كانت الأيام التالية حافلة بالحركة لفريق، وغاية في الرتابة لفريق آخر. لم يكن الحظ حليف كوري، فوقعت أيّامها في القسم الثاني. تجمع المحاربون والسحرة والعاملون في المناجم والشيوخ وبعض أفراد الحلقة لإعداد مساحة عمل جديدة للشابة الطموحة. تعثرت جهودهم سريعاً بتأخير متوقع، فقد وجدوا أن مستعمرة الهلاميات قد ازدهرت خلال سنوات عزلتهم. اقتاتت الكائنات على كل ما صادفته في ذلك المكان المهجور من نباتات وحشرات وقوارض، ليجد الجميع أنفسهم على قائمة الطعام.
في غرفة التخزين وحدها المكلّفون بتأمينها، ازدهرت عشرات النسخ من هذه الآفات الهلامية. على عكس الهلاميات الأليفة وغير الضارة التي يربيها العشيرة لأجل التنظيف والتخلص من النفايات، نمت الهلاميات المتوحشة وتطورت خارج أصولها البسيطة لتصبح تهديدات حقيقية. وجد المحاربون فيها خصوماً مزعجين للغاية. يرجع هذا إلى قدرتها على إعادة امتصاص كتلتها إن قُطعت عن أجسادها ومقاومتها لمعظم أشكال الضرر المادي.
غير أنها مثلت أيضاً فرص تدريب ممتازة لنفس تلك السمات. ما دامت لم تخترق النواة التي تجمع أجزاء الهلام، استطاعوا التدرب مع كتل المادة اللزجة للمدة التي أرادوا. بشرط أن يحذروا الإصابة بالهلاميات عالية الحموضة، أو تناثر الكتلة المنفصلة من هجماتهم على أنفسهم. كان السحرة أفضل تجهيزاً بكثير للتعامل مع الهلاميات، فحتى أبسط مقذوف مانا غير محدد العناصر قادر على إبادة الأحشاء الداخلية للمخلوق إن وُجه بدقة، لكنهم تركوا المحاربين يستمتعون بوقتهم في الغالب.
على الأقل حتى عثروا على عينة نادرة إلى حد ما تقذفت صعوداً من الأعماق المائية للحفرة. أبغضت معظم الهلاميات الانغمار في الماء، فالتذوب أحد نقاط ضعفها الكثيرة، بيد أن سلالة نادرة وخطيرة اتخذت الأعماق مسكناً، وهي الهلاميات المائية. بدَت أشكالها أقل لزوجة بكثير من أبناء عمومتها الأبسط، وبدت أشبه ببركة تمتد زحفاً عبر الأرض، وافتقرت لقوتها الحمضية. عوضت هذه النقائص بحجم هائل، إذ قِيس حجمها بالأمتار المكعبة، وبأساليب صيدها القاسية.
بدلاً من محاولة إذابة فرائسها، كانت تبتلعها بالكامل وتخنقها داخل حدود أجسادها. كانت هذه الهلاميات عادةً مفترسات كمين، تصطاد إما في الماء حيث تكاد تكون غير مرئية أو تتنكر في هيئة بركات وتنتظر فرائسها غير المتوقعة لتتعثر وسطها بغية الشرب. مرّ وجودها دون ملاحظة تذكر في الكهف الرطب، حتى وطئت إحداهن بالخطأ إحدى الهلاميات. لحسن الحظ وبفضل وفرة الآخرين في المنطقة، تحررت سريعاً من عناق خصمها المائي.
امتازت الهلاميات المائية بنقطة ضعف صارخة واحدة قضت تماماً على تهديدها ما إن عُرف مكانها، فقد كانت سحريّة. استطاع أي ساحر يولي محيطه اهتماماً ضئيلاً رصد المانا الموجودة داخل البركات المزعومة. كان العثور على نواتها أكثر صعوبة، لذا لم يكلفوا أنفسهم عناء ذلك. بدلاً من ذلك، استطاع ساحر نيران لائق القضاء عليها بسرعة فائقة عبر غمر أجسادها بالكامل بالحرارة. لم يكلف المقاتلون المجتمعون أنفسهم عناء تطهير المحجر القديم بالكامل، فاكتفوا بتطهير غرفة التخزين الكبيرة قيد التجديد والمنطقة الواقعة بين المدخل الرئيسي والغرفة في الوقت الحالي.
لكن حتى ذلك وحده أثمر يوماً مثمراً للمجتمعين. تفاجأ المحاربون والسحرة وحتى الشمانيون الحاضرون بمدى وفرتها وسروا للغاية بالخبرة المكتسبة من إبادة الهلاميات. بدأ بلونك في التخطيط لعزل المنطقة لتصبح أرض تدريب جديدة، آملًا أن تستمر الهلاميات في التكاثر بالسرعة الكافية لتسمح حملات التمشيط الدورية بتغذية نمو مقاتليهم. ما إن أُبيدت الهلاميات من منطقة العمل، حتى بدأ البناء بجدية.
رفع السحرة الجدران وعزلوها لإغلاق مساحة العمل الجديدة، وقطع عمال المناجم أمتاراً من الصخر الصلب لخلق مسار مباشر، بل واستدعى الشمانيون أرواح الأرض لغرس حماية الصخر فيه ودرء التسلل. وفي الأثناء نفسها، وقف المحاربون حراساً ليحموا الآخرين من الجميع بلا استثناء. تكاتف جميع الكوبولد المجتمعين لتحقيق ذروة عملهم متجاوزين ما كان لأي مجموعة إنجازه وحدها. هكذا كانت طريق عشيرة إيمبرسكال، أن يتكاتفوا ويعينوا أحدهم.
استغرق إتمام العمل عدة أيام، واستهلك السحرة الجزء الأكبر من الوقت المطلوب لرفع الجدران الحجرية، وأضافت الأسقف المرتفعة التي بلغ ارتفاعها ثلاثة أمتار تقريباً عبئاً إضافياً على العمل. ما إن أُقيمت الجدران المحيطة وقطع الممر من النفق الرئيسي حتى مضى العمل برتم أبطأ بكثير، إذ حُيد تهديد الهلاميات بالصخر المدعّم. لم تكن النتيجة النهائية مما يُبهر الناظر بعد، فقد احتلت أربع غرف حجرية بسيطة لكنها واسعة المساحة المحتفرة حديثاً، وكانت كل غرفة مربعة وضلعها خمسة أمتار تقريباً.
وفرت غرفة الزاوية التي يتصل بها المدخل إمكانية الوصول إلى الغرفتين المجاورتين عبر أبواب حجرية سميكة. وُجدت حتى مساحة للنوم مُسوّرة قرب المدخل الرئيسي تحسُّباً لانشغالها بعملها. خُصصت الغرف المجاورة للتخزين، واحدة للمعدات والمواد الخام، والأخرى للمنتجات، وفتح في كلتيهما باب حجرى ثانٍ يقود إلى مساحة عمل كوري الجديدة. خفّفت من حماسة كوري لإنجاز المساحة الجديدة حقيقة أن الغرف ظلت قاحلة وخاوية، تنتظر محتواها المنتظر.
اتسم وقتها أثناء إنجاز العمل بالملل، فلم يُسمح لها بالاقتراب من المساحة قط إلى أن تُستأصل التهديدات ولم تكن بحاجة للتواجد هناك بينما أكمل السحرة عملهم وفق مخططات الشيخ تولي. حاولت تخيل مختلف الأجهزة والأدوات التي ستملأ المكان، وكيف ترغب في ترتيب غرفة العمل ومساحات التخزين، وما تود العمل عليه أولاً. لكن في النهاية، اقتصر وقتها على مساعدة لوسق لا أكثر ومحاولة شرح منهجيات تدريبه ليْلست.
وكما وعد الشيخ، أبدت اهتماماً بالغاً بتقدم صانع الجعة اليافع. أثار سحرها طرافة تدريب صانع جعة للمساس بالمانا. راودتها أفكار كثيرة حول كيفية المضي قدماً نحو [التحكم بالمانا] ونحو [تشريب الخليط] إن أمكن، وتطلبت الأمر كل إرادتها لتقاوم التدخل وتتولى الزمام بنفسها. كانت قد وعدت كوري بإمكانية المضي وفق ما نوت، لكن عدم الكفاءة أغاظها.
سألت يلست وقد عرضت العرض ذاته عدة مرات لأسباب مختلفة عديدة: "يا كوري، أمتأكدة أن عليه عدم محاولة تعلم التأمل؟ أعلم أنك عانيتِ مع هذه المهارة لكن بوسعي إحضار متدرب متقدم ليعطيه بضع دروس".
أجابت كوري تماماً كما فعلت في المرة الأخيرة التي سُئلت فيها: "لست متأكدة، لا".
وتمتمت كوري بصوت خفيض: "على الأرجح سيتعلمها فوراً".
وأردفت مبررة: "أعلم أنها ليست ضرورية للتشريب، لكنني لا أعلم إن كانت ستشكل ضرراً أم لا"، مدركة أنها كانت حجة جزئية على الأقل لتجنب رؤية أخيها يكسب المهارة التي أرهقتها.
"ربما بعد حصوله على التشريب لكي لا يفسد العملية؟"
أصدرت يلست أصوات تأمل وهي تفكر في الاقتراحات، وتمنّت كوري لو أنها لم ترها تكشح أسنانها عند مقترحها.
ختمت يلست حديثها جانباً وهي واضحة المعاناة في الماضي لفعل ذلك ذاته: "هذا... مقبول. إن تمكن من استخدام المانا فسيكون من الأفضل أن يحاول اكتساب المهارة على الأقل. إنها مفيدة لاستعادة المانا المستنفدة وتعد إحدى أفضل الطرق للتعامل مع نضوب خزانك".
وانكمش الكوبولدان معاً عند تفكيرهما في الآثار الجانبية المزعجة لاستخدام المانا.
"إن استطعت حقاً الانغماس في التأمل في تلك الحالة..."
"أمّا عن التشريب نفسه. فقد شرحتِ كيف امتلكتِ المهارة بوصفها «استشعار غياب المانا» داخل شيء كنتِ تصنعينه".
اقتبست يلست شرح كوري السابق.
"أشعرتِ بهذا النقص بعد، يا لوسق؟"
هزّ لوسق رأسه بضعف وبدا مرعوباً بوضوح من شيخة السحرة قبل أن يجيبها قائلاً: "ليس بعد، أيّتها الشيخ. حاولت استشعارها وأنا أصنع الجعة لكن الحالف لم يحالفني بعد".
تدخلت كوري في تلك اللحظة شارحة لتؤكد أن الجعة كانت هدفاً قابلاً للتطبيق: "شعرت بها في مناسبة واحدة، مرة واحدة فقط في كل عملي مع الشيخ ألدر، عند مزج بعض العسل والتوت بعد أن ثبتنا الدفعة لمنعها من التخمّر أكثر".
واستطردت: "أظن أن التوت كان قادماً من السطح... العرعر إن كنت أذكر جيداً؟"
أجاب لوسق موضحاً لِم قد لا تكون سنحت له الفرصة لوضع المهارة موضع التنفيذ بعد: "أنا لا أعمل بتلك، صانع الجعة يستخدمها فقط في دفعاته الصغيرة التي يصنعها بنفسه".
تابعت يلست همهمتها التأملية بينما فكرت في الوضع قائلة: "أهناك أي فرصة لتجربتها مع المِرهَم؟"
هزّت كوري رأسها رافضة الاقتراح: "لقد حاول مساعدتي، وأظن أن عليّ تعليمه علم الأعشاب أولاً..."
ردت يلست رافعة يدها لتقطع رفض اليافع للرغبة في أن يصبح أي شيء سوى صانع جعة: "قد لا تكون تلك فكرة سيئة. لن تحيد عن طريقك، فالعديد من الطهاة وصناعي الجعة يكتسبون المهارة في النهاية على أي حال لمساعدتهم في إضافة البهارات والنكهات لأعمالهم".
هزت كوري كتفيها: "تستحق التجربة".
عرضت يلست - متوقعة على الأرجح أن يكون المعلم الخارجي أكثر كفاءة في المهمة - قائلة: "بوسعي معرفة ما إذا كان أحد متدربي الحلقة راغباً في تعليمه بدلاً من ذلك، ريثما تعملين مع هار لتجهيز مساحتك".
ممزقاً بين رغبته في التعلم من شقيقته ورهبته من الشيخ، ظل لوسق صامتاً بشأن الموضوع. لم يستوعب قط كيف لأخته الأصغر أن تتحدث إلى تلك المرأة، أو إلى أي من الشيوخ الآخرين للأمر سيّان، كأنه لا توجد عقبة بينهم. لقد رآها تتصرف بوقاحة بالغة مع الزعيم حتى، والشيء الوحيد الذي منعه حينها من إطباق خطمها كان خوفه الشخصي من تجاوز الحدود أمام مستدعي الأرواح. لمحت كوري نظرة الاستجداء في عيني أخيها عند اقتراح معلم من الحلقة، فلم ترغب في تعريضه لأجواء التكبر والغرلوة التي اختبرتها منهم.
ولوحت بيدها رافضة الاقتراح مع ردها: "إن وصل الأمر لهذا الحد فسأرى إن كان الشيخ ألدر سيعيره لي قليلاً وسأُعلمه هنا. أو حتى إن كان الشيخ سيأتي إلى هنا ليصنع بضع دفعات ضئيلة من جعة العرعر الخاصة به برفقة لوسق".
إذ رأت أن اقتراحها قوبل بآذان صماء مرة أخرى، تنهدت يلست واستسلمت قائلة: "حسناً إذن. أظن إذن أن ما تبقى هو محاولة رفع مهارة الاستشعار الخاصة به على أمل أن يساعده ذلك في اكتشاف فراغ المانا المطلوب".
أشرقت عيناك كوري عند الاقتراح وقد ذبلت مهارتها الخاصة، على الأقل مقارنة ببقية نموها.
"كيف تقترحين أن نفعل ذلك؟ ما زلت أحتاج لبعض المستويات في مهارتي الخاصة".
قهقهت يلست مسرورة بقبول طعمها لتتمكن من تقديم بعض العون للثنائي قائلة: "بما أننا لم نمنحك مهارة التحكم قط، فقد فاتك أحد أكثر جوانب تدريب السحرة إمتاعاً. آمل إذن أن تنضمي إلينا في بعض التدريب؟"
مازحة كي لا تنبش جراحاً قديمة بينما تقدم لها طريقة لاستعادة ما فقدته.
واصلت الشرح قائلة: "أحد أفضل الطرق لممارسة المهارات الأساسية الثلاث هي لعب لعبة. نقسم المتدربين إلى أزواج ويأخذ كل منهم ثلاثة أكواب فخارية ويحاول إلقاء «فانوس» داخل واحد بينما يحاول الآخر استشعار أيهما".
ثم أضافت: "إنها رائعة لممارسة التشكيل والتحكم، إذ تحتاج لسرعة ومحاولة استخدام أقل قدر ممكن من المانا قبل أن يستشعر شريكك عملك".
سأل لوسق مستبقاً ردا مشابهاً وإن كان يبدو مرّاً بعض الشيء من كوري: "لكنّ أياً منا لا يستطيع استخدام التشكيل؟"
حاولت تهدئة مخاوفهما قائلة وهي تشير إليهما: "صحيح، لذا ستعملان أنتما الاثنان على إيجاد المانا بينما يسعى خصمكما لإخفاء استخدامها. سأحاول ألا أكون دقيقة للغاية إن أردتما عرضاً، لكني أقترح العمل مع متدرب حتى يستطيعا استغلال الوقت لتغذية نموهما".
توقفت للحظة محاولة تذكر اسم لاقتراحه: "ربما شقيقكما الآخر، بلك؟"
وبإيضاح حماسي من الاثنين، بدأت الشيخ في خلق جيوب من المانا حول الغرفة مخفية داخل أشياء مختلفة، دون تكبد عناء إلقاء أي تعاويذ حقيقية بل الاكتفاء بممارسة تحكمها بالمانا لتشكيل تكتلات صغيرة. نظرت كوري بحسد إلى ما يمكن للساحر إنجازه حقاً لو أنه، على عكسها، قادر على استخدام مهاراته بحرية. بالكاد استطاعت تشكيل المانا في راحة يدها وها هي يلست تستدعيها على بُعد أمتار في الجانب الآخر من الغرفة كأن الأمر لا يتطلب جهداً.
أدركت اللعبة أسرع بكثير مما فعل أخوها، دون أن تنطق بشيء كلما رصدت المخبأ الجديد لتمنح أخاها فرصة للمحاولة أيضاً. جعل توافقها المحدود ومستواها الأقل في المهارة الأمر أصعب بكثير بالنسبة له، وربما أكثر إفادة بكثير إذ كان النمو أسهل حين تكون درجات قدراتك منخفضة.
لم ينجح أي منهما في تحقيق أي نمو خلال العرض القصير، لكنهما استطاعا رؤية قيمة الممارسة وتطلعا لإزعاج شقيقهما لاحقاً للعب «ابحث عن المانا»
معه.