انتهى الاجتماع وتبلورت خطة تقريبية. ستكون كوري شبيهة بالمتدربة لدى جميع الشيوخ ولا واحد منهم في الوقت ذاته. يتولى أورتيك إدارة واجباتها وجدولها، بينما يحرص الباقون على بلوغها المدى الذي طالبت به بنفسها. إذا أرادت كل شيء فستحصل عليه كاملاً. من علم النبات مع أورتيك أو أحد أعضاء الحلقة إن كان مشغولاً، إلى السموم وسلامة المختبر مع بولست، مروراً بتدريبات المانا مع يلست، وغير ذلك الكثير والكثير.
حتى بلونس شارك في المرح، فوعد بمواصلة تدريبها على العصا، هذا إن لم ترغب في مهارة سلاح حقيقي، وأقحمها في ارتداء الدرع بارتياح؛ هذا فضلاً عن تيقنه التام، غالباً، من أن مهارة الأسلحة المرمية التي يتدرّبون عليها عادةً للحراب ستنطبق على قواريرها. لقد خاب أمله أيضاً بشدة في معظم قدراتها الجسدية، وعرفت كوري تماماً أنها لن تستمتع بما يعده لها هناك. الشيخان الوحيدان اللذان لم يُدرجا في القائمة فهما ألدر وكورس؛
أحدهما لأنه اعتقد أنه لم يترك لها شيئاً لتعلمه بعدما اجتازت دروسه في أسابيع معدودة، والآخر لتعذر إيجاد أي مهارات تبدو قابلة للتحويل. لم يكن تردده مرتبطاً البتة بفكرة قيام كوري برعاية الفراخ الجديدة والأهم تعليمها، وهو أمر كان يثير رعب كورس تماماً. كان يتخيل عشباً من صغار كوري يهربن من جخورهن ويجذبن ذيله بالأسئلة. كان يعزها كثيراً شأن كل من اختارهم، لكنه ظل سعيداً بتحويل مسار أسئلتها الكثيرة طوال العام الماضي.
في النهاية، كانت القائمة مباشرة إلى حد ما وإن بدت طويلة. يقضي كل شيخ معها بضعة أيام في الشهر لبث حكمته، وتجد وقتاً بينها للعمل بمفردها وتلبية احتياجات العشيرة. تمسّكوا بإحدى قواعدهم الأولى وسط تذمر عدة شيوخ، وهي ألا تُستغل أيام التدريب للإنتاج. يتولى أورتيك إدارة أي شيء يرغبون في صنعه لأجل قومهم، وهو من يقسم إبداعاتها بحسب الحاجة. كان عليها أيضاً حضور اجتماع مع الشيوخ مرة كل أسبوع لمراجعة التقدم والخطط وأي مستجدات، وللبقاء على إطلاع بكل ما يدور لتعرف أين توجّه تركيزها في تجاربها.
يوم صار خلال الأشهر القليلة التالية الأكثر ازدحاماً بالنسبة للشيوخ. لم يدركوا ذلك في البداية، لكن العديد من أصحاب الالتماس بدأوا ببطء ينتظرون حضورها هناك كل أسبوع. يرجع ذلك أساساً إلى سرعة الأمور عندما ينظم أحدهم الطابور حقاً ويُبقي عجلة الحركة دائرة. لسوء حظ كوري، تقرر بالإجماع أن أول من سيتولى أمرها هو الأرجح لإحداث كسر حقيقي فيها حقاً. بلونس. والأدهى من ذلك، إلى أن تُعتبر قدراتها الجسدية مقبولة سيحظى بيوم إضافي كل أسبوع للتدريب البدني أيضاً.
أهذا انتقام لأنني جعلتهم يبذلون طاقة إضافية بكل هذا القدر؟ لابد أنه انتقام… أليس كذلك؟ صحيح أن حيوية منخفضة… وتحملي… وقوتي… حسناً، أساساً كل قدراتي البدنية منخفضة باستثناء الرشاقة، لكن لا حاجة لي بالقوة إن كنت أصنع الأشياء طوال اليوم… حاول الشيوخ شرح الأمر لها بأن درجاتها أدنى بكثير مما ينبغي لمستواها. وإن كان الحق يقال، فمعظم الصغار لا يبلغون المستوى العرقي التاسع إلا اقتراباً من يوم طبقتهم.
أصروا على ضرورة رفعها بعض الشيء للأمان على الأقل، ولم تقبل الشرح حقاً حتى أبدى بولست وجهة نظره.
سأل محاولاً تجاهل الضحكات المكتومة في الخلفية وصوت شخص يهمس بالكلمة الملعونة «دفلى»
مما جعله ينكمش: "كم مرة انفجر شيء في وجهي أو سُمِّمت خلال الأعوام برأيك؟"
ثم اعترف قائلاً: "على الأقل حدث بعض ذلك بسبب تثاؤبة في غير أوانها حين كنت متعباً… وفوق هذا، ستحتاجين حتماً إلى مزيد من البراعة إن أردت إتقان العمل الدقيق. فمن المؤكد أن اليد الثابتة تصنع عملاً ثابتاً".
جعلته طريقة اقتباسه للمثل، وإيماءات بعض الآخرين موافقة، يبدو أكثر من مجرد عبارة مألوفة.
حين انفض الاجتماع أخيراً، وبابتسامة خبيثة كأنه يقول «ألم أقل لكم إنها آتية معي»، خطا بلونس نحو الباب وكرر ما قاله سابقاً: "حسناً، تعالي يا صغيرة!"
الأسوأ في الأمر أن الجميع وافقوا هذه المرة بالفعل. وإن لم يبلغ الحد الذي حاول الإفلات به في الأصل؛ فقد علقت كوري معه الآن. لمَ كان عليّ فتح فمي الكبير…
«كلهم»…
حقاً يا كوري؟
أما كان بوسعي إضافة عبارة «إلا هو»؟
وما هذه الفكرة العظيمة في جعله الأول… إنهم لا يدعونني حتى أقيم مختبري قبل تسليمي إلى هذا الوحش… كل ما في الأمر أنه هناك داخل محطة الاستراحة، ينتظر مني تفريغه وترتيبه وتجهيز كل شيء للعمل… كانت الرحلة إلى ساحة التدريب قصيرة، وما إن وصلت هناك حتى أدركت أنها تعرضت لخديعة. كاد اليوم ينقضي بعد صباح السفر وكل ذلك الجدل، ولم يبدأ جدولها رسمياً إلا في اليوم التالي.
قابل محاولتها إثارة هذه النقطة بعبارة «أنت هنا بالفعل، فلم الانتظار؟»
وابتسامة أخرى.
بعد أن تقبلت استحالة إفلاتها، أشار بلونس إلى جانب وقال: "اذهبي إلى لهاكا، وسيدعك ترتدين بعض جلود التدريب".
تفحصها صعوداً وهبوطاً بنظرة ناقدة وتابع: "ما زلت نحيلة بعض الشيء، لذا ستناسبك ملابس متدربي السنة الأولى".
عند كلمة «نحيلة»، صلب نظرة كوري وقطّبت جبينها في وجه الشيخ قائلة: "نحيلة؟! أنا لست نحيلة… أنا… ضئيلة…"
استخدمت كلمة علمتها إياها ماريبيل، غير أن المعنى لم يُترنق بدقة بين اللغتين، وبدا أقرب ما عثرت عليه في الخليقة كمعنى «صغيرة ورائعة»، لكن على نحو يُخاطب به حيوان أليف لا بشراً.
أثار هذا بطبيعة الحال نوبة من الضحك الهستيري المجلجل من بلونس الذي عرف بطريقة ما أنه يتخيلها سندرلا صغيرة تقف على قائمتيها الخلفيتين وتتوسل الطعام، فتحولت قطيبة جبينها إلى عبوس وهي تدوس بقدميها في طريقها نحو أمين العتاد الذي دُلّت عليه. حاولت ألا تصب غضبها على لهاكا، لكن المحاولة باءت بالفشل.
قالت بخشونة متجنبة التعليق على حجمها: "أراد منك إحضار طقم جلود تدريب لي".
لم تعتد كوري ألا يعرف الناس هويتها إلى حد ما، فقد غدت مشهورة نوعاً ما، أو سيئة الصيت في الواقع، بصفتها متدربة فاشلة بعد تنقلها أكثر من برميل في يوم العيد.
لذا عندما رماها لهاكا بنظرة سريعة من رأسها لقدميها وقال: "تأخرتِ شهراً كاملاً، ماذا فعلت، أرسلتِ للرسوب من تدريبك الأول بالفعل؟"
تفاجأت بعض الشيء، وشعرت بشيء من الإهانة إذ ظنها ابنة ثلاثة أعوام. كانت نبرته مازحة، لكنها لاقت لسعة مع كل ما حدث.
ولمّا رغبت في تجنب الشرح تمتمت قائلة: "شيء من هذا القبيل…"
وعادت إلى العبوس.
تفحصها بنظرة أخرى وقال: "حسناً، أسمع أن معركة تحتدم مع أولئك العبيد، لذا أعتقد أننا سنقبل بأي كان".
تمتم وتمنع وهو يتفرسها قبل أن يختفي في غرفة جانبية صامتاً.
انتظرت كوري هناك لعدة دقائق وسط أصوات تحريك الأشياء وتذمر «أين وضعته يا ترى…»
القادم من الفتحة، قبل أن ترى العجوز المحارب يخرج جافلاً وحزمة من الجلود العتيقة محشوة تحت إبطه.
قال وهو يرمي الحزمة نحوها بعرضية: "هاكِ إذن. أصغر ما وجدته، قد تكون فضفاضة قليلاً الآن، لكنك ستنموين لتملئيها قريباً بما فيه الكفاية".
كادت حزمة الجلود، التي تبين أنها سترة مبطنة وسروال قصير، تطيح بها إذ تلقتها لا كمن يقبض بل كمن يتلقى صدمة اصطدام. كانت تفوح برائحة عفنة وتغطي سطحها بقع أكثر من الجلد السليم، وبألوان تصعب معها معرفة ما إذا كانت ناجمة عن دم أو لعاب أو سوائل جسدية أخرى.
ابتسم وقال: "لا تقلقي، إنها نظيفة. حسناً، نظيفة بما يكفي. ستضيفين بقعاً جديدة خاصة بك قبل الانتهاء منها أنا متأكد".
ضحك لهاكا قبل أن يعود إلى ما يفعله قبل وصولها، ساحباً رمحاً من البرميل عن يساره ليشرع في سنّ نيلته التي افترض أنها ستذهب إلى برميل الرماح الآخر عن يمينه حين ينتهي.
وحين لم تغادر فوراً، رفع أمين العتاد بصره وقال: "حسناً، ماذا تنتظرين؟ أمامك أسابيع من التدارك، لذا ما لم تحتاجي شيئاً آخر، فانصرفي".
بعد أن صَرفها أمين العتاد المتجهم بهدوء، ومع بضعة ألفاظ مختارة تمتمت بها تحت نَفَسها، عادت إلى بلونس. اكتفى بالضحك حين رأى طقم درع التدريب المتهالك الذي أُعطيته.
وقال هازّاً رأسه: "هه، لم يكن العجوز لهاكا في مزاج كريم حقاً اليوم، أليس كذلك. حسناً، سيفي بالغرض. اسحب السروال فوق ملابسك وأدخل سترتك، سأساعدك في القميص الجلدي".
فعلت ما أمر به، يساورها قلق طفيف من أن ابقاء ملابسها تحت الدرع سيتلفه، لكنها لم تكن بمزاج يسمح بالتجرد من الثياب وسط ساحة التدريب. جاء السروال مناسباً، مع طبقة إضافية بالأسفل ساعدت قليلاً في الواقع. فحصها بلونس بنقد، متفحصاً المواضع التي رُقّع فيها السروال أو حيث بدأ الجلد يرق قليلاً.
"جيد بما يكفي. لكن هذه ستلزم إزالتها بمجرد فراغك منها".
انتقل إلى السترة الجلدية، ونقرة بلسانه عبرت عما يدور بذهنه تجاه حالتها تماماً.
بدأ بفك الربطات والأبازيم بيد خبيرة: "راقبي عن قرب، سأساعدك الآن، لكن بقية ليلتك ستقتصر حرفياً على ارتداء هذا وخلعه حتى تتقنيه وأنت معصوبة العينين".
قوبلت ضحكتها الخافتة على تعليقه بنظرة خاوية: "لم تكن مزحة".
وفاءً بوجمته، قضت كوري بقية الأمسية في ارتداء درعها الجديد وخلعه، الجديد بالنسبة لها على الأقل. في البداية ساعدها وصحح لها حين ربطته بشكل خاطئ أو لم تشد شيئاً بما يكفي، قبل أن يتراجع ببطء مكتفياً بإصدار أصوات استياء خشنة إن أخطأت في رباط أو وضعت قفلاً في غير مكانه ويتركها لتحل المشكلة بنفسها. ظهرت العصابة على العينين في النهاية. وفي الوقت ذاته كان عشاءها المتأخر جداً بانتظارها.
"يمكنك تناوله فور ارتدائك الدرع بالشكل الصحيح. لكن خطأ واحداً ويعني البدء من جديد".
كان أسوأ ما في التمرين أنه لم يخبرها عند ارتكاب خطأ ما، بل يكتفي بالقول «ابدئي من جديد»
حين تظن أنها انتهت. مراراً وتكراراً. بل لم يدعها حتى تخلع العصابة لترَى خطأها. وحين نجحت أخيراً وأكلت السمك المطهو بالبخار والطحلب البارد المخيب للآمال، لم تعد ترغب فيه أصلاً. أكلته على أي حال، فما كانت لتتركه بعد كل ذلك، لكنها بالكاد استطاعت تذوق أي شيء منه. ولعل مرد ذلك أيضاً إلى طعمه الباهت عموماً بعد طعام السطح أيضاً. ما إن انتهت حتى صرفها بلونس لتعود إلى جحرها مرتدية الجلد، موضحاً بجلء وجوب وصولها مع أول ضوء صباحي مرتدية إياه على أكمل وجه.
وقبل أن تغادر حذرها أيضاً: "ولا تحاولي النوم به لتتجنبي إعادة ارتدائه في الصباح. إنه بائس حتى تتعودي على ارتداء الدرع، وأحتاج إلى أن تكوني مرتاحة للتدريب!"
حاولت نفي نيتها فعل ذلك، لكن الفكرة كانت قد راودتها تماماً قبل تحذيره. ظلت فكرة العودة إلى جحرها في حجرة التوالد والانطراح على حصيرتها مغرية.
وبينما كانت تغادر، سمعت صوتاً خافتاً من خلفها: "الجميع يتحدثون دوماً عن سرعة تعلمها… ظننت حقاً أنها ستلتقط إتقان الدروع بخدعة العصابة تلك…"