إيمبرسكال، الكيميائي الفصل 75 — إجراءات اختبار غير سليمة

اقرأ إيمبرسكال، الكيميائي الفصل 75 — إجراءات اختبار غير سليمة باللغة العربية على مانجا تايم.

تغيّرت الوجهة. لكنّ شيئاً آخر لم يتغيّر في الرحلة جنوباً نحو كهوف إيمبرسكال مقارنةً بالرحلة نحو البلدة. شققنَا طريقنا جنب الثيران البطيئة حتّى بلغ شمس الخريف المبكرة معظم أفقها. ثمّ توقّفنا للمساء في البقعة ذاتها التي أمضينا فيها ليلتنا الأخيرة على الطريق في الرحلة السابقة. وبدل إعداد المخيم فوراً، انكببنا على رزمة المعجنات المورقة التي أحضرتها كوري أولاً. لعلّ المخبوزات لم تكن بطزاجة الصباح عندما التهمتها كوري باكراً.

لكنّها بدت بعد مسيرة يوم طويل أطعم ممّا ينبغي. ومثلما كان متوقعاً، مدّ هار يده إلى ما استطاع نيله من الكعكات مكلّلةً بطبقات وافرة من الزبدة.

غير أنّ خيبته لغياب المنكهات الأخرى تجلّت حين تمتم محتجاً: "ماذا، ألا مربى؟".

قضت كوري معظم فترة الاستراحة بين الوصول والمهمة الشاقة المتمثلة في العناية بالدواب المتذمرة، في الدردشة مع المشعوذة التي باتت أكثر استرخاءً بكثير. ومع تخلّف البلدة وراءنا لساعات وغياب أي مستوطنة لأميال في كل اتجاه، لم يكن هناك حسب تقدير كوري سوى نفحات ضئيلة من أرواح الطبيعة تشبه ذرات الغبار الدقيقة التي صادفتها أثناء محاولتها داخل الدائرة وإن كانت أقل بكثير في التركيز، وهي وحدها التي يمكن العثور عليها في جوار المكان.

تمددت المرأة بارتياح وهي تقضم فطيرة توت حلوة وخبزاً مغموساً بالعسل المخفوق الذي وفّرته ميرابيل. حتّى إنّه صدرت عنها أصوات لا يمكن تفسيرها إلا بالاستمتاع بالطعام وتقديره.

وبينما كانت عاجزة عن تصديق ما ترسخه عيناهارطحت السؤال الذي أرقها منذ قدّم هار تفسيره المختصر للتغير المفاجئ في موقف المرأة: "ألهذه الدرجة كان الأمر سيئاً في البلدة؟"، محاولةً استكشاف حقيقة ما عاشته هناك.

وبابتسامة، ابتسامة حقيقية، ردّت الشامان: "خذي أيّ شيء يدور في ذهنك وأعدك بأنّ الواقع أسوأ".

توقفت برهةً، ثمّ ابتسمت بخبث وتابعت بنبرة مشاكسة: "تخيّلي قطيعاً كاملاً من الأفراخ مثلك، يسأل كلّ منهم عشرة أسئلة دفعة واحدة، ويحاولون حرفياً التسلق داخل جلدك...".

ارتعشت المشعوذة لا شعورياً قبل أن تحشر اللقمة الأخيرة من الفطيرة في فمها. لم تدر كوري أينبغي لها أن تشعر بالإهانة أم لا، فهي لم تعتقد قطّ أنها تبلغ من السوء حتّى تكون مقياساً للضجر، بيد أنّه تعذّر عليها إنكار أنّ شبيهاتها اللائي يحيطن بها عشرات المرات، كلهنّ يطرحن أسئلة تراوح بين السخافة والفطنة، ستفقد رونقها سريعاً. لكنّ الجزء الأخير ممّا قالته زلن هو ما علق حقاً بذهن كوري، إذ لم تحسب هكذا أمر وارداً البداية.

سأت بعينين واسعتين: "ماذا تعنين بـ'التسلق داخل جلدك'؟".

"أه نعم، بلا حدود... يمكن للجميع هناك القفز مباشرة".

سرت مسحة دفء في نبرتها.

"هذا ما تفعله الشامان، نحن نجسّد الأرواح في أنفسنا. بعضها أشدّ إلحاحاً من غيرها وتراني مجرد وسيلة للتفاعل مع المادة مباشرة".

هتفت كوري بدهشة وإجلال معاً: "أيمكنك فعل ذلك؟".

أومأت برأسها مجيبة: "تماماً، أستطيع. بقية أفرع الدائرة، حسنأ، ستكون تلك طريقة جيدة لاستحواذ الأرواح عليهم. وتلك ورطة حقيقية إن وقعت".

ابتسمت بمرارة وهي تنظر إلى الصبيّة قبل أن تعود إلى نبرتها المشاكسة: "ليس الأمر وكأنك ستضطرين للقلق حيال ذلك على الأقلّ، يا آنسة 'لست متأكدة إن كانت الروح قد لاحظتني من الأساس'".

نظرة التشكيك التي غطت وجه كوري وهي تسمع الشامان تسخر منها كفيلة بدفع زلن إلى نوبة ضحك أطاحت بها عن الجذع الذي كانت تجلس عليه. لو أنّها لم تكن ترتدي الجلد نفسه المندوب والممزق، لتساءلت كوري أكانت تلك حقاً الكوبولد ذاتها المغطاة بالتراب إلى جوارها. ومع فساد عشائها تماماً بسبب السكريات وتراجع الشمس نحو الأفق، عاودت الجماعة أعمالهم بحيوية متجددة، وإن خبت تلك الحيوية سريعاً لغياب البطون الفارغة التي تحثهم على الفراغ من أعمالهم لتناول وجبة لائقة، فاستغرق إنجازها وقتاً أطول من المعتاد.

وبسبب التأخير، بدت الثيران أقلّ ودّاً من المعتاد، أو هكذا ظننت كوري، إذ يصعب التيقن مع دواب الحمل المتقلبة المزاج. حتّى إنّ أحدها حاول قضم أحد قرنيها، لكنّه هدأ وانسحب بعد أن أطلقت الصبيّة المذعورة صرخة مروعة. أو ربما لم تكن لديه رغبة حقيقية في قضم النتوء العظمي وفقد اهتمامه. وعندما انتهوا من إعداد المعسكر وجلسوا لتناول طعام حقيقيّ، أدركت كوري أنّها أُفسِدت في رحلة الذهاب.

كان عشاء تلك الليلة أسوأ ما تناولته منذ مغادرة الكهوف، لحماً مجففاً أُضيف إلى مرقة خفيفة شديدة الملوحة مع بضع خضروات جذرية ما زالت قاسية بعض الشيء. افتقر سائق العربة الذي أعدّ الطعام، ملغ، بوضوح إلى المهارة، أو المهارة التي امتلكتها نكت. علقت الصبيّة آمالها على وجبات الأيام التالية لتكون أكثر شهية على يد فريق الصيادين الذين انطلقوا فور إفراغ أوعيتهم وعودتها لتنظيفها، وهي مهمة وجدت نفسها محملة بها.

وللأسف، تهاوت تلك الآمال. لقد صادفوا بضع مخلوقات تستوجب القتل، لكنّ أياً منها لم يكن شهياً بطبيعته. أقرب ما وصلوا إليه ليكون صالحاً للأكل هو وحش نباتي يُعرف بكرمة العصر، لكن نظراً للعثور عليها ملتفة حول جثة أيل متحللة جزئياً، لم يحبذ أحد إضافتها إلى وجباتهم. راودت كوري ومضة فضول إن كان بالإمكان استخدامها في إبداعاتها العشبية، غير أنّ المقاتلين لم يحضروها إلى المعسكر، بل لم يستطيعوا، إذ استحالت هي ووجبتها رماداً محترقاً بفعل الساحر المرافق لهما، فبات الأمر نقطة لا جدوى منها.

ويبدو أنّ الكرمة لم تكن تستهلك فريستها بقدر ما كانت تتخذها تربة خصبة تغرس فيها نفسها مؤقتاً وتمدّ جذورها في الجثة لتتكسر لاحقاً وتغدو كرمات جديدة وسيلة للتكاثر. وقعت الكرمات ظاهراً ضمن تلك الفئة الثالثة من المخلوقات التي ذكرها سنق باختصار في رحلتهم السابقة على الطريق ذاتها، وحوش قد تكون كائنات طبيعية في يوم من الأيام واحتفظت بقدرتها على التكاثر في هذه الحالة.

مضت بقية الليلة بهدوء ومن دون ما يكدر التوقعات الروتينية للجماعة التي دأبت على ارتياد هذه الرحلة ذهاباً وإياباً لأعوام. غير أنّ أمراً واحداً أثار صدمة كوري التامة، في حين لم يبدُ على الآخرين أنهم وجدوا فيه غرابة. لم يكن هار وحده من أمضى الليل تحت الألواح المخشخشة لعربته الخاصة. وعندما سُئلت صباح اليوم التالي كيف تمكنت الكوبولد من نيل نوم هنيء بأي شكل، أعلنت زلن بفخر أن الأمر لم يزعجها البتة.

فقد أحبت المساحة الإضافية التي تتيحها لها، ويمكنها النوم بعمق في أي مكان تقريباً، باستثناء سرير العربة المتحرك، فبدا أن ذلك يتجاوز الحد. مع الصباح، جاء الإفطار. المزيد من اللحم المجفف مجدداً، برفقة بطاطس باردة شويَت في جمرات نار المساء. أخذت كوري تأسف لسماحها لهار بحزم مؤونتها من زيت الفلفل الحار في أي مكان وضعه فيه؛ إذ تعذّر الوصول إلى المادة اللذيذة داخل أيّ من الصناديق أو الأكياس التي استقرت فيها مع مختلف المتفرقات الأخرى التي جُمعت.

وذهبت أبعد من ذلك فكشطت قليلاً من العسل المخفوق المتبقي والمخصص للخبز فوق البطاطس لتمنحها مسحة نكهة على الأقل، لكنّ المزج لم يكن موفقاً تماماً. مرّ روتين الصباح بعكس المساء السابق، تماماً كما جرت العادة في كلّ أيام الطريق من قبل، وما هي إلا فترة قصيرة حتى استهلت المسيرة النهارية عودتها إلى الديار. كانت كوري ممزقة، فقد تاقت للعودة إلى البيت، ورؤية أشقائها، والأهم من ذلك، التمكن من إعداد مساحة عملها الخاصة، لكنّها في الوقت ذاته افتقدت بلدة واتزاكت النابضة بالحياة.

افتقدت أصدقاءها الجدد وصخب الشوارع والمتاجر العامرة بأناسها المتوقعين الذين وجدتهم لطافاً ومرحبين في الغالب باستثناء أفراد نادرين. حسناً، فرداً نادراً حقاً. افتقدت خصوصاً ذلك الهوس شبه المرضي بالطعام الذي بدا أن سكان السطح يعانون منه. فقد توفر تنوع كافٍ ليتناولوا الطعام في مكان ما أو شيئاً جديداً كل يوم يقضونه في البلدة دون الحاجة لتكرار وجبة واحدة. رغم تناولهم غالبية وجبات العشاء في مطعم أطايم الجنوم، لم يكن ذلك أمراً تشكو منه كوري.

أمضت غالبية مسيرة اليوم شارذة الذهاب؛ وتأرجح وقتها بين تخيلات حول الوجبات العديدة التي رأت روائحها تعبر دون أن تشارك فيها، وكيف ستنظم مساحة عملها الجديدة تماماً كما تريد. راودتها أفكار شتى حول الكيفية التي ستجعل بها مساحتها مختلفة عن ترتيبات بولست وإيمليدا المفضلة، متجاوزة مجرد أحجام الأشياء عند الأخيرة. أحببت دقة بولست وترتيبه المنظم، لكنّها شعرت بأنه كان مهووساً بكون كلّ شيء مثالياً لدرجة سرقت منه وقتاً طويلاً بعيداً عن العمل الفعلي.

وبدت إيمليدا أشبه بألدر بصفتها صانعة جعة، حيث تُرتب الأمور لتوفير الراحة لعمليات قليلة شائعة تكررها طوال الوقت. علمت كوري أنها ستصنع الكثير من الشيء ذاته، غالباً معلقا أو معلقين فضلهما المحاربون أو السحر ومن ثم كميات ضخمة من مرهمها، لكنها لم ترغب بأن تُصمم مساحتها لتسهيل ما يتوجب عليها صنعه بل ما تستطيع صنعه. استغرقت كوري لحظات عدة لتدرك أن شيئاً ما قد تغير وتفيق من شرودها، فقد توقفت العربات جميعاً وعلت أصوات تصدر الأوامر؛

لا بد أنها غرقت حقاً في أفكارها إن كان الصباح بأسره قد تبخر دون أن تشعر به. وتأكدت أنه لم يتعد ساعات معدودة على الأكثر؛ بل إن نظرة عابرة نحو السماء أكدت ذلك إذ لم تبلغ شمس الخريف المبكرة ذروتها بعد. عندئذ أدركت خطأ افتراضاتها، فلم يكن هار ولا أي من التجار الآخرين من يصيح بالتوجيهات، بل كان أحد المحاربين. كان قائد المعركة سيغ المسؤول رسمياً عن المقاتلين ويمارس ذلك الأمر حالياً بكامل سلطته.

صاح قائلاً: "حركوا تلك الدواب! جلبوها جنباً إلى جنب، بأقصى تقارب ممكن وأي شخص لا يلوح بسلاح أو يلقي تعويذة، فليصعد إحدى العربات الملعونة ويختبئ!".

وجّه العربات لتضم صفوفها، محاولاً حث السائقين على رصها بإحكام ثلاثاً بجانب بعضها على طريق بالكاد يتسع لمرور اثنتين براحة، "وأين تلك الصبيّة اللعينة؟ لن أكون أنا من يشرح سبب غرس غوبلين أشيب حقير رمحاً صدئاً في جسدها!".

كانت الجملة الأخيرة كفيلة بأن ينجلي واقع الموقف أخيراً لتلك 'الصبيّة اللعينة' ذاتها، فقد وقعن في ورطة. وقف العديد من المقاتلين الآخرين، إضافة إلى زوجين من التجار الاكثر شراسة، في مواجهة مجموعة أكبر بكثير من أقبح المخلوقات التي وقعت عليها عيناها قط. بدا الأمر وكأن أحدهم أخذ جنوماً، وضغط رأسه حتى صار بيضوي الشكل أفقياً وأعرض من طوله، ووسع عينيه الرماديتين حتى جحظتا من محجريهما، ومط أنوفهما ونفخها لتغدو شبيهة بتفاحة برية منقّرة ملتصقة بمنتصف وجوههم، وشد أذنيهما حتّى تبدتا كطيات من الجلد المتيبس بارزة من جانبي رأسيهما.

ثمّ، عن حقّ، حاول غرق المخلوق البائس في حوض من صباغ أخضر، وليس أخضر غابياً لطيفاً، بل أقبح لون قيء مجهول 'ما الذي أكلته الليلة الماضية' أمكنهم العثور عليه. ووقف ما لا يقل عن اثني عشر من تلك الكائنات البائسة مصطفة على الطريق، تحاول تبدو مخيفة بينما تتهامز متدثرة بجلود بدت شبه متآكل وتوجّه رماحاً منقرة بالصدأ مثل جلودهم المندوبة والمتقرحة نحو المدافعين. رغم أن المجموعتين كانتا بعيدتين عن متناول بعضهما، وتفصل بينهما أمتار عدة.

امتلك الغوبلين العدد، لكنّه كان جلياً تماماً أن الكوبولد تفوقت في العتاد. وتلك كانت مجمل المراقبة التي سُمح لكوري بالقيام بها، إذ وُجدت مرفوعة من جسدها لتطلق إثر ذلك صرخة مروعة قبل أن تدرك أن زلن هي من أمسكت بها، لتُقذف بعدها في جوف أقرب عربة.

أمرتها الشامان بينما كانت خيوط الطاقة الروحية تتبخر أصلاً عن جلدها: "أدخلي ذيلك الحرشفي إلى الداخل، وابحثي عن مكان تختبئين فيه، ولا تحركي ساكناً إلى أن يخبرك أحدنا بذلك!".

لم تدرِ مدى قوة زلن، لكن نظراً لأنه جرى انتشالها من مؤخرة سترتها بيد واحدة ودون أيّ علامة جهد، شعرت كوري بغتة بالأسف تجاه الغوبلين. قليلاً فحسب. ليس بالقدر الذي يفوق سخطها على تعرض قافلتهم للهجوم، بل جزءاً ضئيلاً فحسب. ثم تذكرت قصة كورب؛ من المدهش حقاً كيف تختفي حتى أبسط أشكال التعاطف بسرعة عندما يتذكر المرء شيئاً من السياق. وجدت لنفسها ركناً بين عدة صناديق وأكياس حبوب لتتسلل إليه، تاركة فجوة تكفي لترى جانباً مما يدور، رغم عجزها الحقيقي عن استيعابه.

لم يَبْدُ أن الغوبلين يهاجمون، بل يكتفون بقطع الطريق والتصرف بتهديد بينما يطلقون صرخات بأصوات مبهمة تمر لغة بينهم، ولم تضغط مجموعتها في الأمر أيضاً، إذ وقفوا بثبات وأسلحتهم مسلولة، والدروع بأيديهم، مع ومضات مانا متقطعة تثير الغبار عن تراب الطريق الصلب بين الطرفين. لم يكن أولئك كل مقاتليهم في المواجهة. كان قائد المعركة نفسه في المؤخرة وبدت زلن كأنها تجوب العربات، كفرخ يتطلع إلى خنفساء مراوغة.

تمنت لو كانت مع هار، أو لربما كان معها إذ كان يحاول حالياً تدبير أمر الثيران الجامحة برفقة ملغ، لتسأله عما يحدث. لم يستغرق التفسير وقتاً طويلاً ليظهر بنفسه، فلم تنطلق إشارة اندلاع الجحيم من مقدمة القافلة بل من المؤخرة حين أطاح سيق برمحة من الهواء بدرعه، مدوية بفرقعة عالية اصطدم فيها الحاجز المعزز بالفولاذ بفرع الشجرة رديء النحت الذي يمر كرمح غوبلين، ليضطر بعدها للانحناء متجنباً ثانية وصداً لثالثة بضربة من رمحه الأشد متانة.

أعلن ستة غوبلين آخرين عن وجودهم بإطلاق نصفهم لأسلحتهم، أسلحتهم الوحيدة التي بدت مناورة أقل ما تقال فيها إنها غير مثالية، بينما اندفعوا نحو المحارب الوحيد الحارس لذيل العربات. أثبت المحارب جدارته بصنفه رفيع المسمى وهو يصد، ويتفادى، ويدور، ويرد بضربات في حركات انسيابية، وبدا رمحه ضبابياً وهو يتراجع ببطء متخلّفاً للوراء. لربما كان المحارب الأفضل، لكنه ظل يفوق عدداً بنسبة ستة إلى واحد.

مهما حاول منع الغوبلين الثلاثة العزل من استعادة رماحهم، تمكن الأول ثم الثاني وأخيراً الأخير من فعل ذلك تماماً، وإن بدا رمح أحدهم عديم الفائدة بعد أن انشطر نصفين حين أطاح به سيق من الهواء. كان هناك ببساطة عدد كبير جداً ممن يستطيعون مضايقته من جهات شتى ودفعه بعيداً عن الأسلحة الملقاة. بطبيعة الحال، لم يكن الكوبولد يخوض معركة خاسرة. كان يماطل. منتظراً المقاتل الوحيد الآخر غير المشغول في المعركة التي سمِعَت كوري صدى ضجيجها محتدماً في مقدمة القافلة لينضم إليه.

وعندما وصلت الشامان أخيراً بدا الأمر وكأنه استغرق دهراً، لكنه لم يتعد بضع عشرات من الثواني، بالكاد استطاعت كوري رؤية زلن من خلال الضباب الروحي الذي غلف المرأة. وبعيداً عن خيوط الطاقة التي شاهدتها من قبل، بدت الشامان الآن غارقة بالكامل في لهيب روحي. بالقدر الذي حارب به سيق بمهارة ورشقة، موكلاً المعركة وكأن الأمر بأسره تحت إمرته، كانت زلن النقيض تماماً. لم تمتلك لا سلاحاً ولا درعاً، لا شيء سوى يديها العاريتين والجلد المندوب الذي ترتديه دوماً.

وكان ذلك أكثر من كافٍ. قادمة من خلف المجموعة، حول سيق انتباههم بمهارة بعيداً عن الاتجاه الذي ستصل منه، ولم يلاحظ الغوبلين الأخير في المؤخرة، صاحب الرمح المكسور، وجودها إلا فوات الأوان. وتبين أن سبب عدم حملها لسلاح هو أنها ستلتقط واحداً، وتحديداً الغوبلين الأخير نفسه، حين انقضت عليه، ملتفة بيد مخالبية حول عنقه النحيل قبل أن ترفعه بالطريقة ذاتها، وبشكل أقل لطفاً بكثير، التي رفعت بها كوري قبل دقائق قليلة.

الصرخات التي أطلقها الغوبلين المسكين أثناء تلويحه بجسده وسط رفقائه ستطارد غالباً أحلام كوري لأسابيع قادمة. ويا لحسن الحظ أنها لم تستمر طويلاً. في النهاية لوحت زلن ليهوي الغوبلين الذي تشبثت به وذاك الذي ضربته متدحرجين وسط المجموعة، مبيتين الخلل في تشكيلهم الركيك أصلاً. ولسوء حظ السلاح المرتجل، بقي جزء كبير من عنقه داخل قبضة الشامان إذ مزقت مخالبها ما لا بد أنه كان أمراً حيوياً فيه.

لقد كان الأمر أكبر من طاقتها. رؤية كتلة اللحم والجلد الأخضر التي لا توصف وهي تهوي من قبضتي الشامان اللطيفة حديثاً كانت كفيلة بقلب معدة كوري ودفعها لإدارة وجهها. لم يكن الالتفاف جانباً أفضل حالاً حسبما أدركت. رغم كونه أقل بشاعة، إلا أنه كان مثيراً للغثيان بالدرجة ذاتها لرؤيتها آخر ما رغبت في رؤيته. مجموعة ثالثة من الغوبلين، نصف دستة أخرى كاملة، تتسلل عبر الأحراش مستعدة لمهاجمة خاصرة القافلة المكشوفة الآن.

حاولت الصياح، لتنبيه الجميع إلى التهديد الجديد، لكن صرخاتها المتمثلة في "هناك المزيد على الجانب..."

بينما كانت تعيد توجيه نفسها قليلاً لتحديد الاتجاه، "إلى اليسار؟"

آملة أن يسمعها أحد ليدرك قصدها عند مواجهة مقدمة العربات. لم تكن متأكدة إن كان أحد قد سمعها فعلاً وسط صخب المعركة، وإن سمعها أحدهم، فغالباً لم يكن منخرطاً فعلياً في أي من جبهتي الاشتباك اللتين كانتا منهمكتين تماماً في تفادي تلقي الثقوب. بحثت عما يجاورها لتستخدمه في إحداث ضجيج أو رميه لردع المهاجمين قدر الإمكان لكسب لحظة لوصول النجدة وخرجت خاوية اليدين. خلت حقيبتها بالمثل من الخيارات، سوى مرهم ستحتاجه غالباً قريباً، ومعلق إلهام أساسي، وهو شيء شعرت بحاجة ماسة إليه في تلك اللحظة، والخرابيط المعتادة التي تحملها.

رغم أن ذلك لم يكن صحيحاً تماماً، فقد قبضت يدها على الإضافة الأحدث إلى حقيبتها. كانت تظن أنه سيُستخدم كمزحة، لكن إن وُجد شيء صالح لتلك الخلطة بالذات، فهو كونها مزعجة. وقليل من السُميّة أيضاً، حسب ظنها. رفعت قارورة سحابة اللدغ الأساسية، وراقبَت مجموعة الغوبلين تقترب أكثر من العربة التي اختبأت فيها. عندما اختبروا القارورة، أحدثت ومضة خاطفة ومزيداً من الدخان شبيه بنفخة لا سحابة تغطي قطراً يزيد قليلاً عن متر، لذا ستحتاج لإلقائها وسط الغوبلين مباشرة لتأمل في إعاقتهم لأكثر من لحظة ذعر عابرة.

فوق ذلك، لم تكن رامية بارعة، لذا وجب اقترابهما قليلاً لتملك أي أمل في إيصالها إلى حيث ترغب. ومع اقترابهما، وصولاً إلى ما دون خمسة أخماس متر من مخبأها، شعرت راحتا كوري باللزوجة أمام إناء الفخار الذي راح يدفء تدريجياً في قبضتها واهتزت يدها لحد خشيت معه إسقاط الغاية التي وضعت آمالها فيها، وإن فعلت، فالضحية الوحيدة لتشتيتها ستكون نفسها. وحين اقتربوا أكثر، على بعد أمتار قليلة، مقتربين بما يكفي للبدء بالتسلق داخل العربات، قذفت أخيراً الإناء عالياً، راغبة في ضمان تشققه واشتعاله على النحو الأمثل.

أقصى ما أردته هو ألا يسقط بنعومة وسط الأحراش ويفشل في الاشتعال. كل العيون، عيون كوري والغوبلين معاً، تسمرت على الإناء الصغير وهو يحلق عبر الهواء، مراقبين دورانه بومضات متحولة من الفخار البني إلى شمع النحل الأحمر الذي غمسوا قمته به لإبقائه محكماً ومراراً وتكراراً. رغم كل مخاوفها من عدم الرغبة بالفشل في بلوغ المهاجمين المفترضين، حققت العكس وتجاوزتهم. هبط قلبها وهي تدرك خطأها وعليها الأمل في أن يجذب ذلك على الأقل انتباه المدافعين نحو محنتها.

وعندما تحطم إناء الفخار الصغير على الأرض وانفتح، أدركت كوري أمرين. الأول، أنها ارتكبت حساباً خاطئاً فادحاً، فقد اختبروا النسخة الأدنى من هذا الإצناك تحديداً، لا النسخ غير الشائعة كتلك التي ألقتها لتوها. والثاني، تضاؤل فرصة عدم ملاحظة أحدهم لتلك الفرقعة المدوية أو ثوران الضوء الناجم عن نقطة الاصطدام. لربما كانت هناك ملاحظات أخرى يجب تسجيلها، لكنها كانت الوحيدة التي تمكنت من إدراكها قبل أن يلفها ضباب من صنع يديها، وشعرت بعينيها وكأنها فركتهما بزيت الفلفل الخاص بها.