إيمبرسكال، الكيميائي الفصل 26 — ضباب وتشويش

اقرأ إيمبرسكال، الكيميائي الفصل 26 — ضباب وتشويش باللغة العربية على مانجا تايم.

يقال إنّ لكلّ بداية جميلة نهاية، وحظّ كوري من الإجازة بلغ نهايته بدوره. وجدت كوري في صباح اليوم الخامس، وهو يوم عودتها الأولى إلى مهامّها، مفاجأةً أخرى في انتظارها. جهّزت الفطور لداعِ الروح، ففاجأتها هندامه حين خرج من غرفته؛ فرداؤه المعتاد كان عالي الجودة بالفعل، أمّا ما يرتديه اليوم فيكاد يُعدّ مزخرفاً. تبدو تمائمُه بكامل زينتها موزّعةً على سترة حمراء داكنة، وبرز سروال أسود فحميّ من تحتها.

ويطلّ مجلّد الأعشاب الخاصّ به من حقيبة معلّقة على كتفه.

"صباح الخير يا داعي الروح أورتيك. همم، هل من مميّز في هذا اليوم؟ تبدو... مختلفاً؟"

لم تدرِ كيف تفسر هذا التغيّر في ملبسه، فتذكّرت إحدى آخر الكلمات التي قالها قبل عطلتها، جملةً استقرت في ركن بعيد من عقلها ولم تفعل شيئاً سوى بثّ شعور بالرهبة. ما زالت تجهل ما قصده حين أخبرها أنّهما لن يستمتعا بما هو آاتٍ... كنت قلقة من قبل... أمّا الآن فأشعر وكأنّي على وشك الوقوف أمام الشيوخ لمحاكمتي على جريمة نكراء.

"صباح الخير أيتها المبتدئة. نعم، اليوم يوم مميّز بالفعل."

تبختر قليلاً أثناء حديثه، معدّلاً حقيبته ومتاكداً من تعليق تمائمه بإتقان.

"مع إنجازك للمجلّد، وفي إطار زمنيّ مثير للإعجاب، حكمتُ بأنّك استوفيتِ الحدّ الأدنى من المتطلبات لتقديمك إلى الحلقة."

ألقى نظرة فاحصة على ملابسها ثم هزّ رأسه، "ولكن عليكِ أولاً تنظيف تونيكك."

"الحلقة؟ أأُقبَل بصفتي مبتدئةً حقيقية إذن، يا داعي الروح أورتيك؟"

اتّسعت عيناها وغمرتهما الأمل. قد تكون هذه هي النهاية! آن أوان السحر!

"لا تستبقِي الأمور أيتها المبتدئة. ستعرفين ما تحتاجين إلى معرفته حين نصل. والآن إن لم تسارعي إلى تنظيف نفسك فلن يتسنى لكِ تناول الفطور قبل أن ننطلق."

"حاضر، يا داعي الروح أورتيك..."

آه، إنه يبالغ حقاً في فرض شعوره بالتفوق والسلطة اليوم... لا أظنّ أنّ اليوم سيكون يوماً جميلاً... أسرعت لخلع تونيكها الجلدى وبدأت في فركه بفرشاة فرو قصيرة وخشنة، وهي فرشاة طالما استخدمتها، وإن كان ذلك على ملابس أورتيك في الغالب. كادت ترتطم بالحائط في عجالة عندما كان التونيك جزئياً فوق رأسها، ووقعت بالفعل على ذيلها حين افزعها قربها من الحجر عندما تجلت رؤيتها أخيراً.

اعتدلت في جلستها وفركت ذيلها المؤلم، ولم تستغرق سوى بضع دقائق لتصلح حالها إلى حد ما. بقيت بقعتا حبر لم تذهبا بالوقت والمؤن المتاحتين، لكن لم يكن بوسعها فعل الكثير حيال ذلك.

تلت ذلك نظرة فاحصة أخرى وهي تغادر غرفتها، "تبّاً. سيُجزي الغرض. توجد حقيبة على الطاولة، ضعي مجلّدك وما تبقى من مرهم فيها. احمليها على كتفك، مثل حقيبتي. عكس حزامك، احذري من سحقه."

ثم عاد إلى بقايا فطورها نصف المأكولة أمامه، "أسرعي إن كنتِ تبغين الفطور، وأؤكد لكِ أنكِ تبغينه. لن أُنتظرك."

كادت تبتلع سمكتها دفعة واحدة ومضغت ما تبقى من وجبتها بأسرع ما يمكن بينما ألقت الحقيبة على كتفها وركضت لاستعادة مجلّدها الخاصّ، الذي كان موضوعاً على طاولتها، بجوار المكان الذي قضت فيه للتوّ دقائقَ عدّة لتنظيف تونيكها قبل إحضار وعاء المرهم الصغير من رفوف ورشة العمل. لمَ لم يقل شيئاً قبل أن أقوم برحلة أخرى إلى هنا... أقسم أنه يستمتع بجعلي أركض هنا وهناك. بعد أن ابتلعت الأجزاء المهمّة، أعني السمكة، رمت كوري نظرة شوق إلى ما تبقى من طعامها وهي تهرول خارجةً من غرفتي الزعيم على عقبي أورتيك.

غادرا غرفتي الشيوخ وسلكا ممراً لم تكن كوري قد لاحظته حقاً من قبل. باب مغلق ومقفل يعترض مدخل الممر. أضيق من الممرات الأخرى المخصصة لمرورالكوبولد العديدة، وخلا من أي علامة أو رمز يميّزه، وبدا بلا سبب منطقيّ يلوي ويلتوي عبر الأرض. عبرا عشرات التقاطعات الصامتة والمظلمة، بلا حتى صدى لحتك مخلب على الحجر يُسمع في أيّ من الممرات. مع اقتراب كل تقاطع، واصل أورتيك خطوته المنتظمة واختار مساره بلا تردد.

مهما نظرت كوري لم تستطع العثور على أي منهج لتوجيهه، بل لاحظت خلوّ جميع الاتجاهات حتى من حصاة أو أثر غبار، ولا توجد طريقة واضحة للتمييز بينها. وحسب ما أمكنها تبينه، فلربّما عادا أدراجهما مرة واحدة على الأقلّ. بعد ما بدا وكأنه الدهر، رغم أنه قلّما تجاوز ثلاثمائة متر على الأرجح، صادفا أول تغيير جدير بالذكر منذ مغادرة القاعة الكبرى. تدلى ستاران من جلود مخيطة عبر النفق، متداخلين في المنتصف بفقرات قليلة، وما وجد منها سرّب ضوءاً ساطعاً من ورائها إلى داخل النفق.

وخزت حواس كوري وهي تشاهد أورتيك يدفع الستار جانباً، وتدفقت تموجات المانا عبر الجلد عند لمسه. وعندما انفرج الستار، تسلل هواء دافئ ودغدغ جلدها. تلت أورتيك في الدخول، واستغرقت عيناها بضع لحظات لتعتادا، وما رأته خالف كل التوقعات.

بينما لم تفاجأ بأنّ مجموعة تطلق على نفسها اسم "الحلقة"

تتخذ من غرفة دائرية مقراً لها، إلا أنّ حقيقة كون السقف مقبباً أيضاً وأن الغرفة أشبه بنصف كرة جذبت انتباهها حقاً. قُدِّر قطر الغرفة بنحو مائة متر ونصف ذلك في الارتفاع، وقد زُيِّن ذلك النصف الكملي بأسره، باستثناء الأرضية، بجلود وكساءات متعدّدة، من دون ظهور حجر واحد. وبدا جهد القيام بذلك مربكاً لكوري تقريباً. وحين استدارت ببطء لتستوعب الجدران الجلدية، رأت أورتيك يدع الستار الذي عبراه يسدل وراءه، وللحظة مضلّلة مفاجئة، لم تستطع كوري تحديد مكان دخولها، إذ امتزجت قطعة جلد بأخرى في ستارة لا تنتهي.

كانت تعلم منطقيّاً أنّه في النقطة التي تقف فيها ولا تبعد عنها حتى مترين، لكنّ تلك الحقيقة ذاتها أثارت الشكوك في عقلها. كان لا بدّ أن يكون هناك... أليس كذلك؟ لم أتحرك حول حافة القبة... أبدأ؟

"داعي الروح أورتيك... هذا المكان... ماذا حدث للتو؟"

غلب القلق والارتياب على نبرتها.

"أهلاً بكِ في الحلقة أيتها المبتدئة. الحراس هنا يتطلبون بعض التعوّد. حاولي ألا تفكري في الأمر كثيراً الآن."

فاجأها غياب خيط التسلية المنتظر تماماً عن صوته أكثر. وبدت نبرته كئيبة تقريباً.

"حاولي ألا تفكري في الأمر"؟

أبهذا الجدّ؟ أهو لم يلتقِ بي من قبل... واصلت عيناها التمحيص في أرجاء الغرفة. واحتلت منصة مرتفعة يقدر عرضها بخمسين متراً الجزء الأكبر من الغرفة. وخارج المنصة وُجدت عدة طاولات طويلة، ومواقد حجرية مع نقاط متعددة لتعليق القدور أو وضع الصواني للخبز أو تجفيف الأعشاب، وحتى العديد من الأفران الكبيرة المصنوعة من الآجر والملاط. وانشغل عدد من الكوبولد حول هذه المناطق، وكلّ يعمل بمكونات متنوعة، شعرَت بأن بعضها مألوف بعد قضائها وقتاً في نسخ المجلّد.

وتقنيات مختلفة معروضة لإعداد الخلطات كالتي تَعَلَّمتهَا كوري. بل لمحت مجموعة تعمل بمكونات المرهم الذي أنتجته. وبدت المنصة في المنتصف وجهتهم بينما خطا أورتيك بثقة نحو الدرج القصير المؤدي إلى سطحها. ومع صعودهما، تمكّنت كوري من إلقاء نظرة أفضل على الأقسام المتبقية من الغرفة. وضمن حدود المنصة الدائرية جلست أقسام عدّة تتقدم نحو الداخل، وعلى الحجارة الخارجية الأبعد، انتشرت أحجار وعظام وأيقونات منحوتة، محيطة بالمحيط بكل أشكال ما ظنّته تمائم.

وراء التمائم المنتثرة عشوائيّاً بدت مجامر ينبعث منها دخان خفيف من جمرها. وما وراء ذلك حلقة من ماء صافٍ في خندق مرصع.

"هذا أحد أقوى المواقع ضمن كهوف إيمبرسكال وأخطرها على الإطلاق، أيتها المبتدئة."

كانت نبرته عميقة وجادة.

"لقد تشبّع هذا المكان بشتى صنوف القوى الروحية عبر القرون بفضلنا نحن أعضاء الحلقة، بدءاً من أعظم أجدادنا الذين لا زلنا نربطنا بهم أواصر الدم، وصولاً إلى أرواح العناصر، وأرواح العالم ذاته. بعض تلك أرواح مرحب بها، وأخرى يجب تقييدها لمنعها من جلب الكوارث على هواها."

وألّاح بيده نحو كل ما حولهما، "يوجَد هذا المكان لكيلا يفلت أحد من نطاقه، سواء أكان روحاً، أم وحشاً، أم حتى كوبولد."

وتسللت مسحة شريرة طفيفة إلى صوته لتخترق ثقل نبرته، "فالجلود المعلقة على الجدران تربك الحواس وتخفي متاهة من المخارج، ولا يؤدي سوى مخرج واحد إلى كهوف العشيرة، وتلك المسارات تلتوي وتتلولب وتربك غير الحذر، مما يجعلك تضيع أو تتيه لتعود مباشرة إلى هذا المكان."

"أكلُّ هذا ضروري حقاً، يا داعي الروح أورتيك؟ لمَ تُستدعى الأرواح إن كان الأمر ينطوي على مثل هذا الخطر؟"

ردت بمزيج من التوجس والرهبة حيال الجهود المبذولة.

"الأرواح من أعظم حلفائنا، فهي تحذرنا من الأخطار الجسيمة وتقودنا إلى ازدهار عظيم. غير أنه لا يجب الاستهانة بها أبداً، ولا يجوز استدعاء خارج هذا المكان سوى من عقدت معه ميثاقاً وصنعت هنا تميمة له."

"أيعني هذا أنني هنا لأحاول أخيراً التواصل مع روح وعقد ميثاقي الأول، يا داعي الروح أورتيك؟"

تغلّب حماسها على توجسها وهي تتكلم.

"لا، فالاوانّ لم يحن بعد. ينقصك مهارة أخيرة لكي يُسمح لكِ بمحاولتك الأولى. اليوم مخصص لما هو أهم بكثير، خطأ عزمت على تصحيحه. وكما حذرتكِ، لن يكون اليوم يوماً لطيفاً."

تفتّحت هوّة الرعب لتلد صوراً لما قد ينتظره من تعذيب وما يعنيه ذلك الخطأ... أرشدها إلى الأمام نحو وسط المنصة قبل أن يرفع صوته لمخاطبة حلقة تضم نحو عشرين كوبولداً جالسين على وسائد في الحلقة الأخيرة من المنصة، وجميعهم يواجهون الداخل نحو الوسط الممهد من الغرفة.

"أيها الأصدقاء أهلاً بكم. أحضر معكم اليوم ابنتي المبتدئة، كوري. تلك التي كدتم تمنعونني من اتخاذها."

وتسلت لمحة غضب عبر نبرته، "المبتدئة نفسها التي جلبت إلى هذه الحلقة اكتشافاً جديداً بالغ القيمة، والتي شهدت بنفسي صنعها لمجلّد الأعشاب الخاصّ بها في عشرة أيام عجاف."

بدأت الهمهمات تسري مع كل عبارة، بعضها بدا راضياً، وأخرى قريبة من الغضب، بينما تُليت كل حقيقة. وانقلبت جميعها إلى ذهول عند العبارة الأخيرة. وبدأ العديد من الشامان الحاضرين في الكلام حين توقف أورتيك.

"عشرة أيام؟ أتتوقعون أن نصدق عشرة أيام؟"

"أهي من صنعت المرهم المشبع؟"

"أتقسم بأنك شهدت ذلك؟"

"أنت تفاخر يا أورتيك، لم يفعلها أي من المبتدئين في أقل من ثلاثة عشر يوماً منذ ما قبل عهدك."

"أيّ خلطة لفقّتها لتتمكن من ذلك؟"

...

اخترق أورتيك الضجة رافعاً صوته، "لست هنا لأناقش أو أمجّد إنجازاتها، رغم أنها قد تستحق ذلك، بل جئت لأصحّح خطأً."

ودفع كوري برفق أمامه وهو يتحدث.

"بدأت هذه التمهنَة بصورة غير سليمة، تقليد تم رفضه لاسترضاء من شعروا بأنه يجب عليها إثبات جدارتها بما كان ينبغي أن يكون خطوتها الأولى بيننا."

وميز بوضوح عدداً من أكبر الكوبولد سناً الحاضرين، "لذا فأنا هنا اليوم لأصحّح ذلك."

سحب أورتيك حزمات عدة من حقيبته، مناولاً كلّ واحدة للشامان الجالسين أمامه، ففحصوها ومرروها بدورهم، واحدة تلو الأخرى، حتى أتمّت دورتها الكاملة.

ودفع كوري نحو حيث بدأت الأغراض تتجمع، "خذي هذه المؤن، ستحتاجين إليها."

"حاضر، يا داعي الروح أورتيك."

وأثناء أخذها لكل رزمة مغلفة، وجدت أنها ممتلئة بالأعشاب، والسمك المدخن، والطحلب المطحون، وغلاية معدنية، ووعاء، وكوب، وعدة رونات جاهزة للنار والماء، ورونة أخيرة مربوطة بإحكام في جلد سميك لم تتعرف عليها.

"ما الغاية من كل هذا، يا داعي الروح أورتيك؟"

"سأشرح قريباً، أمّا الآن فضعيها في حقيبتك."

ظهرت نبرة لطيفة تقريبزاً، وهي من النادر التي رأتْها منه.

انحنى وخفض صوته لها وحدها قبل أن يتابع "سأطرح عليكِ سؤالاً بعد دقائق معدودات، وما عليكِ سوى ترديد عبارة (أفعل وأقسم)، ما لم ترغبي في المغادرة وإنهاء علاقتنا كمعلّم ومبتدئة."

عاد إلى وقفته الصارمة، منديراً بوجهه قبل أن يرى رأسها يهتز بعنف نافياً فكرة إنهاء تمهنها.

"لقد تفقدتم جميعاً مؤنها وتأكدتم من مطابقتها لما تفرضه التقاليد. ويوجد في حقيبتها غرضان لن يحوزهما أيّ مبتدئ. كما تفرض التقاليد عدم جواز حرمانها منهما، إذ لم يمثل أمام الحلقة سواها بمجلّد مكتمل أو اكتشاف يُنسب إليها."

وتسرب غروره، رغم ضبطه ليقترب من الكبرياء.

صاح أحد أقدم الكوبولد الحاضرين، وهو في عمر الأم كليس تقريباً حسب ما رأت كوري، متجاوزاً صخب الآخرين، "لكن التقاليد تحتم...!"

فقاطعه أورتيك ملوحاً بذراعه، وغضب يفور في صوته جعل كلماته الهادئة تبدو أعلى بكثير.

"تلقّت التقاليد أمراً ببدء ابتداءها حين جاءت لأول مرة لتصبح مبتدئتي. وكنت أنتِ بذاتكِ، أيتها الشامان العليا لوي، من أكثر الأصوات معارضة لذلك."

ومضى ملوحاً ببدّه نحو كوري، "هذا! هذه هي نتيجة المسار الذي طالبتم به. لقد لوينا هذه التقاليد أقصى ما يمكن باستبعادها عن هذا المكان حتى الآن. ولن أخالف تقليداً آخر صراحة بتجريدها من إنجازاتها."

"لن أسمع أي نقاش إضافي."

كانت نبرته حاسمة ونهائية، "يبدأ هذا الابتداء. ومن أراد مناقشة الأمر فليفعل، بعد ذلك."

"أيتها المبتدئة، أمّي الحلقة لكي يتمّ الحكم عليكِ."

وتحولت نبرته في ومضة، واختفت كل لمحات الغضب ليحلّ محلها الوقار السابق. وبدت الكلمات وكأنها حافظة عن ظهر قلب، أعلنها آلاف المرات من قبل. وانتظر بينما مشت نحو وسط الحلقة الممهدة، وظهر التوتر جلياً في خطوتها وعلى وجهها.

"إن وُجد أنك ناقصة، ستُطردين من هذا المكان، ولن تعودي إليه أبداً تحت طائلة الموت."

وتوقف ليؤكد على كلماته.

"وإن نجحتِ، فستكونين قد استحققتِ مكانكِ للوقوف بين صفوف مبتدئينا وفرصتكِ لالتماس حكمة الأرواح."

"الصغيرة كوري، أترغبين في خوض اختبار الابتداء هذا، مقسمة أمام هذه الحلقة بأنك تدخلين وأنت جاهلة بمخاطره ومحتوياته، عسى أن تجلسي يوماً بيننا كقرينة لنا؟"

توقف بينما استقرت كلماته في نفسها، لا فقط لأن هذا الاختبار ينطوي على مخاطر، بل إنّ كلّ ما ينبغي عليها فعله هو الرفض لتستطيع المغادرة. المغادرة؟! ليس على ذيلي. سأتعلّم السحر ولو اضطررت للفرار إلى كهف وتعليمه لنفسي.

"أفعل وأقسم"

أعلنت بافتخار وبصوت عالٍ للشامان المجتمعين.

"حسنٌ جداً، أيتها المبتدئة كوري. من هذه اللحظة فصاعداً، الفشل أو التردد معناه الطرد."

جلس أورتيك في الفتحة التي كانا يقفان فيها، واتخذ كل الحاضرين قناعاً من اللامبالاة. ولم تجرؤ حتى الشامان العليا العجوز سليطة اللسان على الخروج عن صف الآخرين.

"تحققي من حيازتك مؤناً تكفي سبعة أيام، ورونة لتوفير الماء، وأخرى لتوفير الحرارة، ورونة أخيرة ستحتفظين بها مغلفة ودون مساس، فالقيام بعكس ذلك إقرار بالفشل وإنهاء للاختبار."

ولإدراكها عمق الموقف، أجابت بأكبر قدر ممكن من الرسمية، "أفعل، يا داعي الروح أورتيك."

"حسنٌ جداً، مالم يكن هناك من يحتاج إلى إعداد إضافي، سنبدأ."

وتطلع نحو الجالسين بجانبه مانحاً إياهم فرصة للكلام، فلم يفعل أحد ليتابع أورتيك.

"أيتها المبتدئة، ستخضعين لإرادة الأرواح ومهمتك بسيطة. عودي إلى وكريك. افعلي وسَيُمنح لكِ مكانكِ هنا بيننا كمبتدئة إلى أن تحصلي على رتبة الشامان، أو تثبتي عجزك عن السير في طريقنا."

وبعد ذلك بدأ يهتمس بنبرة منخفضة وغير مفهومة، تبناها أكثر من عشرين صوتاً آخر بتناغم. وبدأ ضباب رمادي يتدفق بين الشامان الجالسين، محيطاً بكوري بينما تدرج ببطء نحو الداخل نحوها. وأخذ [إحساس المانا] لديها يصرخ لشدة كثافة المانا المحتواة فيه، ليغطي قدميها ببطء، صاعداً ليغطيها شيئاً فشيئاً، وعجزت عن رؤية أي شيء من جسدها تحت الضباب إلى أن غمرها بأسرع ما يمكن بالكامل. واستولى الدوار والارتباك على رؤيتها مع اجتياح الضباب لها.

وعجزت بالكاد عن تمييز الأعلى من الأسفل، إلى أن أدركت زوال ذلك أيضاً حين شعرت بالحجر البارد يضغط على ظهرها. وتلاشى الضباب ببطء، كاشفاً عن غرفة الحلقة كما كانت من قبل، رغم أنها بدت ضبابية ومتغيرة، وظهرت الحواف متذبفرة وهي تشاهد الكوبولد المحيطين بها بلا ملامح. والشيء الوحيد الذي بدا كأنه لم يتأثر هو كوري نفسها، إذ ظهرت ممتلكاتها وملابسها وحراشفها كما ينبغي لها. وتجول بصرها في المكان وهي تراه بنور جديد، فالتمائم تتألق بنور داخلي، والماء يبدو محتوياً على أعماق سحيقة، والمجامر ينبعث منها دخان بألوان وأشكال مختلفة.

أيّة حراشف هذه التي أوقعتُ نفسي فيها...