كانت هناك بالطبع مشكلة أخرى في اختيار السكاكين. ولم تفشل حجة بلونك ضدها من قبل قط، لذا لم تكن لديهم أي سكاكين تدريب. عنى هذا رحلة أخرى لرؤية أمين المؤن المتعجرف، لهاكا. رغم أنه كان من حسن الحظ أن كوري كانت تكتفي بمجرد المتابعة هذه المرة ولم تحتاج إلى تقديم الطلب بنفسه.
"همم؟"
تساءل المحارب العجوز المتذمر وهو يرفع رأسه لدى اقترابهما: "ما الذي أتى بك إلى هنا يا زعيم، هل الصغيرة خائفة جداً من العودة وطلب شيء بنفسها؟"
بدا أنه لا يسيّر أمره مع من يتحدث، سواء كان متدرباً متأخراً أو الشيخ المسؤول، فالوقاحة كانت طبع الرجل المعتاد على ما يبدو. ضحك بلونك خفيفاً، معتاداً بوضوح على موقف مرؤوسه المزعوم.
"كلا. فقط أحتج إلى شيء ستعترض عليه وحدّست أن الجدل بنفسي أولاً سيكون أمتع من انتظارها عائدة وهي تدب على أرضها."
التقط ومضة التحدي التي علت محيا كوري عندما قال ذلك، وأدرك أن هناك أموراً أسوأ من عودتها خاضعة اليدين، خاصة عندما تنبه إلى أنها كانت ما تزال تحمل حقيبتها.
شعرت كوري بإهانة خفيفة من تلميحه إلى أنها ستفتعل نوبة غضب وتعود "تدب على أرضها".
وكان ذلك في الوقت ذاته تقريباً الذي دارت فيه تلك الفكرة بعينها في ذهنها حين لاحظت نظرته الخاطفة نحو خاصرتها وفهمت ما يعنيه تكشيرته الطفيفة. لذا بالطبع ربتت على جانب الحقيبة بابتسامة، حارصة على النقر بقوة كافية ليُسمع رنين الأواني الزجاجية الخافت من الداخل. فات أمين المؤن دقة تفاعلهم وهو يضحك على ملاحظة بلونك.
"حسناً، إذن ما الذي سأعترض عليه هذه المرة؟ أنت لا تحاول تفضيل أحد والحصول على درع أفضل لهذه الحرشفة الجديدة أو شيئاً كهذا، أليس كذلك؟"
جعل هز رأسه ونبرته الأمر يبدو وكأنه جريمة تكاد تكون عقوبتها شديدة.
"كلا، ليس شيئاً كهذا."
لائحاً بيده ليبعد القلق.
"يحصلون على ما تعطيهم إياه حتى يستحقوا ما هو أفضل."
كانت طريقته في قول العبارة وكأنها من حفظ غيب.
"أحتاج إلى سلاح تدريب لهذه الفتاة، شيء لا نملكه حاضراً."
"أوه، أهذا كل شيء؟ إذن اختر شيئاً آخر وحسب. فهناك الكثير من الخيارات هناك."
ضحك بلونك خفيفاً ونظر إلى كوري.
"مثلما قلت، جدل."
ثم التفت مجدداً إلى لهاكا.
"ظرف خاص. أحتاج إلى بضع سكاكين تدريب."
التفت إلى كوري: "بضع أحجام تتراوح بين الصغير والمتوسط، لا حاجة لإزعاج أنفسنا بشيء أكبر من ذلك."
"تباً، استخدِم خنجراً كمحارب حقيقي."
هز رأسه.
"أو بل والأفضل، سيفاً قصيراً. السكاكين لتقطيع طعام الغداء الخاص بك، لا للقتال من أجل حياتك."
صلب بلونك وقفته وتقمص شيئاً من نبرة الأمر التي استخدِمها سابقاً مع كوري.
"لا يمكنني ذلك. مثلما قلت، ظروف خاصة."
ثبّت نظراته على الكوبولد الأكبر سناً.
"علاوة على ذلك، إن كنت تريد الحصول على المزيد من معجون الشفاء ذاك الذي ظللت تطالب به، فأقترح ألا تصعب الأمور على صانعته."
حرك خطمه باتجاه كوري مع الملاحظة الأخيرة. راقبته كوري ونظرات أمين المؤن تتحرك ذهاباً وإياباً بينها وبين الشيخ، وقد بدأت نظرة حيرة ترتسم على وجهه.
"أتسخر مني؛ أهذه القزمة هي من صنعت كل ذلك؟"
كانت هذه هي القشة التي قسمت ظهر البعرد بالنسبة لكوري. فقد سخر من حجمها مرة أكثر مما ينبغي خلال اليوم الأخير ولم تكن على وشك قبول نعتها بالقزمة فوق كل ذلك.
"قزمة؟ قزمة؟! من تدعوه بالقزمة، أيها السحلية المتضخمة."
صرخت بصوت حاد، مسلطة أسنانها الحادة وممددة يديها لتلتقط أي شيء في متناول اليد لتستخدمه سلاحاً. لسوء الحظ، أو ربما لحسن الحظ بالنسبة للجميع، كان تلميحها السابق بامتلاك أي من تركيباتها الأقل ودية مجرد خدعة. فقد أجبرها هار على تسليم قارورتها اللاذعة ولم تكن متأكدة مما حدث لقوارير اللهب ذات الحجم العادي التي صنعتها. أمسكها بلونك بسرعة من كتفيها قبل أن تتمكن من الانقضاض على أمين المؤن الأكبر.
ربما أُبعد عن الصفوف بسبب العمر والإصابة، لكن لهاكا ظل محارباً من الطبقة الثالثة يتمتع بخبرة وفيرة. ودون ما يكفي لتكافؤ الفرص، كانت لتؤذي نفسها فقط إن مضت حتى النهاية. بمجرد أن زال عنها الذهول، بدأ أمين المؤن يضحك بصاخب، ولم تفعل حتى نظرة بلونك الغاضبة شيئاً لقمع مرحه. بعد لحظات قليلة من عربدته، قام بحركة تهدئة بيديه.
"حسناً، حسناً. أظن أن لديها بعض النار في جوفها بعد كل شيء."
توقف ليطلق بضع ضحكات أخيرة.
"آسف لي... أيها الصغير. لم أظن أنك ستكون حساساً إلى هذا الحد، فأنت لست أصغر بكثير من المتدربين الجدد الآخرين."
أطلقت كوري هديرًا، ظل أخف من أن يشكل تهديدًا حقيقيًا لكنه بدا بالتأكيد أقل شبهًا بالصرير عما كان عليه في السابق لحسن الحظ.
"أنا. في. الرابعة."
مطت كلماتها وأكدت عليها. كان ذلك كافياً لإسكات الرجل أخيراً. وأدرك فجأة سبب شعورها بالحساسية حيال الأمر بعض الشيء.
وكل ما استطاع قوله حقاً بعد ذلك كان: "أوه."
"نعم. أوه."
هزت هديرًا بالمثل.
"حسبنا هذا، نحن نضيع الوقت ولم يبق لي معك سوى جزء يسير منه."
تدخل الشيخ، وقد ضاق ذرعاً بالموقف.
تنهد وأعاد ذكر سبب وجودهما في المقام الأول: "احضر لي زوجاً من السكاكين بحجمها، وبضع سكاكين لي أنا أيضاً للتعليم أظن."
محولاً انتباهه إلى الصغير الذي كان لا يزال ممسكاً بكتفيه.
"وأنت، اتركي الأمر. هذا هو لهاكا في أيامه الطيبة... الأحمق العجوز يمتلك موهبة إصابة نقاط الضعف حتى عندما لا يصوب إليها. في الميدان وخارجه."
بدا لهاكا وكأنه على وشك الاعتراض، لكن النظرة التي تلقاها وضعت حداً لذلك قبل أن يبدأ.
"حسناً، حسناً. اعطني يدك لأتمكن من معرفة الحجم المناسب."
تطلب الأمر دفعاً من الشيخ لتشجيعها على مد يدها دون محاولة غرس مخالبها، لكن القياس لم يستغرق سوى لحظات قليلة.
"أتريدين أن أبدأ من الصفر، أم أفصل خنجراً أكبر أو شيئاً كهذا؟"
لم يتطلب الأمر سوى لحظة لاتخاذ القرار، رغم أن الوقت كان محدوداً فإن العمل العاجل سيكلف ثمناً، إما في الشكل أو المتانة: "ابدئي من الصفر. استخدِم الخشب الجيد ليكون النصل أقرب إلى السمك الصحيح دون القلق بشأن انكساره."
بدا لهاكا وكأنه على وشك الاعتراض للحظة لكنه اكتفى بتكشيرة ونهض على قدميه: "حسناً، حسناً. سيكون لدي شيء ما غداً."
دون كلمة أخرى، استدار بلونك وجذب كوري معه وهو يبتعد.
كان بإمساكه سماع تمتماتها والتذمر العرضي بكلمة "قزمة"
وشيء بدا بشكل مزعج وكأنه "فطر الموت".
وأياً يكن الفطر المشؤوم، فقد كان واثقاً من أنه لا يريد شيئاً به. شكلت عودتهم إلى مناطق التدريب نهاية استراحتها واكتشفت كوري أن جري الصباح قد تساهل معها في الواقع. ومع تعليق التدريب على الأسلحة، أصبح ما تبقى من اليوم حراً الآن واللياقة البدنية، أو بعبارة أخرى، المزيد من الجري. هذه المرة مع حقيبة ظهر إضافية تحتوي على بضع أكياس مليئة بالرمل لضمان النتيجة. أثمرت جهودها عن نفسها أخيراً.
<<تحسنت نقاط القدرة. زادت التحمل من 29 إلى 30>> وبقدر ما كانت كاهِمة في الاعتراف بذلك، كانت طريقة التدريب المعذبة فعالة على الأقل. لم ترفع من قوتها، لكنها شعرت أن الأمر مجرد مسألة وقت إن استمرت الأمور على حالها. ما إن عجزت عن ركض خطوة أخرى، وحامت طاقتها حرفياً في خانة الآحاد، حتى سُمح لها بالانهيار وأخذ استراحة أخرى من التمرين. رغم أنه لم يُسمح لها حتى حينها بالكسل، بل واجهت شكلاً مختلفاً من التدريب أثار اهتمامها أخيراً.
بقليل من الاهتمام على الأقل. استخدم بلونك سيف تدريب لنقش رسم تخطيطي آخر في الرمل بينهما، يصور معركة وهمية بين الكوبولد والغبول داخل أنفاق نطاقهم.
"الأنفاق في صالحنا، ولكن فقط إذا استخدمناها بشكل صحيح. أنظر هنا، هذا القسم الضيق، يمكن لثلاثة محاربين الوقوف جنباً إلى جنب هنا، ولكن لو فعلوا، لكانوا في طريق بعضهم البعض، غير قادرين على الصد أو المراوغة دون التدخل في شؤون جارهم."
رسم ثلاث شخصيات متراصة في الفجوة.
"ولكن لو وقف اثنان ومعهم ثالث خلفهما يستخدم مقلاعاً، لستكاعا إعاقة عدد أكبر بكثير من الأعداء."
كانت دروس التكتيكات أكثر إثارة للاهتمام من أي شيء قاموا به حتى الآن، والذي بصراحة كان في معظمه مجرد الركض في دوائر حول ساحات التدريب مع أو بدون كومة من الرمل تثقل كاهلها. علمها بلونك مفاهيم مثل مواقع التراجع، والمناورات الوهمية، ومناورات الكماشة، وشيئاً تفوق فيه الكوبولد حقاً، وهو تعديل التضاريس لصالحهم. بينما ربما نصب صائدو بولست فخاخاً للتعامل السلبي مع الأعداء، فقد استخدم المحاربون تلك العقبات نفسها بنشاط.
لقد أرشدوا أعدائهم نحو المكان الذي أرادوهم أن يكونوا فيه، ودفعوهم نحو حتفهم وضمنوا معاقبة أي شخص تمكن من تجنب تدابيرهم. أدت هذه الدروس إلى أول مهارة جديدة في نظام تدريبها. <<اكتسبت مهارة، تكتيكات القتال الأساسية، شائعة، المستوى 1>> لم تكن متأكدة ما إذا كانت ستكون مفيدة، لكنها كانت ممتعة على الأقل ومارست قدراتها العقلية الأكثر قوة لتفريغ القليل من الملل. ومع ذلك، أثبت حماسها للمهارة أنه سبب سقوطها.
وكأنها تمتلك طاقة للاحتفال، فقد كانت تمتلك طاقة للركض.