إيمبرسكال، الكيميائي الفصل 61 — ألسْتَ قبيحاً حقّاً

اقرأ إيمبرسكال، الكيميائي الفصل 61 — ألسْتَ قبيحاً حقّاً باللغة العربية على مانجا تايم.

أعقبت نقاشات الأمس بينما كانت تدرّب حواسها رفقة سنق، صورٌ لبرك تتفجّر من كؤوس مختبر وتغمرها أثناء عملها لتلوّن أحلامها وتعكر مزاجها في الصباح التالي. <<تحسّنت مهارة التمرّس. مستوى إدراك المانا 3 -> 4>> نجحت في بلوغ مستوى واحد في مهارتها على الأقلّ، لكنّه كان عزاءً زهيداً. حتى الإفطار، شرائح من لحم فخذ الخنزير المقلية في شحمها مع جذور الخضار المقطّعة، التهمته آليّاً.

رطوبة الصباح التي لاحظتها في اليوم السابق علقت بكلّ شيء أثناء حزم الأمتعة، وكانوا مستعدّين وانطلقوا على الطريق بحلول وقت بلوغ الشمس ذروة الأفق. بقيت كآبة أحلامها طوال الصباح وتركت لديها نزراً يسيرًا من الحماس لمسيرة اليوم. ظلّ الأمر كذلك على الأقل، إلى أن كشف انقشاع الغابات المتفرّقة حولهم عن أول لمح لبوصلتهم قبل ساعة من بلوغ الشمس كبد السماء. تبيّض حماس ما كانت على وشك رؤيته مزاج الصباح العابس بالسرعة ذاتها التي محت بها الشمس الرطوبة، فقد وصلوا.

برزت جدران من الحجارة المألوفة بين الأشجار؛ ولمعان الديوريت الأسود المنقّط بالأبيض منح الجدران التي يبلغ ارتفاعها قرابة أربعة أمتار مظهراً مذهلاً. اعتقد البعض أن جدران واتزاكت تنذر بالسوء، وبدت للكبولت مجرد ترف لا غير. عجزت كوري عن إدراك سبب الحاجة إلى جدار بهذا الارتفاع، فحتى الخنزير البري الذي قتله المقاتلون لم يبلغ ارتفاع كتفيه سوى متر ونصف المتر. ظنّت أن الأمر لا يعدو كونَه طبيعة للبشر، شيئاً سترى حقيقته بنفسها عما قريب، وهو بناء أشياء أكبر ممّا تحتاجه.

ما إن انقشعت الغابات وانكشفت الحقول الجرداء المنحدرة برفق نحو البلدة، حتى أذهل كوري الحجم الهائل لماثِل أمامها. كانت الجدران عالية، بيد أن المباني وراءها ارتفعت أكثر. شوهدت أسطح مسنّنة خلف التحصينات وكلّما تعمّقت بنظرها في البلدة حلّقت تلك الأسطح أعلى. أفسحت المباني الخشبية المجال لتلك المنحوتة من حجارة الجدران ذاتها في الأفق، وارتفعت قاماتها المربعة القصيرة فوق محيطها بارتفاعات أكبر.

تجمّع ذلك كلّه في صورة تعجّ بالارتفاع والازدحام. بشر يعيشون فوق بعضهم، مكدسون كصغار في وكورهم الضيقة المتراصة. وحده ذلك الصرح قد يؤوي مئات، بل ربما آلاف الكبولت. طالما سمعت أن بلدة واتزاكت تُعدّ صغيرة نسبياً، لكن ما رأت تفاصيله ممتداً أمامها كذّب تلك المقولة،إذ يمكن للقبيلة بأسرها العيش في تلك المساحة، وربما تضاعفت مرّتين. أفاقها من أهوال أفكارها نداء هار البعيد.

"كوري، انتظرِي البقيّة!"

صاحَ بها. بالتفاتها حول نفسها، أدركت أنها زادت من سرعة خطاها فور رؤيتها البلدة أمامها ودون قصد. كانت تتقدم الآخرين بعشرات الأمتار. توقفت وانتظرت، مبدلة ثقلها باستمرار يمنة ويسرة بينما انثنى ذيلها خلفها بطاقة قلقة ومتأججة. دفعها الأمر لرغبة عارمة بالانطلاق جَرْياً لبلوغ المكان بأسرع ما يمكن. حثّت صامتة الثيران التي ضبطت وتيرة القافلة على التقدم بينما تقلبت عيناها من مبنى لآخر ومن جدار لبوابة وعودة.

البوابة الخشبية، المزنّرة بالمعدن، وقفت في نهاية الطريق الذي سلكته متناقضة بحدة مع حجر الجدار الداكن، وبدت عادية بجانبه. رغم أنها بدت سميكة ومتينة من بعيد، وواسعة وعالية بما يكفي لتمرّ عرباتهم التي يقودونها بلا عائق وبمساحة إضافية تفيض عن الحاجة. ارتفعت فوق كل جانب من البوابة رايات قماشية، محاطة بحمراء داكنة، تشبه تلك التي لحراشفها، لكنها ملئت بأسود ورمادي الجدار الذي عُلّقت عليه.

بينما كانت تراقب، بدأت البوابات تنفتح ببطء، وبدا أن حضورهم قد لوحظ مسبقاً. تحركت قدماها مجدداً قبل أن تعي ذلك تماماً، متجاهلة تعليمات هار السابقة تماماً. بشر! أو ظنّتهم بشراً على الأقل. دفعت أشكال طويلة البوابات الخشبية الكبيرة ببطء تحضيراً لوصولهم. ارتدى اثنان منهما دروعاً معدنية تلمع في شمس الصباح المتأخر، وقبعات من الفولاذ العاكس فوق رؤوسهما ومعاطف تتلألأ كحراشف فردية بفضة تنحدر على ذراعيهما وتتدلى أسفل خصورهم.

درعت صدورهما، لكنها غطيت بقماش محاط بالأحمر مع رمادي وأسود، كالأعلام التي في الأعلى. بحلول الوقت الذي اقتربت فيه من الشكلين، والقافلة تتذيل المسافة في الخلف، كانت كوري شبه مقطوعة الأنفاس من الرعد الفجائي الذي لم تقصده. بدا الاثنان مذعورين من اقترابها المباغت، فخفض أحدهما رمحه وأدار عينيه باحثاً كمن يتقصى خطراً. بادرت كوري، بالطبع، بسؤال أول ما خطر ببالها.

"أنتما..."

لاهثة بين كلماتها، "بشر؟"

عيناها واسعتان وهي تفحص ببطء الحراس المرتبكين.

"أنا... مم... ماذا؟"

أجاب من لم يستعد سلاحه بما ظنّته لغة فوريشانية سفلى، غير واعي البتة بما يجري مع الكبولت ضئيلة القامة، أو ما تقوله.

"ألا تفقهان لغة الخلق؟"

سألت، متبرّمة لسبب استقبال البلدة لهم بحارسين يعجزان حتى عن مخاطبتهما. هزّ الاثنان رأسيهما سريعاً، مصدرين المزيد من الأصوات بلغتهما الحادة محاولةً لإيصال عجزهما عن الفهم.

"حسناً، هذا مزعج..."

ردّت بنبرة محبطة. وعجزها عن طرح أسئلتها، اكتفت بفحص الاثنان بصرياً بدل ذلك. وقف كلّ منهما مفرعاً فوق ضعف طولها، متجاوزاً المتر وثلاثة أرباع بسهولة، وصنع درعهما اللامع من حلقات معدنية لا تحصى تتداخل ببعضها وتنسدل فوق جسديهما مع لباس كالسترة فوقها. لم تكن متأكدة حقاً إن كانا ذكراً أم أنثى، وخمنت أنهما ذكوران غالباً لخشونة نبرة لغة أحدهما الحادة أصلاً والشخص الآخر بدوِهه بما يكفي لافتراض تطابقهما.

غطيا تماماً بين درعيهما، وسراويلهما الجلدية، وقبعتهما المعدنية، وحتى أنهما ارتديا أغطية معدنية على قدميهما، وظنّت أن ذلك لا بد كان بالغ الإزعاج. ما رأت من هيئة الكائن تحتهما، لم يتعدَ سوى بشرة وردية باهتة لوجوههما تحت الخوذة التي ارتدياها. بدت عيناهما صغيرتين مقارنة بحجمهما الكلي، وربما أصغر من عيني كبولت، وبدا باقي وجهيهما... مسطحاً... كأن أحدهما هشم خطومهما داخل جمجمتيهما.

لم تدرِ بما تفكر حيال البشر بعد، فحاولت إرجاء الحكم حتى ترى بلا ما يعترض نظرها، لكنها تمنت لو أن هذين الاثنين هما الوحيدان بهذه القبح. نُطقت المزيد من الكلمات من الجانبين، بيد أن أياً منهما لم يفهم الآخر ولم يُحرز أي تقدم في تحصيل إجابات لأسئلتها الكثيرة بحلول الوقت الذي اقترب فيه هار متصدراً القافلة.

موجهًا نظرة قاسية للصغيرة، "أخبرتك ألا تركضي مقدّمة."

هازّاً رأسه لها وبنبرة جعلت جلياً أنه يوبخها.

"أفزعتِ الاثنين مظنوناً أن مسخاً ينهش أعقابنا."

مدركة لصحة كلماته، ولتعذر طرح أسئلتها الكثيرة، وللسبب الأخير غالباً، نادمت تسرّعها المتقدّم وأطلقت سريعة "عذراً، الأكبر هار."

قبل أن يلتفت باهتمامه نحو الحراس ويشرع بمخاطبتهم بلغتهم. بعد تبادلات سريعة، استرخى الاثنان وبدآ بإعادة سلاحيهما لموضع أقل تهديداً. وظنّت أيضاً أنهما ربما ضحكا حين التفتا ناظريْن إليها، لكن تعذر جزم إن كان ذلك ضحكاً أم مجرد كلمات غريبة من لغتهما العصية على الفهم. بهدوء الصخب عند البوابات وتلاشي الكلمات المنطوقة لكلام مبهم، تركت انتباهها يشرّد من الشكلين المدججين إلى ما وراء البوابات.

كانت المنطقة القريبة في الداخل مكشوفة وخالية في الغالب، فرأت بضع قامات طويلة تسير على مسافة بعيدة بلا أحياء في الجوار. بنظرة عابرة، رأت كوري وجهتهم التي تجاوزت البوابات مباشرة. بعد البوابات مباشرة حظيرة مفتوحة تضم عدة ثيران أخرى ترتع مع مبنى بدا مخصصاً لرعايتها بجانب وآخر حجري صندوقي، أقصر بقليل من الجدران في الطرف الآخر. خارج البنية جلست نصف دستة عربات مطابقة لتلك التي رافقتها تحشد حول قطعة أرض مفتوحة ووراء ذلك، ركامات تلو ركامات من الكتل الحجرية، مجمّعة بانتظام وتنتظر استلام مشتريه.

تجاوزت الحظيرة المفتوحة أمراً ألِفَتْه كوري أكثر، نفقاً ينحدر صعوداً من الأرض ورأت عدة كبولت تصعد من الأسفل. لم تدرِ لِم أثار ذلك دهشتها، فبالتأكيد ترغب كبولت البلدة بالوجود تحت الأرض، لكنه فعل. خاب أملها حين تلاشت أفكارها بقضاء الليل في مباني السطح ومعاينة معيشة البشر بالسرعة ذاتها. رأت كوري سبب قلة البشر بالقرب حين تفقدت الطريق بعيداً، ووجدت بوابة أخرى، مكونة هذه المرة من شرائح خشبية ذات فجوات كبيرة تنتصب مفتوحة وبلا حراسة، لكنها ميزت فاصلاً واضحاً بين مساحة الكبولت وبين باقي البلدة.

أحاطت المنطقة بأسرها بجدار خشبي واهٍ، أقل شبهة بالدفاع وأكثر دلالة على تخوم أراضيهم. واصل هار نقاشه مع الحراس بينما تدحرجت العربات متجاوزة ومفسحة الطريق نحو المبنى، لعلها لتُفرّغ وتلحق بالبقيّة. ظنّت أن الخام الذي حملته موجه غالباً للمبنى، فلم ترَ صناديق متروكة خارجه بعد كل شيء، وتأكدت تماماً من عدم نفعها بشيء، وربما العكس إن حاولت المساعدة، فمكثت جوار هار مستمعة لأصوات حوارهم الخشن.

بحلول عبور آخر عربة واصطفافها خارج البنية، كان المقاتلون الذين رافقوهم قد اختفوا في النفق المنحدر. ترك هار الحراس البشر لعملهم وهم يدفعون البوابة إغلاقاً ويهبطون عارضة خشبية كبيرة بمكانها من أعلى عبر سلاسل وبكرات. جامعاً شظايا مفرط حماستها، قادها نحو بقية مجموعتهم.

"أهلاً بك في واتزاكت، متدربة."

هتف هار، مشيراً لشوارع غبراء وعربات مزدحمة.

هبطت نبرته نحو توبيخه السابق حين استطرد: "لا يمكن تكرار ركضك المجنون هذا، فما من خطوط منقوشة على الجدران للاتباع هنا. يسهل جداً التشتت في كل هذه المساحة وقلة قليلة ستعي ما تقولين إن احتجت للمساعدة."

متوقفاً للحظة لتستقر كلماته قبل أن يبتغي موافقتها.

"مفهوم؟"

محاولةً التبادي معاقبة، وأحسته جزئياً فحسب، خنست كوري رأسها وهمهمت سريعة "نعم، الأكبر."

"جيد."

أومأ هار، عائدًا لطبعه المعتاد الأقل جدية.

"حسناً، فلنترك البقية لعملهم، وميزات زعامة وما شاكل،"

ابتسم، "وأريك مقامك طوال مكوثنا."

مبتدئاً بالتوجه صوب الفتحة التي تاه فيها المقاتلون. لم تثير المبيتات إعجاب كوري، فقاد النفق نزولاً لاثني عشر متراً قبل بلوغ قاعة مركزية، حيث انكبّ عدة محاربين، أكثر ممن رافقوا فوجهم، والشامان ألن على نقر برميل واحتفلوا بوصولهم. خلف القاعة غرف عديدة، بعضها مخازن لسلع لا تُباع أو تُشترى، وغرفة اجتماعات صُمّمت بشبه لا يطابق سعة غرفة الأكبر، وجحر لمكوث الماكثين. كانت الأجحر بسيطة، أصغر بقليل من جحر كوري إبان تدريبها مع أورتيك وأفضل بالطبع من منام الصغار في حجرات التفريخ، لكنها ظلت باهتة بلا تميز.

باكتمال الجولة الخاطفة وتوجيه كوري لمقر مبيتها لمدى بقائهم، ترقّبت فرصة الخروج ومُعاينة بعض أجزاء البلدة حقاً.

حماسها الطافح وغير المحبوس، سألت هار بنشاط لدى عودتهما للقاعة، حيث بدا الشرب محتدماً أكثر: "أيمكننا استكشاف البلدة الآن؟ أو زيارة بائع الجرع لأرى الجرع؟ أم العشابين ربما؟"

إبان ذكرها العشابين، هبطت يدها لحقيبتها المُتدلية على كتفها وتشبثت بكتابها، وأفكار الإضافة منه لمعرفتهم تتسابق برأسها لتتوقف فجأة لتدفق أسئلتها.

قبل أن تشرع بسؤال آخر، رفع هار يديه وقاطعها: "مهلاً، مهلاً. أمراً فواحداً، كوري."

قال، متعباً بوضوح من الطلبات السريعة المتلاحقة.

"عليّ تفقد أي رسائل من شركائي التجاريين أولاً، ثم مسألة تفقد مخزوننا هنا ضد قائمة متطلباتك، فقد جعلت بولست يتفقدها وأضاف بضع أشياء أيضاً، ولا زلنا بحاجة لتوفير مهارة [اللسانيات الأساسية] قبل أن تجعلي من نفسك أضحوكة... مجدداً."

حتى خبرته الطويلة بإخفاء مشاعره أثناء التفاوض أخفقت باحتواء ضحكته لدى رؤية وجه كوري العابس إثر الرفض.