاولة الرئيسية، متسائليْن عما بلغ من الأهمية حدا جعل الشيخ كورس يستدعي الأم خلال الاحتفالات.
انحنت كليس متقدمة نحو الزعيم متحدثة بصوت مسْموع بما يكفي لمعظم من في الطاولة، "يمكن للأمر الانتظار حتى الصباح حين نلتقي، لقد استحق المقاطعة لكنه ليس بالأمر العاجل".
ولوحت مبعدة الصغيرة، "عودي إلى القاعة الخارجية ولا تسهري طويلاً، فقد نقرر استدعاءك إلى غرفة الشيوخ في الصباح".
بدأت كتي رحلة عودتها إلى القاعة الخارجية حيث يتولم إخوتها على الأرجح ويتجاذبون أطراف الحديث مع الأفواج الأكبر سناً الحاضرة. ولسوء ححظها فهي لا تتذكر بدقة الطريق الذي قادها من هناك إلى الغرفة الرئيسية، ومع الحشود والضوضاء صار الاهتداء إلى طريق العودة نحو المفقس أشد صعوبة. وبعد الهيام على وجهها في الاتجاه الذي ظنته صائباً، أدركت كتي أنها باتت تائهة تماماً. ولم تكن هذه الليلة بأي حال أفضل ليلة تستهل فيها استكشاف موطن العشيرة.
اقتربت من عدة كوبولدات يحتفلون في إحدى القاعات، "مرحباً! أيمكن لأحدكم إرشادني إلى المفقس؟ لقد فقدت اتجاهي وسط كل هذه الحلبة".
وصرخت تقريباً ليُسمع صوتها فوق ضجيج العربدة وإيقاع طرقي غريب ينتشر في الأرجح من منصة مرتفعة قرب نهاية القاعة.
"هاه؟ لا تبدين بالسن التي تؤهلك للخروج والترحال يا صغيرة، من أي مفقس ابتعدتِ هكذا؟ لن يرضى الحراس عنك البتة حين يكتشفون تسللك!"
وضعت امرأة كوبولد طاعنة في السن يدها على كتف كتي ظانة أنها قد تهرب وتضيع أكثر خوفاً من التهديد بالعقاب.
"لست صغيرة! أنا في الثالثة من عمري اليوم وأصبحت شابة الآن!"
احتجت كتي بينما بدأت المرأة تقودها جانباً بعيداً عن الحشود.
"لقد كُشف عن حالتي ولدي اسم وكل شيء!"
"وه، لا تحسبي أنكِ تخدعينني يا صغيتي، والآن من أي مفقس هربتِ".
وابتسمت لكتي بابتسامة ودودة، لكنها بوضوح لم تكن تصدقها.
"أنا كتي، ولست صغيرة، وأنا من غرف التفقيس في مفقس الشيخ كورس".
احتجت كتي، واحمر وجهها بلون وردي خفيف لغضبها.
"أهلاً أهلاً، لا داعي للغضب يا 'كتي'، دعيني أعيدك إلى مفقس الشيوخ وإلى الحراس. فهم يعرفون كيف يتعاملون معكِ".
وما زالت مصرة على عدم تصديقها، لكنها تماشياً مع كتي على الأرجح، بدأت المرأة تقودها نحو المفقس، "لقد ابتعدت مسافة بعيدة حقاً، مفقس الشيخ كورس على بعد عدة قاعات، وحين تكبرين بالقدر الكافي سيريِك الحراس كيفية التنقل بين الكهوف وسيضمن من تتتلمذين على يديه معرفتك بطرق الإياب".
تمتمت كتي معترضة تحت أنفاسها، وغظها أنها أخيراً بلغت سناً تسمح بتسميتها شابة، بيد أن قامتها ما زالت تعرضها لمعاملة الصغار. وحقيقة أنها تحتاج حقاً للإرشاد بغض النظر عن طريقة معاملتها تزيدها تبرماً، وسارت متثاقلة متأففة بجانب المرأة، محاولة لمس ما تستخدمه للاهتداء. وحين بلغتا المنطقة المألوفة نسبياً، لمحت كتي بعضاً من رفقائها في القاعة، بعد أن عاد آخرون إلى غرفة التفقيس أو احتفلوا في مكان آخر مع من هم من منتسبي تدريبهم.
"هؤلاء إخوتي، أنا بخير هنا".
آملة الابتعاد عن المرأة وتجنب الإحراج أمام الحراس.
"أوه لا، لن أقع في فخك هذا يا صغيرة، سأسلمك مباشرة للحراس، فهما سيضمنان عدم هربك ثانية".
وما إن دخلت المفقس حتى كادت المرأة تجر كتي وراءها إلى أقرب حارس، "أظن أن هذه الصغيرة تنتمي إلى هنا؟ لابد أنها شردت عنكِ".
وارتسمت في صوتها نزعة استهزاء خبيثة تشير ضمنياً إلى إخفاق الحارس في واجباته.
"مم، أه، أنتِ إذن. أهلاً بعودتك أيتها الشابة، أظن أن الشيخ لابد أنه منحكِ اسمك أخيراً اليوم، لذا أفترض أنه يجدر بي مناداتك بكتي الآن، أليس كذلك؟"
وتفرست الحارسة في الكوبولد الصغيرة ثم في المرأة الطاعنة، "والآن ما حكاية الشرود هذه؟ ألم تكن تحتفل مع بقية رفقائها؟"
ذابت ابتسامة المرأة مع حديث الحارسة وبدأت تقول شيئاً، لعلها حجة أو ما شابه، لكن وقبل أن تنطق الكوبولد الكبيرة بأي كلمة، وابتسامة ساخرة مطمئنة ترتسم على وجهها، بادرت كتي بالحديث، "أوه، لقد تهت قليلاً ولم تصدقني هذه المرأة عندما أخبرتها بأنه مسموح لي بمغادرة المفقس، لكنها كانت لطيفة لدرجة إرشادي إلى القاعات هنا. شكراً لمساعدتك".
"أوه، بالطبع مسموح لها بالتواجد بين المحتفلين، فهي شابة في نهاية المطاف. في الواقع، اليوم هو أول يوم يُسمح لها فيه بالتجوال، فقد تأخرت في التفقيس هذه الفتاة بعض الشيء، لذا فلا غرو إن ضلت طريقها قليلاً مع كل ما يدور".
قهقهة الحارس مدركاً ما حدث.
"آه، بالطبع إذن، حسناً، أظن أن عليّ الانصراف... طابت ليلتكِ"، ونظرت إلى الحارس ثم إلى كتي، "وليلتكِ أنتِ أيضاً أيتها الصغ... يا كتي".
وانسحبت مسرعة وقد أخذت قشورها تتلون بخفة من شدة الإحراج.