قليلٌ من المَرهم كفيلٌ بإضاءةِ أمسيةِ سِنْق، مع أنَّ مزاجَها لم يَصفُ تمـاماً بقيّةَ الليلة. يكفي القولُ إنَّ لعبةَ البحثِ عن جُزيءِ المانا لم تكن واردةً تلك الليلة، وهي عبارةٌ لم تحملْ أيَّ معنىً خفيٍّ بأيِّ شكلٍ من الأشكال. كان لدى كوري ما يشغلُ بملكا بعد غروبِ الشمسِ حتَّى إنَّها بالكاد لاحظت غيابَ الدروسِ الموعودة؛ فالنجومُ المتلألئةُ في الأعلى جذبت كلَّ انتباهِها الذي كان سيذهبُ إلى مكانٍ آخر.
تألَّقت في السماءِ فوقَها آلافُ نقاطِ الضوء، تختلفُ كلُّ واحدةٍ عن جاراتِها في درجاتِ الألوانِ والأحجامِ والسطوعِ والنبرة. تنوَّعت الأشياءُ بما يكفي ليَبدو أنَّ لكلِّ نجمةٍ مزيجاً فريداً من الخصائصِ الخاصةِ بها وحدها. إن لم تكن النجومُ وحدها كفيلةً بأسرِ قلبِ الكوبولد الشابة، لكان ذلك الذي حجبها عن السماءِ قد فعل. كانت تعلمُ من دروسِها أنَّ هناك قمراً يهيمُ في السماء، يُرى أحياناً في النهار، ويكادُ يُرى طوالَ الليل.
ومثلَ أغلبِ الأمورِ في رحلتِها حتى الآن، كانت رؤيتُه بعينيها تجربةً مختلفةً تماماً عن مجردِ سماعِ حكاياتِ العجائزِ عنه. انزلق القمر ببطءٍ عبر مساحةِ السماء، بقعةً من السوادِ اللامعِ المتصدّعِ والمثقوب. وحدَهُ سطحُه الأكثرُ إشراقاً مقارنةً بالعمقِ الذي يعبرُه، هو ما ميَّز هذا الجرمَ السماويَّ عن خلفيتِه وهو يتلوى في الأعالي. بين الحين والآخر تنجرفُ سحابةٌ أمامه لتضيءَ لفترةٍ قصيرةٍ أثناءَ مرورِها.
أشبه بكتلةٍ صلبةٍ من الكريستالِ المعتمِ تطفو في السماء، وتلقي بضوتِها على العالم. بينما كانت كوري تُحدّق في الأعالي، أنهى البقيةُ تجهيزاتِ النوم؛ ففردوا حصائرَ الجلدِ الملفوفةِ تحت العرباتِ وثبّتوا مجموعةً أخرى من الستائرِ حولَ الخارج. كان من المعقولِ أن يناموا تحت غطاءِ العربات؛ فهم الأكثرُ اعتياداً على النومِ في جحورِهم الصغرى وتحتَ محيطٍ من الحجارةِ الصلبة. بل كانت هناك صناديقُ بحجمٍ مثاليٍّ تُوضع تحتَ كلِّ ركنٍ إن انكسر مِحورُ العجلاتِ أو حدثَ أيُّ طارئٍ كيلا ينضغطوا.
تناوب المحاربون والسحرةُ على حراسةِ المعسكر طوالَ الليلِ لضمانِ عدمِ وجودِ أيِّ شيءٍ فاتهم في جولَتِهم السابقةِ قد يُمثل خطراً. وفي ما عدا بعضِ الحيواناتِ القمّاشةِ التي كانت تتشمَّم مكانَ ذبحِ الخنزير، ظلَّ الليلُ هادئاً بلا حوادث. حتى من دونِ توجيهاتِ سِنقَ تلك الليلة، تعلَّمت كوري درساً لا يُقدّر بثمن. كان هار يَشخير بصوتٍ عالٍ. تساءلت في البدايةِ عن سببِ تفرّقِ أغلبِهم تحت العربتين الأخيرتين واقتصارِ الأمرِ على هار وبينها تحت العربةِ الثالثة، ولكنْ ما إن عرفت السببَ حتى قررت الانضمامَ إليهما في الليلاتِ الباقية.
شعرتْ أيضاً بشيءٍ من الخيانةِ لعدمِ تحذيرِها مسبقاً. صعبَ على كوري أن تنامَ تلك الليلةَ لوجودِ الكثيرِ ممَّا يُسمع. صريرُ الحشرات، نعيقُ الطيورِ وهديلُها، تقرقرةُ الحيواناتِ الصغيرة، بل وعواءُ المفترساتِ الشرسة. ومع أنَّها استسلمت للنومِ أخيراً، فإنَّ الأصواتَ القادمةَ من خلفِ الستائر، أو تلك التي من الداخل، جعلت الأمرَ أصعبَ من المعتاد. حلَّ الصباحُ أخيراً، وعلى عكسِ الأيامِ الغالبةِ حين يوقظُها المراقبون معلنين وقتَ النهوض، كان هناك حضورٌ بصريٌّ لليومِ الجديدِ أكبر ممَّا اعتادتْه.
تدفقت خيوطُ الضوءِ من الفجواتِ والفتحاتِ في الغطاءِ المحيطِ بهم. وعندما خرجت من مخبئها تحت العربة، رأت منظراً يحبسُ الأنفاسَ يكاد يضارعُ رؤيتَها الأولى للسماءِ بالأمس. لم تكن الشمسُ قد اعتلت الأفقَ بعد، لكنَّها أنبأت بقدومِها القريبِ حين تفتحت السماءُ عن شروقٍ برتقاليٍّ وحمراويٍّ باهت. كان الإفطارُ تكراراً سريعاً لوجبةِ المساء السابق، ولم يكن لذيذاً بما يكفي وهو بارد، مع وعودٍ بما هو أفضلَ في المساء حين يتناولون الخنزيرَ المشويَّ.
كان لملمةُ الأشياءِ للرحيلِ مطابقةً لوصولِهم إلى موقعِ التخييمِ، لكن بالمقلوب. فُرِدت حصائرُ النوم، وعادت الصناديقُ إلى أمكنتِها بين الأحمال، ونالت الوحوشُ وجباتِها قبل ربطِها بالأحزمةِ وقبل فترةٍ قصيرةٍ انطلقوا. كانت رحلةُ النهارِ أسهلَ لكوري من سابقتِها؛ فقد اعتادت محيطَها المشرقَ والمفتوحَ وكانت الشمسُ ما تزال منخفضةً في السماءِ وغيرَ ساطعةٍ تماماً مثل الأمس.
كانت تنقلاتُهم قصيرةً وهادئة، والمحاربون يطلبون توقّفاً عارِضاً لاستقصاء بعضِ الآثارِ أو فحصِ شيءٍ بدا في غيرِ محلِّه، لكنَّه مرَّ بسرعةٍ إجمالاً. خمسُ ساعاتٍ لم تكن مدةً طويلةً للسفر، لكنَّها طويلةٌ بالقدرِ الذي جعل قدمَيْها تبدآن في التوجعِ والتشنّج. ونالت مكافأةً على جهودِ ذلك اليوم لُطفاً. <<تحسّنَ تقييمُ المهارة. زادت التحمُّل من 25 إلى 26>> أمرٌ لا يُستغرب بالنظرِ إلى تدني تحمُّلِها في الأساس.
توقّفوا في فُسحةٍ أخرى صادفوها عندما كانت الشمسُ في كبدِ السماءِ وتحديداً قربَ بلوغِ هار حدَّه، متعمدين ذلك بوضوح. وما إن توقفوا حتى بدأت العمليةُ ذاتُها لإقامةِ المعسكرِ من جديد. بدا كأنَّ وقتاً طويلاً من اليومِ يُصرف في حزمِ العرباتِ وفكِّها مثلما يُقضى على الطرقاتِ تماماً. وُضعت كوري للعملِ من جديد، ترعى وحوشَ الحملِ المتذمرةَ بينما يتولى الجميعُ التجهيزَ حولَها.
هبَّ نكْتُ سريعاً لإعدادِ الخنزيرِ الذي أُحضر في الليلةِ السابقة، وأعانه المحاربون في مناورةِ جسده الضخمِ لأجله. وُخزت رفوفٌ كبيرةٌ من اللحمِ والعظامِ التي تزنُ مثلَ كوري بسيخٍ معدنيٍّ طويلٍ وعُلّقت فوق النارِ لتُشوى، وفرشوا أجزاءً أخرى على رفوفٍ وغطوها بجلودٍ سميكةٍ بينما كان الدخانُ يُوجَّه من نارٍ أخرى، وحُفِظ المزيدُ في برميلٍ مغطىً بالملح. دهشَت كوري من كميةِ الطعامِ التي يمكن جنيُها من وحشٍ واحد.
أعادت أفكارُها بشأنِ الوحشِ الذي ستشارك في أكلِه ذهنَها إلى السؤالِ الذي ظلَّ بلا جوابٍ إثر إصابةِ سِنقَ في الليلةِ السابقة، لماذا تكون بعضُ الأشياءِ وحوشاً وأخرى بهائم. وحرصت ألا يُتغاضى عن سؤالِها هذه الليلةَ أيضاً. كان عملُ كوري مع الثيرانِ شاردَ الذهن، وربما لم يكن بأفضلِ حالٍ حتَّى بالنسبةِ إليها. لكن نظراً للروائحِ الفواحةِ من لحمِ الخنزيرِ الاذع، شكّت في أن يلومَها أحدٌ على عدمِ تركيزِها.
عدا الثيرانِ التي عملت معها على الأقل، فقد لا ترضى عن جهدِها. ولكنْ للإنصافِ لم تعتقدْ أبداً أنَّها راضيةٌ عن أيِّ شيءٍ في الأساس، لذا استبعدَت قدرَتَها على إرضائها بغضِ النظرِ عن الأمر. كان تناولُ وجبةِ منتصفِ النهارِ أمراً غيرَ معتاد، لكنَّ كوري لم تنوِ التذمّرَ أبداً. لاسيما حولَ شيءٍ بهذا القدرِ من اللذة. كان اللحمُ طرياً ومليئاً بالعصارةِ التي جرت على ذقنِها حين قضمتْه ولم تحتاج لأيِّ تشجيعٍ للعودةِ لتناولِ حصةٍ ثانيةٍ بل وثالثة.
غيرَ أنَّ ألن حطّم الرقم القياسيَّ بستةِ أطباقٍ مكومةٍ بلحمِ الخنزيرِ الشهي. أدركت كوري وجوبَ استمتاعِها بأكبرِ قدرٍ ممكنٍ طالما أمكنَ ذلك، فقبل مرورِ وقتٍ طويلٍ ستعودُ لتستقرَّ مع بقيةِ العشيرةِ وتعودَ للوجباتِ الباهتةِ التي اعتادتْها. فما بين المهرجانِ والآن ورحلتِها نحو السطح، لن تنظرَ إلى سمكةٍ مسلوقةٍ بالحماسِ نفسِه أبداً بعدَ اليوم. مضت سِنق، وقد أُصلح رداؤها ونُظّف جزئياً في لحظة ما، ومعها البقيةُ في فترةِ ظهيرتِهم تماماً كما في الليلةِ السابقة، مغادرين في جماعةٍ لمسحِ المحيطِ واستصراخِ أيِّ تهديدٍ محتمل.
وبينما غابوا، واصل هار دروسَه للييلةِ السابقةِ طوالَ فترةِ الظهيرة، عن مناقشاتِ العُملةِ وبضائعِ التجارة، وما قد تُكلفه وجبةٌ مثلَ التي أكلُوها للتو في خوزاكت وسببَ اختلافِ السعرِ عبر بضعةِ شوارع. تجاوزت تفاصيلُ التبادلِ النقديِّ استيعابَ كوري في الغالب، فسببُ كونِ قطعةِ ذهبٍ واحدةٍ تساوي أكثرَ من ذبيحةِ الخنزيرِ برمتها، والتي قد تكفي مجموعتَهما لأيام، كان أمراً محيراً لها.
فليست القطعةُ ممَّا يُؤكل لترويَ جوعَك بالنهاية. عاش هار معاناتَه لنقلِ مفاهيمِ القيمةِ الضمنيةِ وأشياءٍ مثلَ العرضِ والطلب. وحاولَ شرحَ أنَّه لوجودِ طلبٍ عالٍ من مملكةِ البشر، يمكنهم بيعُ المزيدِ من الحجرِ أو بيعُ الكميةِ نفسِها بسعرٍ أعلى لهم.
ولم يكن ذلك معقولاً البتةَ لدى كوري، بل عانت في استيعابِ المعنى أكثرَ من حدودِ «لديكم حجرٌ، يريدون حجراً، بادلتم الحجرَ بسعرٍ سابق، تبادلون الحجرَ بالسعرِ ذاتِه».
أمَّا فكرةُ مطالبتِهم بأتعابٍ إضافيةٍ لأنهم يبنون سوراً جديداً حولَ مدينةٍ ما في الشمال، ممَّا جعل المحاجرَ الأخرى مشغولةً عن إرسالِه إلى هذا الحدِّ الجنوبي، فبدت لها مجردَ لئامة.
ذهبت محاولاتُ هار لتنويرِها بمفاهيمِ الرأسماليةِ أدراجَ الرياحِ على مدارِ الساعاتِ التالية، ففكرةُ التفاوضِ و«المساومةِ»
على بضعةِ قروشٍ بدت لها تجسيداً للملل. ومع إشرافِ هار على تدرّبها الآن، أوضحت جلياً في ذلك الظهيرِ خلوَّ نيّتِها من اتباعِ مسارِ التجارةِ والربح. شأنُها شأنُ أغلبِ الكوبولد، فهي وسيلةٌ لدعمِ العشيرةِ لا شغفٌ يُسعى وراءه. عادت الاستكشافيةُ المصغرةُ باكراً بما يكفي، متزامنةً مع وقتِ تناولِها العشاءَ مع أشقائِها عادةً لو كانت في حجرةِ التفريخ. ولم تعتقدْ تزامنَ الموعدِ مصادفةً.
لم تظهرْ إصاباتٌ خطيرةٌ أو تشوهاتٌ بعدَ هذا الصيد، مع وجودِ خدوشٍ وكدماتٍ لا تخفى على الناظرين. وأسوأُ ما رصدتْه كان مجموعةً من الحراشفِ المتشعبةِ على ساقِ ألن، فما ضربه لا بدَّ وأنَّه آلمَه، إما بالقدرِ الذي كفى شفاءُه ليصلَ لهذه المرحلةِ فقط، أو لأنَّه لم يستدعي صرفَ المانا أثناءَ تواجدهم في الخارج. وكما فعلت في الليلةِ السابقة، رفعت كوري وعاءَ مرهمِها بابتسامةٍ وعرضته على الكاهنِ فرفضه، لكنَّها أبقت عرضَها.
كان العشاءُ المزيدَ من لحمِ الخنزير، ملفوفاً بخبزٍ مسطحٍ طهيناه جوارَ النارِ وحُشِي بقليلٍ من الطحلبِ الأرضيِّ ليمنحَهم تنوعاً. وحتَّى لو كان الطحلبَ المعتاد، فقد بدا أطيبَ مما عهدته حين امتصَّ قطراتِ اللحم. ربما عليَّ صنعُ أشياءَ ليبيعَها هار لأجلِ شراءِ طعامٍ جيدٍ لي من الآن فصاعداً… قلَّ الثرثرةُ عدا أصواتِ التقديرِ وهتافاتِ الابتهاجِ بينما تناولَ الفريقُ وجبتَهم، باستثناءِ بعضِ المداعباتِ الخفيفةِ لسِنقَ بأنَّ الوجبةَ تستحقُّ معاناتِها.
وعند فراغِهم من الأكلِ ظنَّت كوري أنهم التهموا ربعَ الخنزيرِ بالفعل. وهو إنجازٌ حقاً لأقلِ من اثني عشرَ كوبولداً. بعد التهامِ الوجبة، ظلت ساعاتٌ عديدةٌ قبل غروبِ الشمسِ وحين يحينُ أوانُ الانكماشِ تحتَ إحدى العرباتِ لليل. وبالتأكيدِ ليس تحت عربةِ هار هذه المرة. اقتربت كوري من الساحرةِ آملةً في جاهزيتِها للنقاشِ الفائتِ ومع بعضِ وقتِ التدريبِ المرتجى.
«الساحرةُ سِنق، تساءلتُ إن أمكننا التحدثُ قليلاً؟»
سألتْ محاولةً إبداءَ اللطفِ عوضاً عن التذمرِ لفواتِ الليلةِ الفائتة.
«لم تكوني بصحةٍ جيدةٍ البارحة، لذا لم أرغبْ في إزعاجِك».
«أوه، بالطبع يا كوري»
ردت سِنق بابتسامةٍ مشرقةٍ وبقايا دهنٍ يلمع على حراشفِ ذقنِها من العشاء.
«آسفةٌ لأجلِ البارحةِ. فحتى مع الشفاء، تأخذُ إصابةٌ كهذه الكثيرَ من طاقتِك».
لم تعهدْ كوري أسوأَ من بعضِ الكدماتِ أو خدوشٍ طفيفة، جلُّها بسببِ أشقائها عبر السنين، لذا لم تكن تملك مرجعاً للموضوع. ولم تتخيلْ مخلوقاً يغرسُ نابَه الحادَّ بجسدِها حرفياً، فما بالك بالتعلقِ بذلك النابِ بينما يندفع عبر الشجيراتِ ويحاولُ دهسَ حلفائها.
بعد بلعةٍ بدت وكأنَّها ابتلعت أحدَ الحوافرِ عند تخيلِ الموقفِ الذي وجدت سِنق نفسَها فيه، أجابتْها: «أنا سعيدةٌ لأنَّك بخيرٍ فحسب».
«شكراً لك. والآن، ألم أعدكِ بشرحِ الفرقِ بين البهائمِ والوحوش؟»
فكرت للحظةٍ قبل أن تضيف: «وأرادَ إيلست أن أساعدَكِ في [إدراك المانا] أليس كذلك؟»
أومأت كوري للسؤالين، متوقعةً المعرفةَ أكثرَ من التدريب، رغم أنَّ الأمرَ بدا ممتعاً أيضاً.
«نعم! يبدو غريباً تسميةُ بعضِ الأشياءِ هكذا وأخرى بخلافِ ذلك».
مضحكةً نظرتها البسيطة، شرعت سِنق في الشرح.
«إنَّه لموضوعٌ رائع. متأكدةٌ من وجودِ الكثيرِ ممَّا تجهلُه، لكنَّني أرجو أن يتدبّر هار بعضَ الكتبِ الأخرى لي».
تحولت نبرتُها أثناءَ حديثِها لتبدوَ ككوري حين تطرحُ سيلاً من الأسئلةِ بخلافِ ما سمعته من أحدٍ قط.
«الفرقُ الأساسيُّ هو المنشأ. البهائمُ مثلنا، تحيا، وتتوالد، وتموت، وتكررُ ذلك. أجيالٌ من الخنازيرِ سبقت تلك التي أكلناها للتو، وبالنظرِ لحجمِها، فستأتي بعدها سلالةٌ غالباً»
مستخدمةً المثالَ الواضحَ لبهيمةٍ تعلمُ كوري بمعرفتِها بها.
«أما الوحوشُ فتبرز مباشرةً من المانا حولَها. ومع أنَّ بهيمةً قد تتحولُ أحياناً لوحشٍ إن توافقتِ الظروف، لكنَّنا سنؤجلُ ذلك لحينِ إتقانِك للأساسياتِ»
كادت تحيدُ بطريقةٍ ألفتها كوري بنفسِها.
«وهناك شتى أنواعِ الوحوش، كتلك الشبيهةِ بالبهائمِ مثلِ سحالي المهالكِ إلى أخرى مستحيلةٍ على المخلوقاتِ العاديةِ كالعناصريةِ المكونةِ كلياً من لهبٍ أو حجر».
عرفت كلُّ صغارِ الكوبولد قصصَ سحالي المهالك، وهي كائناتٌ تبدو كبرمائياتٍ لطيفةٍ يحتفظُ بها بعضُ الكوبولد كحيواناتٍ أليفة، غيرَ أنَّها تُطلق رذاذاً ساماً وخطيراً من بثورِها النائحةِ على جلودِها مما يسببُ تحللاً سريعاً لكلِّ ما هو حي. واستُخدمت كقصصِ تحذيرٍ للصغارِ للحذرِ من المخلوقاتِ المجهولةِ في الأنفاق. وحتَّى تلك اللحظة، ظنت كوري أنَّها مجردُ حكاياتٍ مرعبةٍ تُلقى على الفقسِ لإبعادِهم عن التيه.
«انتظري… سحالي المهالكِ حقيقيةٌ؟»
سعلت كوري مذهولةً.
«بالتأكيدِ هي حقيقية»
سخرت سِنق.
«ماذا ظننتِ، أنَّنا أردنا إخافتَكم فقط؟»
سألتْ نافيةً وهي تهزُّ رأسَها.
«لا نراها كثيراً، تظهرُ بضعٌ منها كلَّ بضعِ سنين، لكنَّها آفةٌ مطلقةٌ للمزارعِ حين تطل. تأكلُ الطحلبَ المتعفنَ وأيَّ شيءٍ آخرَ تصلُ إليه أفواهُها الوسخة».
ارتجفتا معاً حين فكرت إحداهما بالكائناتِ المقرفة وتعلّمت الأخرى حقيقةَ وجودِها.
«من أين تأتي الوحوشُ إذن، لا يمكنُ أن تظهر هكذا من الفراغ، أليس كذلك؟»
تمنت ألا يكون الأمرُ كذلك، رغم استبعادِها للأمرِ لعدمِ سماعِها بظهورِ وحشٍ وسطَ العشيرةِ يوماً.
«تُولد من تجمعاتِ السحرِ إما تلك التي تحدثُ طبيعياً في الأماكنِ المهجورة، أو الدائمةِ بطبيعتِها»
قالت محاولةً طمأنةَ كوري بقلةِ احتمالِ ظهورِها وسطَ كهفٍ مزدحم.
«وأغلبُ هذه التجمعاتِ الدائمةِ ليست طبيعيةَ المنشأ، كالأطلالِ أو الأماكنِ المهجورةِ حيث مُورس الكثيرُ من السحرِ فغيّر تدفقَ المانا في العالم».
تحمست نبرةُ سِنق أثناءَ الحديثِ وتسارعت كلماتُها.
«جرت دراساتٌ عديدةٌ حولَ حدوثِها وما نستطيعُ فعلَه لمنعِ تكوّنِ التجمع. ويبدو في النهايةِ مهما حاولتِ الحضارة، فما إن تغادرَ مكاناً حتى يتكونَ واحدٌ عاجلاً أم آجلاً».
راودت فكرةٌ كوري أثناءَ استماعِها لشرحِ تكونِ التجمعات.
«ماذا عن المحجرِ القديمِ حيث يبنون مساحةَ عملي الجديدة؟ وُجدت مجموعةٌ من الهلامياتِ هناك، أهي وحوشٌ؟»
هزّت سِنق رأسَها نافيةً الاقتراحَ، «لا، الهلامياتُ كائناتٌ طبيعيةٌ وإن كانت غريبةً. تتكاثرُ بأكلِ الكثيرِ والانقسامِ عن بعضِها».
«وليس الهلامُ المائيُّ حتى؟»
«الهلامُ المائيُّ؟ آممم… قد تكونُ تلك وحوشاً بالفعل…»
أجابت سِنق، ولم يُسهم ترددُها في تهدئةِ قلقِ كوري حيالَ الوحوشِ المحتملِ عملُها قربَها.