لا تزال تراقب ما حولها من موضعها على الأرض بعد شعورها بأن الضباب لفظها خارجاً. شعور بالانسحاق والضغط وهي تخترق الضابح العالق بحراشفها وفي عظامها. تلاحظ أن الأرواح في هذا الجانب أضخم وأسطع وتتحرك بحيوية أكبر وهي ترفرف هنا وهناك. ألوانها التي كانت باهتة وشاحبة من قبل تزداد حيوية وتوهجاً كلما تجمعت حول المجامر. مكتسبة عمق الألوان الحاضر في أعمدة الدخان المتصاعد. كان ذلك قاسياً...
لا عجب أن الأرواح الصغيرة خفتت وهي تخترق الضباب، بدا الأمر وكأنه يحاول لفّي في كُرة... يبدو أنها تعافت بالسرعة الكافية في هذا الجانب على أي حال، لذا أرجو أن أتعافى أنا أيضاً... تأخذ كوري وقتها، وتنهض ببطء إلى وضعية الجلوس مانحة نفسها لحظات لتتعافى مما حدث للتو. تراقب الأرواح المختلفة وتحدّق في المجامر بفضول وهي تستعيد عافيتها. ومع استقرار قلبها وتباطؤ عقلها من خوف الألم وتجربته، تتذكر شيئاً حدث قبيل شروعها في اختراق الضباب.
الضوء الوامض الصغير لا يزال ينتظر انتباهها خلف مدى رؤيتها مباشرة. <<تحسنت مهارة الإتقان. الحس الروحي المستوى 1 إلى 2>> كان ذلك سريعاً... أعتقد... كم مضى من الوقت منذ حصلت على المهارة حقاً؟ أنا جائعة نوعاً ما، أحان وقت الفطور بعد؟ أم أنني وصلت إلى العشاء؟ حسناً، وقت الأكل على أي حال. تلهيها وجبتها، رغم أن محتواها لا يزال بلا طعم ويفتقر إلى الجوهر، وتساعدها في التعافي من الآثار العالقة في جسدها، لتشعر أخيراً بقدرتها على التحرك ومراقبة الأمور عن كسب.
تقف وتبدأ الاقتراب من أقرب مجمار. عمود دخانه بلون أزرق اللازورد العميقة ويبث شعوراً بضغط يسحق العظام وبرودة جليدية. مع اقترابها تشعر بثقل شبيه بما شعرت به حين سحبت الأرواح الصغيرة من الطواطم، إلا أنه هذه المرة، عوضاً عن القتال لسحب الذرات الصغيرة بعيداً، عليها القتال في كل خطوة تخطوها للأمام. عمق البرودة يتغلغل في حراشفها كلما اقتربت. ثقل هظيم يضغط على كتفيها كأنها تحمل الجبال فوق رأسها، يزداد مع كل خطوة للأمام.
المقاومة ضد اقترابها تزداد مع كل خطوة متثاقلة حتى تشعر بأنها لا تستطيع المتابعة قدماً جسدياً ومن خوف التحول إلى مجرد لطخة من الحراشف واللحم مع تصاعد الضغط. تتخلى عن محاولتها، والتراجع يبدو كأنها مدفوعة بقوة هبوب عظيم وهي تتحرك للخوار، تكاد تعثر حين تحول المقاومة إلى قوة طاردة تدفعها بعيداً عن حضور المجمار والضغط المسحق يقل مع كل خطوة تخطوها. إذ تعلم أن الاقتراب البطيء والثابت، القائم على المراقبة والاستنتاج والتخطيط والتفكير، قادها إلى نجاحها السابق، تقرر اتباع منهجيتها السابقة.
تجمع الحقائق قدر استطاعتها قبل المتابعة. تمشي في أطراف الضباب المتصاعد في شريط صغير بينه وبين المجامر، حيث تطير الأرواح بحرية كما فعلت داخل الدائرة الداخلية. تراقب ذرات الأرواح وهي تدور باحثة عن هرب من هذه القيود الجديدة، تشق طريقها ببطء وتختبر الاقتراب من المجامر لإيجاد مطابقة والسماح لها بالتجمع. وهي تمشي حول الدائرة، تراقب كلاً من المجامر تباعاً أثناء مرورها، فكل منها ينبعث منه عمود فريد، وكل منها يعطي انطباعاً بشيء يتجاوز الدخان البسيط.
تلك التي محت الاقتراب منها سابقاً، تشعر بثقل هائل يضغط كأنه يتدفق للأسفل في سيل من البرودة القارسة، بينما يتصاعد العمود إلى الأعلى. التالية ببيض القمر الساطع مع مسحة خفيفة من الزرقة، تبث برودة تتجاوز التجمد، شيئاً يسعى لسحق كل دفء تحت غطائه الجليدي، ورقائق الجليد ترقص في العمود وهو يتصاعد. العمود التالي أخضر اليشم يعطي انطباعاً بمتسلقات متضاربة وغابة مزدهرة والحياة الخطيرة المختبئة تحت أغصانها.
برتقالي أحمر لحجر الشمس يرتفع كعمود من النيران تثيره الرياح العاصفة، وانطباع بارتفاعات هائلة يُنقل بطريقة ما. وتمضي حول الدائرة، وكل شعور بقوة عظيمة محتجزة داخل الجمر المشتعل ظاهرياً على ما يبدو. لون التوباز الترابي المصفر، أزدي ولا يلين. البني الذهبي الشاحب للسيترين يوحي بالتراب والنمو، وبحصاد ذهبي يقدم وفير خيره للجميع. الأسود العميق لظلال الأونيكس، رعب خفي يختبئ في طياته مستعداً للانقضاض على الغافل.
كلما راقبت أكثر، كلما أدركت أنها تتعرف على هذه الجوانب المصطفة أمامها. وأن هذه أكثر من مجرد دخان. لكنها تعجز عن تحديد ذلك التعرف، وتعجز عن ردم الهوة بين التعرف والمعرفة. في ثلثي طريقها حول المنصة، ما تراه يوقفها مكانها تماماً. هذا المجمار مختلف، من نظرة أولى ليس بأكثر فرادة من أي مجمار آخر، عمود من الدخان الأسود يعجز عن إخفاء حمرة النيران الدوامة في داخله، والجمر ينجرف وهو يصعد من خلال السقف وأبعد منه.
لكنه مع ذلك يقف بمعزل مقارنة بما سبقه. حيث تتصاعد الأخرى بقوة غير مرحبة رافضة اقترابها. هذا المجمار يدعو. هذا المجمار يتناغم مع شيء عميق في الداخل كأنه سيعانقها، لو أنها تخطو للأمام فقط. انتباهها مسلوب، لا شيء موجود سواها هي والمجمار وصدى قوته المتصاعدة فوقه. الدخان يثير المشاعر في كيانها وهي ليست لها، بل تبدو كأنها يجب أن تكون كذلك. طغيان اللهب مخزلاً الجميع إلى دخان وجمر.
وببلا قصد أو روية، قدماها تتحركان من تلقاء نفسيهما وتخطو للأمام. حيث كان هناك شعور بقوة خارجية ترفض حركتها، انقلب الأمر الآن. صار يجذبها قدماً. توجيه خفيف ومرحب من الخلف وهي تتابع اقترابها، الأمتار بينها وبينه تتقلص سريعاً حتى تقف أمام جمر المجمار المتوهج. الدخان الأسود يحوم حولها في عناق متوهج بذرات جمر ملتهب. كل منها روحها الصغيرة تتحد مع الدخان، ترقص عبر شكلها وتحط على حراشفها.
وحين تحدّق في أعماق الجمر، ترى أنه ليس قطع معدنية بسيطة أو جذور تحولت إلى وقود، رغم وجود تلك في حلقة على الأطراف. كلا، المجمار يحتوي على شيء آخر، شيئاً لا يمكنها نسيانه أبداً بعد رؤيته لمرة واحدة من قبل. حرشفة. حرشفة واحدة مثالية من عقيق أحمر بلوري. طغيان اللهب، الطاغية العقيقي... حارشف الجمر... لماذا إذن إحدى حراشفه هنا. أفكارها تنزلق إلى المجامر الأخرى التي عبرت بها، والتعرف الذي شعرت به يستدعي أخيراً الذكريات والأسماء.
الأخريات، مخلب المد، سيد هاوية اللازورد. ذيل الجليد، عذراء حجر القمر المتجمدة. ناب الوورق، عاهل دورة اليشم. جناح الجمر، سيد لهب حجر الشمس. قرن الحجر، ملك التوباز. ماشية التراب، أم السيترين. عمود الرعب، رعب الأونيكس. جميعهم، التنانين العظماء، كلهم هنا. تتابع قائمتها، وهي تدير رأسها وتكمل دورة المجامر بعينيها حتى تعود نظرتها إلى حيث بدأت. بالكاد تحتاج إلى التطلع إلى المجامر المتبقية لاستدعاء أسمائها من دروس الأم، كل اسم تنان عظيم، وكل اسم عشيرة من أبناء عمومتها الكوبولد في العالم الخارجي.
الأصفر الأخضر الفوار يتصاعد في سحب عنيفة، مخلب الريح، ريح البيريدوت لا تنتهي. البنفسجي الموشور الساطع، الوامض بدفعات ضوء تترك بقعاً ترقص في عينيها، ضربة التألق، بريق الجمشت. وهم الدخان الموشور الواضح والساطع، بالكاد مرئي ولكن لا يمكن تفويته في الوقت ذاته، العمود الساطع، وهم الألماس. الخطوط الدامية، القرمزية فوق صدأ الدم الجاف، حرشفة القرمز، عاهل حجر الدم. لو ثبتت شكوكها، لكان كل مجمار سيحتوي أيضاً على حرشفة من الاثني عشر.
كل مجمار يستدعي جزءاً من قوتهم وروحهم لحماية العشيرة. شيء عميق في داخلها يتحرك حين يعود نظرها إلى حرشفة العقيق أمامها، وحين يعانقها الدخان الدوام والجمر. شعور بالتضامن يفور من الداخل إذ يقبل المماثل مماثله. لحظات أو شهور، لا تستطيع الجزم بمدى بقاء انتباهها مثبتاً، جسدها ساكن وعقلها يسبح، وكل تركيزها مقفل على الكائن أمامها. تستنشق الجوهر المتصاعد أمامها وتستدفئ بتوهجه.
أفكار النيران تستهلك كل شيء، تختزله حتى لا يتبقى حتى رماد، سوى جمر متوهج بسطوع يسود تدريجياً وهو ينجرف في الرياح تملأ عقلها. ومثل كل الأمور الجيدة منذ بدأت هذا الاختبار، ظهور ضوء وامض خلف بصرها يقاطع أفكارها، مبعداً إياها عن صور السماوات الملتهبة والأرض المقفرة. <<خط دَمِك يتحرك>> <<ارتفاع دائم في الحصة اليومية للخبرة العرقية>> ومع انكسار اللحظة، تتراجع رؤى النيران عن أفكارها.
تستوعب ما حولها مرة أخرى وعقلها يتحول إلى الاكتشاف الأحدث من النظام. خط الدم؟ ماذا يفترض أن يعني ذلك؟ وزيادة دائمة؟ أليست تلك نادرة بشكل لا يصدق؟ حيث رأت المجامر وأعمدتها سابقاً عقبة في طريق مهمتها، ترى الآن روعتها. ترى التنانين الاثني عشر وعشائر التنانين الاثنتي عشرة تعمل جنباً إلى جنب. الأرواح الرفرافة التي تتسلل عبر الضباب تتكيف مع طبيعة أحد التنانين الفردية وتمضي قدماً، نحو الخطوة التالية في الدرب من مركز المنصة.
ومثل ذرات الأرواح، تمضي هي الأخرى قدماً، مع تعزيز توافقها الخاص مع طبيعة الطاغية العقيقي. اللحظة مرت ومهمتها لا تزال أمامها، تتقدم متجاوزة المجمار. الدرب أمامها مفتوح وغير معاق. الحرشفة تعيق مرور من لا يشبهونها فحسب، أولئك العاجزين عن أن يصبحوا مثلها. وقبل كل شيء، لم تكن كوري تلك.
قال: "يا داعي الأرواح، ماذا حدث للتو بحق المقياس؟ استغرقت أيّاماً لاختراق المياه، وها هي تتمشى نحو مجمرة إيمبرسكال كأنها تدفئ يديها؟"
تركت حيرة لوي فوها فاغراً من تصرف كوري، ما كان يفترض أن يستغرق ساعات أو أيّاماً من الاقتراب البطيء والتأمل خطوة بخطوة بينما توازن نفسها مع سلف العشيرة استغرق بضع ساعات معدودة.
ردّ: "أجد نفسي محتاراً بالقدر نفسه يا لوي. كنت أمل أن يتيح لها اكتساب مهارة التأمل التقدم بسرعة متى أدركت المهمة، لكن هذا يفوق التصور أن تقضي وقتاً في التعافي من الاختبار السابق أكثر من الاختبار الماثل..."
انقسمت نظْرتاه بين الجسد الساكن في وسط الدائرة وحيث راقب تقدم الصبية.
قال: "أجرؤ على القول إنها واكبت التوقعات لإنجازها مع ذلك. كل ما بقي هو استدراج مرلي من الأرواح المقيّدة وستنتهي في وقت قصير."
بينما عجز حتى اللحظة عن تقبل كيفية إنجازها للأثر الأخير، وحتى هو لم يستطع ببساطة المشي نحو انبثاقات المجمرة تحت الشروط ذاتها، بقيت ثقته بتلميذته الصغرى راسخة.
"هاه، أراهن أنها ستُخدع من قِبل عجوز سليط أحمق من أرواح الأجداد أو أحد تلك الأرواح المظلمة البغيضة قبل أن تتمكن قط من إيجاد مرشد حقيقي."
قطعت ضحكة لوي المجلجلة جملتها.
"أو ربما أحد أرواح الرياح الماكرة التي تريد فقط منها تركها تهيم بلا نهاية."
"أظن أننا سنرى يا لوي، أليس كذلك؟"