حين انقضت حكاية الكوبولد الغابرة وتلاشى غرضهم القديم، لم يستغرق الفقاس الصغار وقتاً طويلاً للعودة إلى فوضاهم المعتادة. فتلك طبيعة الأطفال، ولا سيما صغار الكوبولد، والكوبولد عموماً. مضى الوقت واقتربت نهاية عامهم الثالث. لم تكن تفصل الصغار سوى خطوات معدودة عن خوض غمار الحياة في عشيرة إيمبرسكال. سرعان ما يصيرون يافعين ويلتحقون متدربين بمختلف حرف العشيرة ومهامها. والأهم بالنسبة للكثيرين، أنهم سيكشفون قريباً عن رتبهم ويبدؤون حياتهم داخل النظام.
ظلّ كورس راضياً تماماً، مع هذه الفقسة بالذات على الأقل؛ فلم تقع خسارة واحدة لصالح التصفية طوال الأشهر الإثني عشر الماضية. مع أن العام الثالث هو الأكثر أماناً عموماً، إلا أنه ليس غريباً أن يُفقد واحد أو اثنان بسبب نزعة المغامرة لدى الصغار. كم من كوبولد واعد ضاع على عتبة عامه الرابع. أن يبقى اثنان وثلاثون من أصل ثلاثة وستين بدايةً فهذا عام مذهل. لكنه كان استثناءً مؤكداً، إذ أبلغت فقاسات أخرى عن أرقام أكثر اعتدالاً، حيث يُفقد قرابة شابين من كل ثلاثة لصالح التصفية.
حتى أحدث فقسة في هذا الفقاس ذاته فقدت نصف عددها في عامها الأول وحده. لم تفعل المشرفات ولا حتى مهارات الشيخ كورس شيئاً لوقف مرض جتاح المكان واضطرهم لفرض الحجر الصحي. أُغلق عليهم مع مشرفاتهم ومُنع الدخول سوى لتوفير الطعام والمؤن والريونات الطازجة حسب الحاجة. لم تكن المشرفات أنفسهن بمنأى عن المرض، رغم أنه لم يضربهن بالشدة ذاتها. نُقل الثمانية والعشرون الباقون من أصل سبعة وخ50 في الفقسة إلى حجرة حاضنتهم مبكراً.
وجرى استدعاء الشيخ يلست بنفسها لتطهير الحضانة بالنيران قبل بدء وصول البيض الموضوع حديثاً. وبينما تجنب معظمهم الحدث، وقعت يافعة فضولية مرتقبة في سحر تعبير السحر. إذ لم تشهد سوى تفعيل الريونات لتحريك الهواء أو استدعاء الماء. إن احتمال مشاهدة سحر حقيقي يمارسه ربما أبرع ممارس في العشيرة بأكملها كان أمرا لا تستطيع تفويته. وحين نُبهت لتبقي مسافة بينها، لم يتحرك أحد لإعاقة رؤيتها.
فقد عرفوا أنها إن مُنعت فستحاول ببساطة إيجاد وسيلة أخرى للمراقبة. ربما تنطوي على مخاطرة أكبر. ومن يستطيع رفض منظر كذاك؟ حتى الكبال الكبار أتيحت لهم فرص قليلة لمراقبة يلست وهي تمارس براعتها السحرية وكانوا متحمسين للمشاهدة. وصلت يلست بثوبها الأبيض الناصع الذي يلمع في الضوء الخافت. ورافقها ساحر مبتدئ مألوف بثوب أخضر. وهو من كان يقيم في هذه الحجرات حتى ما قبل أقل من عام.
استغرقا لحظات لمعاينة موقع عملهما قبل البدء، ولما استتب كل شيء نظرت إلى الساحر المبتدئ المرافق لها، وقالت: "أنت جاهز للبدء يا كور؟"
فتلقّت إيماءة موافقة ونظرة تركيز على وجه الشاب وهو يحضر تعويذته. أعادت انتباهها إلى الحجرة وأعدت تعويذتها الخاصة، فرنّ صوتها بوزن يغيب عن الكلام العادي.
وهتفت: "[إنسينريت]!"
فتردد صدى الصوت وبدأ العرض. وقف كور عند حدود مدخل الغرفة مستدعياً سحره تالياً، ولديه تقارب نادر مع تعويذات الرياح والهواء.
ونادى: "[غوست]!"
موجهاً الرماد والدخان والحرارة عبر أنابيب التهوية وبعيداً عن المحيط. وبدا واضحاً في جهده صراعه لكبح حرارة النيران. بينما وقفت يلست بهدوء وسط سحرها الخاص وكأنها لا تعبأ بحرارته. تمددت ألسنة اللهب من كفي يلست المدفوعتين للأمام لتغطي الأرضيات والجدران وتصعد إلى الأسودات. اسودّت السطوح بينما غطى السخام الحجر. راحت تروّح النيران ببطء فوق الغرفة في مسار منهجي. وأشر السخام إلى إنجاز عملها.
وكان كور يلهث بينما أنهكته الحرارة والجهد ببطء. وكاد ينهار مع إتمام يلست عملها، فتمكن بصعوبة بالغة من إبقاء تعويذ '[غوست]' ثابتاً حتى النهاية. وما إن فشل سحره وسقط على ركبتيه، حتى راحت بقايا الرماد والدخان تتسلل إلى الممرات.
هتف كورس وهو يربت على كتفه بابتسامة عريضة: "أبليت بلاءً حسناً يا كور!"
ثم أردف: "بعد عام فقط في صفك وأنت تجاري يلست، ولو قليلاً، عليك أن تفخر بنفسك."
وكان واضحاً رضاه عن الكوبولد الشاب، وهو الذي رباه بنفسه من البيضة، باختياره لتلك الفقسة بالذات. وتابعت يلست، وعلى وجهها ابتسامة فخر أيضاً، مدح الشاب، عالمة أن المزج بين المديع والتوجيه عند استحقاقه سيساعد في تربية ساحر على الطريق الصحيح.
وقالت بابتسامة واثقة: "قد يلحق بي ذات يوم، وإن لم يكن قريباً."
وابتسمت متباهية قليلاً: "أنا في الثانية والثلاثين فقط، وعلى عتبة الطبقة الرابعة. آمل قريباً. ربما خلال ثلاثة أو أربعة أعوام إن حالفني الحظ. أو إن استأثرت بكل العمل اللائق لنفسي، لكن لا يمكنني فعل ذلك الآن، أليس كذلك؟"
وقالتها بابتسامة واسعة مشاكسة تلمح إلى أنها قد تفعل ذلك فعلاً. كانت يلست نفسها تُعد أُعجوبة. أصغر الشيوخ سناً، فالمكانة رغم اسمها تقوم على الجدارة لا العمر. ويُمنح اللقب لعضو العشيرة الأعلى مستوى المناسب للوظيفة حين يرحل السابق. وعادةً ما يكون ذلك بسبب الاستسلام للشيخوخة، لكن التقاعد العرضي، أو الإقصاء لسبب فادح كان يحدث أيضاً.
عادت إلى أصل الموضوع، وقالت: "تم تطهير المكان؛ أمنحه بضع ساعات ليبرد ثم ألقِ بكمية من هلامات الكهف وأغلق الباب مجدداً. أولئك الكسالى لن يقتربوا من السقف إن استطاعوا التجوال طمعاً في وجبة أسهل ابتلاعاً. لن يستغرق الأمر سوى بضعة أيام ليلتهموا كل ذلك السخام."
فرككت يلست حراشفها وأطلقت أنيناً: "سأحتاج إلى وجبة جيدة وقسط من الراحة بعد أن أفرغت مانا الخاص بي تقريباً."
وأشارت إلى الساحر مكتسي الأخضر، وقالت: "أتعجب كيف لم يغشَ على كور حتى الآن. لقد فرغت تماماً، رغم أني حذرتك، أليس كذلك؟"
واتهمته، وإن بدا واضحاً أنها تمزح من ابتسامة وجهها. أومأ كور برأسه بخفة، وحتى تلك الحركة هددت توازنه رغم أنه كان راكعاً بالفعل. لم يكن تفريغ المانا تجربة سلطة قط.
التفتت مجدداً إلى الشيخ الآخر، وقالت: "كورس، أيمكنك إيواؤه في أحد مساكن المشرفات الآن؟ سيكون بخير خلال ساعتيْن وإلا سنضطر لحمله إلى مقره."
وهزت يلست رأسها، مع ضحكة خفيفة في صوتها، إذ كانت تعرف شعور كور حق المعرفة.
فقال: "بالتأكيد، سيتيح لي ذلك فرصة للحاق به."
وحدّق في حال كور، ثم أردف: "بعد أن يستريح بالطبع."
بعد حماسة العرض السحري، بدت الأيام تثاقل ببطء. ومع العلم أن بضع أسابيع فقط تبقت حتى ينضم الفقس إلى صفوف اليافعين ليكشفوا عن رتبهم ويتلقوا أسمائهم. لقد كان معلماً مثيراً لجميع صغار الكوبولد. ومع مرور الأيام، بلغ أول الفقس نهاية عامه الثالث، وتلقى الأكبر والأضخم بينهم اسم لوسق. وكاد شجار ينشب بين الشيخ بلون الراغب به للمدافعين والشيخ تولي الراغب به في المناجم. إذ لم ينظر اثلاهما إلا إلى ضخامته وقوة ظهره.
وفي النهاية وحين استحال التوصل لقرار، سُئل اليافع عن رأيه فلم يكن أي منهما مسروراً بردّه. وبدا أن رغبات الصغير لوسق مالت أكثر نحو المصنع، وسط ابتهاج الشيخ ألدر البالغ. فالشخص الضخم والقوي مفيد دائماً لنقل البراميل. وللسوء الحظ، لم يكن حتى هو يرى حقاً طبيعة الشاب المتأملة ويدَهُ الحذرة، رغم أنه سيُظهر لهم لاحقاً أنه أكبر من مجرد حجمه. مرت الأيام وتوالى بلوغ المزيد من أفراد الفقسة نهاية عامهم الثالث.
وتسمى بلك وإتر وبيس وقوت ووجر وولد وغيرهم الكثير وبدؤوا أيامهم بين تدريباتهم الجديدة وحجرة الحضانة. وكانت رتبهم في الغالب كما هو متوقع في الآحاد العالية والآحاد المزدوجة المنخفضة. حتى لم يبقَ سوى فقيسة وحيدة. فصلتها أسابيع عن أشقائها ووسم ذلك الوقت بالإحباط والانتظار القلق. في ذات صباح كان الكهف خالياً إلا من الفقيسة وحيدة تتجول في الممر، تبحث عمن تكلمه أو حتى عن ذيل لتمسك به وتهرب بينما يلتفت المشرف المندهش.
ولمحت هدفها المفضل، وهو الكوبولد الصغير جداً بعد، بطول سبعين سنتيمتراً فحسب، فتسللت من خلف كورس، لتفاجأ هي نفسها حين التفت وجمعها في عناق.
فقال بابتسامة: "كنت في انتظارك أيها الصغير. توقعت شدك الصغير لذالي باكراً جداً لأقول الحق. أعرف أن كونك الأخير يثقل كاهلك، لكنها سنة الحياة. لا يمكننا أمر الشمس بالبطل والشروق أسرع لنلبي أهواءنا. حتى وإن لم نرهما قط هنا تحت الجبل."
ومنحها كورس ابتسامة عريضة: "إما أن تحبي الشمس أو تمقتيها. يقضي معظمنا حياتنا في باطن الأرض لذا لا نألفها جيداً، لكنكِ كنت دائماً مختلفة بعض الشيء. ورغم ما تؤذيه العيون في البداية، فإن دفء إشراقها يبدو ممتعاً للغاية على الحراشف."
ولوحت لمسة حنين هنا، فذكرياته القليلة عن الأعلى كانت لطيفة.
وأكمل: "والآن، لمَ لا أقص عليك قصة وأطلعك على سر يعلمه الجميع لكنهم لم ينطقوا به بعد، ليس حيث تبلغ أذناك الفضوليتان على الأقل."
وضع كورس الطفلة على مقعده بجانبه وپرت على رأسها، دالكاً ذلك الموضع المبهج فوق أغشية الأذنين مباشرة. وفتح دفتره، وهو شيء نادراً ما تفاعلت معه صبيّة الكوبولد لكونه نادراً جداً ولا يحفظ جيداً في الكهوف.
"هذه يومياتي الخاصة؛ قايضت البشر في الأعلى لأجلها قبل سنوات عديدة حين بدأت دوري كشيخ وتوليت مسؤولية الفقاسات كافة."
ونظر إلى الفقيسة، ولن يصح له نعتُها هكذا لفترة أطول بكثير، وابتسامته تمزج الفخر بالحزن. فختم فصل في الحياة يبدو كلا الأمرين في آن معاً.
وسأل: "أتدرين لمَ ما زلت أعمل في أحد الفقاسات مع أنني مسؤول عنها كلها؟"
فأجابت الطفلة الذكية أكثر من سنها: "كلا... ممم... ربما؟ خبرة؟ الكثير من أفعال الكبار تسبب الخبرة."
وقال: "صحيح تماماً! أحسنت. حسناً، ميزة أخرى لصفّي خاصة نوعاً ما. يمكنني كل عام اختيار واحد فقط من الصغار شريطة أن أكون قد شاركت بنسبة معتبرة في تربيته. أمنحه لقباً خاصاً يمنحه دفعة طفيفة، وبضع نقاط قدرة ويساعد نموك قليلاً."
وكانت الصبيّة تتابع بفضل أساسيات النظام التي غرستها الأمهات الحاضنات.
"وفي المقابل أكتسب أنا القليل من الخبرة كلما نما ونجح في الحياة. لكن ذلك ينطوي على مخاطر، فإن أخفق في النمو بنفسه، أو مات قبل أوانه، تعرضت لعقوبة."
ورسم كورس نظرة عابسة قليلاً عند تلك الفكرة، متذكراً المرتين اللتين فقد فيهما شبابه المختارين عبر السنين.
"ينطبق الأمر غالباً على الأعوام الممتدة من الآن وحتى كشف صفّهم، مع أكبر دفعة لي بناءً على مدى جودة الصف الذي تنالينه."
وأمالت صبية الكوبولد رأسها: "لمَ تخبرني؟"
قال كورس وهو يهز رأسه، فقد كان عليه توقع تلك الاستجابة: "أولاً قصة قصيرة، ثم نجيب عن ذلك بالذات. صعدت إلى الطبقة الرابعة وأصبحت سيد مربي الحضانة قبل تسع سنوات. في العام ذاته الذي أصبحت فيه شيخاً. وكان سلفي ينتظر صعودي كي يتقاعد."
وبدا فخره بالإنجاز جلياً، وأكمل: "اخترت أول [اختيار من الفقس]، وهذا مصطلح يستخدمه سكان السطح ليعني الأفضل بين مجموعة كائنات صغار، وسميتهم على اسمي."
وضحك على نفسه لذلك: "أعتقد أنه كان شيئاً من الغرور لفعل ذلك."
"كان هذا اليافعة كورا. وأنت تشبهين كورا كثيراً كما تعلمين، فلم أستطيع أبداً إبقاءها حيث مفترض بها البقة. وقد ذهبت منذ ذلك الحين لتصبح إحدى أفضل صيادي الشيخ بولست وكانت من صنع آخر قفل على بابك. ذلك القفل الأخير الذي حبس مشرفاً في الحجرة لبضع ساعات."
وضحك للذكرى.
"آمل حقاً أن تحصل على فرصة لتتلمذك."
وابتسم بإشراق لتفكير الاثنين في العمل معاً.
"ثم جاء كورب، قوياً وسريعاً، وتعلم الرمح بسرعة بعد أن تدرب عند الشيخ بلون. وللسوء الحظ، رحل قبيل بلوغه الحين حين أغارت الغوبلين على نقطة حراسة خارجية... غوبلين كريهة ملعونة."
وبدا الغضب والمرارة واضحتين في صوته ووجهه المقطب وهو يكاد يبصق الأخيرة. توقف لبضع دقائق لتصفية ذهنه قبل المتابعة مع التالي.
"ثم جاء كورك."
وكان يكبح ضحكة بصعوبة، "لا تذكريه أمام الزعيم أورتيك. إنه لا يزال هنا لكن حادثة مؤسفة مع البشر أدت إلى سوء فهم قليل."
وإن كانت مؤسفة، فبناءً على تعبير كورس بدت مسلية للغاية أيضاً.
"لقد قالوا للزعيم ’ضع فلينه فيها‘، وهي على ما يبدو مقولة أخرى غريبة لديهم، وفُهمت لتعني شيئاً بذيئاً بشكل خاص..."
وهز رأسه مجدداً بينما هربت ضحكات.
"كان قد وضع تعويذة خبيثة للغاية على البشري المسيء قبل تسوية الأمور. وكادت تصل إلى صراع مفتوح..."
ولم يستطع كورس إلا الضحكة وهو يحكي تلك القصة بعينها، "لا يزال كورك عضواً قيماً في العشيرة وشاباً مبهجاً. إنه يعمل في إحدى مزارع الطحالب الخارجية، لكن مزاج الزعيم يفسد دائماً وبشكل ملحوظ كلما رآه أو سمع به."
وانخرط الاثنان أخيراً في الضحكات المكبوتة التي كانا يحبسانها.
وما إن استجمع قواه حتى تابع: "ثم جاء كورد. كان يحب الصيد في البحيرات العميقة وقضى كل وقته هناك، بل كان يذهب للسباحة إن لم يراقبه أحد."
وكانت السباحة مثبطة عموماً. ومع تسميتها نسبة لعمقها تحت الأرض، كانت البحيرات العميقة، في الواقع، عميقة جداً.
"غادر العشيرة بعد التجمع العظيم الأخير. مثلما يفعل بعض الشباب غالباً. لقد ارتبط بـغالتالون جميلة وأسمع أنهم يؤدون بلاءً حسناً في إحدى العشيرات الصغرى، لكن الأخبار يصعب الحصول عليها."
وبدت نبرات الحنين واضحة لتظهر أنه يفتقد الشاب.
"ثم التقيت كور قبل أسابيع قليلة مضت. إنه شاب واعد، بل أحد الأفضل منذ يلست نفسها."
وبدا فخره واضحاً للعيان.
"السادس قصة مؤسفة وتركت أثراً بالغاً في نفسي حين فقست أنت ذاتك. استغرقني عام كامل لأسترد المستويات التي خسرتها."
وتحول فخره إلى تجهم وهو يتابع: "كان كorf يحب الحفر. وبعد أيام فقط من تسميته وبدء عمله مع الشيخ تولي، قرر توسيع كواه داخل حجرة الحضانة..."
وهددت الدموع زوايا عينيه وهو يتحدث.
"جهوده أضعفت الدعم ليس لمسكنه فحسب، بل للمساكن المجاورة له. وفي وقت متأخر من الليل بينما كان أشقاؤه نائمين، ضاع ثلاثة من صغار الكوبولد الواعدين في قرار سيء واحد... كان سيحصل على رفته اليوم لو أنه ما زال هنا..."
وهربت دمثة لتخط على حراشفه، وما زال الفقد يؤلمه بعد ثلاثة أعوام. توقف سردد بينما جلسا، هو في حزنه وهي بيدك على يده محاولة تقديم العزاء. لم يكن مفترضاً بهم التعلق بالفقس، فالأشياء تحدث والتصفية قاسية. لكن كورس لم يستطع أبداً منع ذلك حقاً. لم يعرف الكوبولد قط أي فقيس لمن، إذ سيّدي البيض كله في الفقاسات ذاتها، لكنه دائمًا ما اعتبر مختاريه [اختيار من الفقس] أولاده.
"الاثنان التاليان ما زالا هنا، في حجرات حاضنتهما، وربما التقيت بهما في تجوالك الصغير حول المكان."
وتنهد متذكراً عبث محاولاته لاحتوائها. فلم يحدث أن تمكنوا من إنتاج آلية قفل تبقيها محجوزة إلا بعد أن تدخلت كورا بنفسها، وحينها أصبح الأمر بلا جدوى لكونه معقداً جداً لكي يتعامل معه معظم المشرفين.
"كورغ، ليس بأفضل اسم لفتاة أعترف بذلك... لكني بدوت قد بدأت تقليداً، ولم يبدو التوقف صواباً. إنها تتدرج مع الأمهات الحاضنات. صوت جميل للوقفة وذاكرة رائعة للدروس والقصص."
وتحولت أفكاره بعيداً عن الفقد نحو المستقبل لتعيد بعض بهجته.
"وهناك بعض النزاع حول آخر أولادي الباقين، كوره. إنه أكبر منك بسعام واحد فقط. يقول البعض إن اسمه يجب أن يُلفظ كور-هي بينما يرى آخرون أنه ينبغي أن يكون مثل اسم كور. أواجه ضغوطاً لتغييره عند بلوغه سن الرشد. والاقتراح الأبرز حالياً هو خاو."
وهز رأسه رافضاً الاقتراح: "الكثير من الآخرين لا يعرفون الكثير عن السطح، لكني أعلم بحيوان مزرعة له اسم مشابه لفظاً... أخشى إن أصبح تاجراً كما يتمنى أن يقوم سكان السطح بـ’المواء‘، وهو الصوت الذي يصدره ذلك الحيوان المعين، في وجهه"
ورسم تكشيرة على خطمه ومظهر محرج نوعاً ما في عينيه وهو يحاول إصدار الصوت.
"والآن يقودنا ذلك إلى اليوم، هل يمكنك تخمين ما أقوله تالياً بناءً على ما قلته للتو؟"
عادت ابتسامته واتسعت وهو يراقب الصخور تسقط في مكانها داخل عقل شاردته الصغيرة وهي تتأمل السؤال الذي طرحه لتوّه.
"ممم... أنت تختار دائماً صغيراً يساعد نموه ونموك. وتسميه على اسمك مع الحرف التالي من الأبجدية في النهاية. لكن فقسة هذا العام كلها سُميت وليس ثمة أي ’كور‘ بعد..."
واتسعت عيناها حين تركبت القطع أخيراً في مكانها.
"أنت تختارني؟ انتظر، هل سيكون اسمي كوري؟ أنا كوري! أنا كوري!!!!"
وقفزت الفقيسة، كوري، وبدات ترقص حوله، كادت تزأر باسمها وتضحك. وكانت الابتسامة العريضة على خطمها والبهجة في عينيها معديتين بحيث لم يستطع كورس إلا الضحك والمشاركة في احتفالها الصغير.