إيمبرسكال، الكيميائي الفصل 74 — ضجة كبرى لأجل كعكات الشاي

اقرأ إيمبرسكال، الكيميائي الفصل 74 — ضجة كبرى لأجل كعكات الشاي باللغة العربية على مانجا تايم.

حين غادرت كوري متجر أطايب الجنوم، كانت قد انسلّت من الحصن قبل ساعات عدّة، متأخرةً قليلاً عما نوَت، وربما لفترة كافية ليلاحظ هار غيابها. لم تكن محاولتها للتسلل في العودة موفّقة تماماً، في رأيها على الأقل، مثلما كانت محاولة هربها، فقد لاحقتها نظرات بضع كبولد الفاحصة حين حاولت الالتفاف حول حافة البوابة متجهةً نحو المخبأ السفلي. كانت ترغب في التظاهر بأنها أمضت وقتها في غرفتها تقرأ أو تتدوّن الملاحظات، لكن ذلك لم يكن وارد الحدوث أبداً حين رأت زلن تلوّح لها قبل أن تخطو خطوتين للداخل.

أومأت برأسها للمرأة وحاولت المضي قُدماً، لتراها تشير برأسها نحو الأبواب الواسعة المفتوحة للمستودع. باتباع جهة إشارة زلن، لمحت كوري هار يتكئ على إحدى العربات في الظل، وقد غطت الصناديق والبراميل وأكياس البضائع المتنوعة مساحة كبيرة منها بالفعل، وبدا العبوس واجماً على وجهه. حين لاحظها ووقف مكانه، ممسكاً عن الكلام ومحافظاً على عبوسه بينما يحدّق بها، أدركت كوري أنها وقعت في شراكها.

سارت ببطء، محاولةً إظهار نظرة أسف، إلى أن وقفَت أمام معلّمها. تفحّصها بتمعّن من رأسها حتى أخمص قدميها، قبل أن يرفع يده ويمسح شيئاً عالقاً بجانب خطمها، ويشمه، ثم يمسح يديه بقطعة قماش أخرجها من أحد جيوبه.

قال محركاً رأسه يميناً ويساراً: "ألم تحضري لي قطعة كعك على الأقل؟".

لم تكن قد أحضرت شيئاً، وللأسف.

أسفت بصوت خافت: "آسفة...".

تمتم مستنكراً: "همف. سحلية صغيرة ناكرة للجميل، هذا ما أنتِ عليه".

أطلق زفرة استياء أخرى قبل أن يسمح أخيراً لابتسامة حاول كبحها بالظهور.

"أتعلمين أنه كان بإمكانك السؤال فحسب، أليس كذلك؟".

فاجأها ردّه، فقد أصرّ هار على أن يرافقها أحد في أي مكان تقريباً، إذ كان هو أو زلن يرافقانها في كل مرة تغادر فيها الحصن.

سألت بدهشة: "أيمكنني؟ لكنك تجعل أحداً يرافقني دائماً".

قال ناظراً إليها: "نعم، لأنكِ قد تضيعين وأنتِ تسيرين كل تلك المسافة وصولاً إلى العشّابين، أو الأسوأ من ذلك، أن تقطعي وسط المدينة حيث يعيش أولئك الأغنياء المتكبّرون، مثل رينافا".

نطق بالكلمة الأخيرة باشمئزاز، قبل أن يتابع: "إن كنتِ ذاهبةً فقط لرؤية ماريبيل لتناول قضمة، فلا داعي لإرسال أحد معكِ. وبطبيعة الحال، لو أخبرتِني بشيء لربما طلبتُ منكِ على الأقل أن تحضري لي شيئاً معكِ...".

قالت ناظرةً إليها بوجوم حقيقي هذه المرة بينما تعتذر: "أه... آسفة، كان ينبغي أن أستأذن قبل أن أذهب".

تذمّر قليلاً وتنهد: "هَه، ما وُقع قد وقع. لا يوجد نكت في طريق العودة، ولن يكون الطعام لذيذاً بالقدر نفسه".

برؤية ملامح وجهه، وإدراكها أنه سيقدّر حقاً وجبة خفيفة شهية قبل رحيلهم، خطرت لكوري فكرة.

سألت رافعة السلة أمامها: "أهناك صندوق فارغ أستطيع وضع أشيائي فيه؟".

رفع هار حاجبه وهو يتأمل ما تحمله قبل أن يبتسم، إذ تعرّف على المحتويات بوصفها مخزون الجنوُمّة الصغيرة. كان من الصعب الخطأ في ظنّ الأطباق المزجّجة باللونين الأزرق والأصفر بوصفها شيئاً آخر.

أشار إلى قفص تركوه جانباً من أجل الصَّغار: "هناك، تركتُ واحداً جانباً ليتسنى لكِ حزم الأغراض التي في مخبأكِ".

صاحت: "حسناً!".

وهرعت بسرعة مستخرجة ممتلكاتها الجديدة من السلة وراصةً إياها بعناية في داخله. كانت هناك أهدام وفيرة من القش منثورة في كل مكان لحزم الخزف بغية الحفاظ على الأشياء القابلة للكسر آمنة. وافترضت أن هذا الوفر الهائل من القش يرجع لكون الأواني الزجاجية والهشة تشكل جزءاً كبيراً من شحناتهم، إذ كانوا ينقلون ما يكفي من أدوات لتجهيز مساحة عملها الجديدة.

حين فرغت السلة، رمقت هار بنظرة وتلويحة سريعة وقالت: "سأعود بعد قليل!".

صرخت هذه المرة مخبرةً إياه بمغادرتها على الأقل، وإن لم توضح وجهتها أو تستأذنه صراحةً. حافظت على خطى حثيثة، قريبة نوعاً ما من الهرولة، طوال رحلة العودة. تفاجأت ماريبيل برؤية كوري تندفع عائدةً إلى مقلها، وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة وتلوّح بسلة أفرغ للتو وبدت خفيفة بوضوح.

هتفت كوري وسط أنفاسها المتلاحقة: "لقد عُدتُ!".

محاولةً استيعاب ما حدث بنظرة امتزجت فيها الحيرة بالقلق، تساءلت الجنوُمّة: "أستطيع رؤية ذلك، ما الخطب؟ لم تكسري كل الأطباق بالفعل، أليس كذلك؟".

أجابت كوري وقد استبدّ بها الضيق لظن صديقتها سوءاً بها: "ماذا؟ لا!".

ثم أدركت السبب، إذ بدت السلة شبه مقلوبة بينما كانت تمسك بها بقوة وتستند بيدَيْها على ركبتَيْها.

"أه، أجل، لا. أفرغتُ السلة خلف الحصن لأتمكن من العودة".

ما زالت ماريبيل حائرة، وإن بدا عليها الارتياح لعدم وقوع كارثة، فرددت ردّ صديقتها من صباح ذلك اليوم، مع ميل الرأس وكل شيء، وقالت وابتسامة عريضة تملأ وجهها: "لماذا؟".

لم تلحظ كوري الإيماءة الساخرة على حقيقتها، فأخذت السؤال بحرفيته.

أجابت وهي تدفع السلة نحو الجنوُمّة بيد وقطعة فضية بالأخرى: "لأنني احتجت إلى مساحة لأحمل أطايب للقافلة!".

يصعب الجزم بمن بدأ بالضحك أولاً، وربما كانت ماريبيل، إذ استغرق الاثنين نوبات من القهقهة والابتهاج إزاء تلك العبارة. وربما يعود ذلك للتعبير الفخور الغريب الذي ارتسم على محيا كوري حين تفوّهت بما قالت. حين هدأت مرحهما أخيراً، التفتت الجنوُمّة إلى أحد عمالها، وقالت شيئاً بلغتهم الوُزيثية وهي تلقي إليه بالقطعة النقدية التي قدمتها كوري. وبعد أن انتزع الشاب القطعة النقدية بمهارة من الهواء، جمع بضع أشياء، وعلّق مئزره، وهرع خارج الباب، في الوقت الذي ظلت فيه كوري تحاول استيعاب الأمر في حيرة.

قالت ماريبيل وهي تجيب عن سؤال كوري غير المكتوب وحاجبها المرفوع، بينما تتسلم السلة مبتسمة: "إنه ذاهب إلى المخبز ليرى ما لديهم من فائض ويطلب المزيد إن أمكن".

ثم أردفت: "والآن، لنرَ كم يمكننا حشوه في هذه السلة لأجل الجميع!"

وهرعت عائدةً إلى المنضدة المعروضة عليها المعجنات. وشرعت بسرعة في إخراج قطع الكعك المحلّى، ومعجنات الدانيش، والفطائر المحشوة بالتوت والعسل، بل وحتى رغيفين كاملين من الخبز مصحوبين بجرّة فخارية من الزبدة. وبنظرة تفحصت بها صديقتها أضافت جرّة فخارية ثانية صغيرة، مملوءة بالعسل المخفوق الذي استمتعت به كثيراً، ولعلها بالغت في ذلك. لو كانت كوري أكثر دراية بأمور النقود، لأدركت ربما أن قطعتها الفضية الوحيدة قد مُطّت بشكل ملحوظ في ملء السلة مقارنة بما ينبغي، لكنها لم تكن كذلك، واكتفت ببساطة بالوثوق في صديقتها لتملأ السلة حتى نفاد النقود أو تخبرها بأنها تحتاج إلى قطعة أخرى.

لم يكن الأمر كأن ماريبيل لا تعلم أن بحوزتها المزيد، أو أنها لم تألف قط القيمة النقدية بأكملها. لكنها لم تنطق بشيء، ولم تسأل كوري، فامتلت السلة عن آخرها بالمعجنات المتراصة فوق بعضها بطبقات من ورق البرتغال، والمغطاة بقطعة من القماش الأخضر الذي لُفّت به الأطباق سابقاً والتي استبدلت بها القش. مكررةً وداعاتها للمرة الثالثة بمعانقات ووعود بالزيارة متى سنحت لها فرصة العودة، انطلقت كوري مجدداً.

حافظت على خطى أهدأ بعض الشيء مقارنة برحلة عودتها، إذ لم تشأ إزعاج شحنتها الثمينة بهزّها يميناً ويساراً. لم تبذل أي جهد للتسلل فور وصولها عائدةً إلى الحصن، بل سارت بخطوات واثقة مباشرة نحو هار، الذي كان منهمكاً هذه المرة في توجيه العمال لتخزين آخر الصناديق والبضائع وإعادة ترتيب بعض الأشياء لموازنة الحمولة بين العربات.

فور وصولها، انتظرت ريثما يعترف بوجودها قبل أن تدفع السلة نحوه بفخر وتصيح بصوت عالٍ يكفي ليسمعه الحصن بأسره، وربما بعض جيرانهم أيضاً: "أحضرتُ أطايب!".

بدت هذه الكلمات وكأنها تعويذة سحرية تجهلها كوري، إذ التفتت تقريباً كل رأس نحو تصريح الصغرى، لدرجة أن هار شرع يصيح فيهم للعودة إلى أعمالهم.

صاح محذراً: "كفى عبثاً الآن! لدينا جدول زمني يجب الالتزام به، اشرعوا في تحميل تلك الصناديق وربطها بإحكام. أيّاً ما كانت الأشياء التي أحضرتها فستكون أطيب بعد يوم طويل حين نتوقف للغروب".

وأقرن صراخه بالإشارة نحو أي شخص يراه لا يتحرك بعد، وإلى بضائع متفرقة ما زالت بانتظار التحميل على العربات.

ثم أشار نحو كوري مكملاً: "وأنتِ، الأفضل لكِ أن تعودي لتأخذي كل ما تركتِه خلفكِ في مخبأكِ وترتّبيه فوراً، فقد حان الوقت لننطلق في طريقنا".

وبينما استدارت لتتراجع نحو ما ظلّ مخبأها طوال الأسابيع الماضية، أردف هار بسرعة: "سأتكفل بحمل تلك، لا داعي لحملها ذهاباً وإياباً"، ماداً يده نحو السلة.

وأنبأتها ابتسامته بما سيحدث بالتأكيد لو تصرّفت السلة برعاية ذلك الرجل. بهزّة من رأسها، ولعلها أخرجت لسانها باتجاهه أيضاً، استبقت كوري محاولة السطو على قطع الكعك، فجذبت السلة بعيداً عن متناول يده وهرعت نحو زلن المُسترخية.

سألت وهي ترمش بعينيها نحو هار للتأكد من جلاء مقصدها: "أيمكنكِ حراسة هذه من أجلي؟".

كالعادة، لم تتلقَ سوى إيماءة ومقطع صوتي وحيد من الشامان ردّاً على طلبها، إذ اكتفت بلفظ "حسناً"

البسيط وتناولت السلة المعروضة. بالتفاتة خلفية، أبصرت عبوس هار وهو يستمرّ في توجيه الآخرين للعودة إلى العمل —وهو ما كانوا يقومون به بالفعل— ولكن بحدة زائدة عن الحد المطلوب. لم يتبقَ الكثير في غرفتها لاسترداده، سوى بضعة مستحضرات مخبأة وبعض القطع والأدوات المتفرقة التي جمعتها. لقد احتفظت ببعض مستحضرات الإلهام، جنباً إلى جنب مع سائل التنظيف، وثلاثة أوعية من سحابة اللسع، إضافة إلى الوعاء الذي بحوزتها مسبقاً داخل حقيبتها.

لم تحتفظ سوى بعدد قليل من الأنواع النادرة، أما بقية ما صنعوه فقد جرى اختباره خلف منزل إيملدا —رغم أن ذلك اقتصر على النوع الرديء فحسب، وكان سيئاً بالقدر الكافي— أو جرى تسليمه للجامعين الذين تعمل معهم لردع الحيوانات المفترسة على أمل أن يُجدوا نفعاً إذا صادفوها وسط الأدغال، تحسّباً لأي طارئ. ولم تكن ممتلكاتها لتملأ حقيبتها حتى، فعادت إلى القافلة المتجمعة وأودعت بسرعة معظم المستحضرات داخل الصندوق الذي مُنحت إيّاه لأغراضها، مانحة القوارير مساحة وفيرة محشوة بالقش لتوسيدها اتقاءً لأي حوادث محتملة، فضلاً عن أي أغراض أخرى رأت أنها لن تحتاج إليها أثناء السفر، مثل النقود.

حاولة إعادتها لهار لكنه أبى أخذها، لذا توجب عليها إيجاد مكان لها حين يعودون إلى الديار. بحين بلوغ الشمس كبد السماء، كانت القافلة قد تجمّعت واستعدت للرحيل. شقّوا طريقهم عبر البوابات بلا ضجيج أو وداعات، فكل ما كان ينبغي قوله قد قيل بالفعل، وفي حالة كوري مع ماريبيل، تكرر ثلاث مرات حتى. ولم يلبث منظر الجوار أن توارى خلف الغجار، وتلاشى العالم الذي عاشت فيه طيلة الجزء الأكبر من شهر، ليحل مكانه تدريجياً روتين الحياة اليومية للقبيلة، حيث لكل فرد مكانه الذي لا يحيد عنه.

وما لبثت أن رأت زلن تسير بجانب إحدى العربات، ولا تزال تحمل السلة المغطاة بالقماش الأخضر النضر، حتى أدركت أنها لم تسترد ذلك الحمل الأكثر قيمة. تفاجأت برؤية المرأة مسافرة برفقتهم، فقد علمت أن الشامان سترافق مجموعة المحاربين، لكنها لم تتوقعها لسبب ما. انضمت إلى جانب الروحانية، التي تباطأت خطوها عن المعتاد لأن الثيران هي من يحدد الإيقاع لا هي، وشكرتها.

وقالت وهي تشير إلى السلة: "شكراً لاهتمامكِ بحفظ هذه، عذراً لعدم تذكري العودة لأخذها باكراً".

صدمت كوري ردّة فعل زلن، فلم ترَ تلك المرأة إلا غاضبة أو متبرّمة طيلة الأيام التي تلت لقائهما، لكنها تبدي الآن ما يمكن وصفه بسخاء بالابتسامة.

ردّت وهي تناوله السلة: "لا بأس، رائحتها طيبة للغاية".

اضطرت كوري للالتفات حولها لتتأكد من أنها ليست الوحيدة التي تسمع ما قالته، ولتتحقق أيضاً من أن تلك زلن حقاً وليست شبيهة لها. وبالنظر إلى المظهر الفريد للمرأة لم تكن ترجح ذلك الخيار الأخير كثيراً. لم تشأ المجازفة بفعل أي شيء يعيد مزاج المرأة إلى التجهم الذي عهدته، لذا وبدل أن تسألها عما تغيّر، اكتفت بالإيماء، وشكرتها مرة أخرى، وانسحبت إلى مقدمة القافلة لتسأل هار عما يجري بالضبط.

وضعت السلة بجانب السائق على العربة القيادية قبل أن تفتح الموضوع مع هار.

سألت محاولةً خفض صوتها كي لا يسمعها أحد: "اممم، هار... هل هناك خطب ما بالروحانية زلن؟".

رمقها بنظرة قلقة وهو يلتفت إلى الخلف حيث كانت المرأة تمشي متمايلة تقريباً بجانب العربة، وقال: "زلن؟ ليس حسب علمي، لماذ؟ تبدو لي بحالة جيدة".

تلعثمت كوري بالقول: "لكن... لكن... إنها تبتسم!".

رمش هار بضع مرات محاولاً إدراك العلة قبل أن يطلق ضحكة قصيرة، ولرعب كوري، التفت نحو المعنية بالأمر وناداها لتقترب منهما: "زلن، أيمكنكِ القدوم لحظة؟".

أرسل نداء الرجوع "أنا قادمة!"

بصوت مفعم بالحيوية أفكار كوري لتتخبط بلا هدًى بينما كانت زلن تهرول نحوهما لتلتحق بهما.

حياها هار قائلاً: "طاب يومكِ، أيتها الروحانية"، فتلقى رداً مشابهاً.

ثم أردف مشيراً بيده نحو كوري: "مساعدتي هذه أبديت بعض القلق بشأن صحتكِ. يبدو أنها تظن تصرفكِ غريباً".

إن كان الرد البهيج قد أخرج أفكارها عن مسارها، فإن ضحكة المرأة قد حطّمتها بالكامل.

تمتمت ضاحكةً قبل أن تربت على كتف كوري: "إنه لمن المريح حقاً مغادرة ذلك المكان. أنا أكرهه هناك".

وتصلّبت يدها حين تحدثت عن البلدة.

"الأرواح هناك في حالة فوضى عارمة، ووجودي بتلك البلدة يضغط على كل حاسة أمتلكها".

ثم التفتت إلى هار، وقالت: "أخبرها بنفسك إن شئت".

وتخلت عن كتف كوري مخفّفةً من وقع خطوها لترجع إلى مكانها السابق بجانب العربة الثانية.

سألت بينما كان عقلها يستوعب ببطء الصدمة التي تعرّض لها لتوّه: "أخبرني بماذا؟".

واصل هار ضحكاته وهز رأسه للحظات قبل أن يشرع في تفسير الأمر.

"صنفها نادر، سواء من حيث الجودة أو التكرار. يستطيع أورتيك شرح ذلك بشكل أفضل مني، لا لأنه سيفعل، لكن بإمكانه. تبدو علاقتها بالأرواح خاصة، وقوية جداً وحميمة للغاية أيضاً...".

استغرق لحظةً لإيجاد الكلمة الملائمة.

"أثق بأنكِ لاحظتِ أنها لا تشبه بقية أعضاء الحلقة، في نواحٍ عديدة، لكنني أراهن أنكِ لم تعلمي أنها مُبعدة عنها عملياً".

ومع استرساله، تسللت نبرة شفقة إلى صوته.

"لا تستطيع الاقتراب من ذلك المكان دون أن تصاب بانهيار تام، وهو أسوأ بكثير مما رأيتِه في المدينة. إنها بالغة الحساسية تجاه الأرواح لدرجة أنها لا تهبط أبداً إلى الكهف الفعلي من محطة الاستراحة الخاصة بالتجار، بل وضبطتها مرة تحقر خارج مدخل الكهوف حين علقت هناك لفترة أطول من اللازم".

استطرد، فبدأت كوري تشعر بالأسى للطريقة التي بدت بها تلك المرأة معزولة بفعل نمو صنفها.

"لا تصبح هكذا حقاً إلا حين نكون على الطريق، بعيداً عن أي مكان يتجمع فيه البشر".

فكرت كوري مطولاً فيما أخبرها به للتو، وكيف أنها أشفقَت على المرأة، وكيف يمكن لصنف أن يغير حياة المرء بهذه الطريقة.

"لكن لماذا يختار المرء صنفا كهذا؟ ألم يكن بإمكانها اختيار عدم تطور صنفها على هذا النحو؟".

"على الأرجح، رغم أنه لا يعلم أحد الخيارات التي عُرضت عليها أو ما إذا كانت هناك خيارات أخرى أساساً. لكن إما أنها لم تكن تعلم أن الأمر سيصل إلى هذا الحد من السوء، أو أن القوة التي وفرها كانت أكبر من أن تفوتها".

توقف برهة قبل أن يضيف مؤكداً نقطته: "وصدقيني، إنها بالكثير من القوة. آمل ألا تضطري البتة لتجربة رؤيتها وهي تستخدمها".