“ماذا تقصد يا داعي الأرواح أورتيك؟ أخبرتني أن أنتهي في عشرة أيام، وهذا هو اليوم العاشر، لذا لقد انتهيت... كيف كان مفترضاً بي أن أعرف أنك لم ترد حقاً أن أنتهي منه اليوم؟”
تحولت نبرة صوتها إلى البراءة المصطنعة، محاولة بوضوح محاسبته دون تصريح.
“كلمة أردتُ ليست الصحيحة هنا أيها التلميذة.”
تعقد ارتباعه من إجابة كوري الغامضة.
“كيف بحق المقياس أفلحتِ في إنجاز النسخ في عشرة أيام فحسب؟”
“أوه... لقد فعلتُ وحسب؟ لولا المرهم لما تجاوزتُ مئة وخمسين صفحة على الأكثر”
فركت يديها المتألبتين قليلاً إثر يوم النسخ الحافل الذي اختتمته للتو.
“لكنني بمساعدته أزلتُ كل إرهاق وعملت بجد حقاً. لقد أفلحتُ في نسخ نحو ثلاثين صفحة اليوم وحدها!”
“ثلاثون صفحة... تلك تفاخرة كبرى... حسناً دعيني ألق نظرة عليها إذن، إن كتبتِ بهذه السرعة فهي غالباً فوضى عارمة.”
فرك أعلى خطمه وهو ينظر إليها، “إن لم يرتقِ مجلدك إلى معاييري فستعيدين الكره.”
تسسلت نبرة تهديد إلى صوته.
“متى جنيتِ ما يكفي من العمل على إنتاج مراهم إضافية لتسديد تكلفة كتاب آخر بالطبع.”
جلبَت مجلدها، ومجلد أورتيك أيضاً مع أنها خمنت أنه يستطيع استدعاءه ليده مثلما فعل سابقاً، وما زالت مندهشة قليلاً لكونها تعاملت مع غرض مسحور طوال الأيام العشرة الماضية. كظت قليلاً وهي تنظر إلى القسم الأول من الكتاب الماثل قبل نضوج مهاراتها في الرسم والخط، لم تعتقد أنهما كانتا فظيعتين، ولا الكتابة على الأقل، لكن المدخلات اللاحقة كانت بالتأكيد أعلى جودة.
“ها هوذا يا داعي الأرواح أورتيك. مجلد الأعشاب المنجز خاصتي. أرجو ألا تمانع أنني تركتُ بضع صفحات فارغات في البداية إذ حوى الكتاب صفحات تكفي للتوفير. أود صنع قائمة بكل ما في الكتاب والصفحات التي تقع عليها لتسهيل إيجاد الأشياء.”
بدت خجولة بعض الشيء لإجرائها تعديلاً، لكنها لم ترغب في تقليب الكتاب بأسره لمجرد إيجاد نبتة واحدة.
أدرك أنها فكرة صيبة فلم ينطق بكلمة عن الصفحات المتخلفة، “طالما أن المعلومات سليمة ومقروءة، وما زال يساورني الشك بالنظر إلى مدى الاستعجال الذي تعين عليك اتباعه لإنجازه في هذا الوقت القصير، فسيكون الأمر على ما يرام.”
وضع المجلد أمامه وشرع يقلب الصفحات. ابتسامة نصف خبيثة علت وجهه وهو يشق طريقه عبر الصفحات الأولى، أسوأ أعمالها لنقص المهارات آنذاك، مع أنها لا تبدو أسوأ من محتوى صفحات مجلدات بداياته في رأي كوري. تلاشت الابتسامة ببطء على مدار الساعة الأولى واختفت تماماً بانقضاء الثانية. تفحص كل صفحة على حدة بحثاً عن عيوب فوجد القليل النادر، حرف غامض هنا يمكن استنتاجه بسهولة من السياق، علامة ترقيم ناقصة هناك يمكن إضافتها ببساطة دون مشاكل، أو خط منحرف قليلاً في رسم لا يؤثر حقاً في تمييز النبتة المعنية.
“همف... إنه... ملائم أيتها التلميذة.”
بدا صوتُه محايداً وخالياً حتى من تلميح خبثه المعتاد.
“رسوماتك تحتاج إلى بعض المراجعة وهناك بعض المدخلات التي تتطلب تنقية طفيفة، لكنه مجتاز إجمالاً.”
كادت العبارة تؤلمه لاعترافه بها.
“حقيقة تمكنك من ابتكار هذا في عشرة أيام فحسب تفوق التوقعات. أقرّ، لو تفاخر أحد الأعضاء الآخرين في الحلقة بأن إحدى التلميذات فعلت ذلك، لاستصعبت تصديقه.”
“مثلما قلتَ يا داعي الأرواح أورتيك، أنا لستُ كمعظم التلميذات وعليّ أن أفرض على نفسي معياراً أعلى.”
وبينما كانت ترد عليه كلماته الخاصة، وجدت كوري صعوبة بالغة في منع ابتسامة خبيثة من ارتسام وجهها والتسرب إلى نبرة صوتها. وهي مهمة فشلت فيها بشكل مذهل حقاً.
“أظنني قلتُ ذلك بالفعل حقاً...”
دار صراع واضح على وجهه بين تهنئتها على إنجازها أو توبيخها على نبرتها. لحسن الحظ بدا أن الخيار الأول هو المنتصر.
“يبدو أن عليّ التصفيق لجهودك. لقد كنتُ أنا من تلقى درساً اليوم في الواقع، أحياناً تتجاوز توقعاتي الخاصة، رغم ترَسخها في عقود من الخبرة.”
“شكراً لك يا داعي الأرواح أورتيك.”
تبخرت كل محاولة لكبح ابتسامتها.
“ما التالي لو سمحت لي بالسؤال؟”
“التالي؟ ستكافأين أولاً على جهودك، أمامك الأيام الأربعة القادمة لنفسك. خذي راحتك في زيارة قطيعك أو أي أصدقاء.”
وتغاضى عن ذكر أنه خطط مسبقاً لغيابها، لتستمر في العمل على مجلدها، ولم يرغب في تغيير خططه.
“بعد ذلك، حسناً، دعنا نقول فحسب إنني لن أجني أي متعة مما يأت لاحقاً، ولن تفعلي أنتِ أيضاً.”
عادت ابتسامة شريرة طفيفة تخصه أخيراً وهو يختتم جملته.
“هذا... يبدو... مشؤوماً بعض الشيء يا داعي الأرواح أورتيك.”
أي بحق المقياس سيفعله تالياً... لا يمكن أن يكون أسوأ من جعلي أُنسخ كتاباً ضخماً في وقت قصير كهذا... أيمكن؟
“ليس شيئاً كهذا أيتها التلميذة. مجرد الخطوة التالية الضرورية لإعدادك لاحتكاكك الأول بالأجداد. أما زلتِ ترغبين في تعلّم السحر الروحي، أليست كذلك؟”
بدت كلماته مترفعة، لكن الابتسامة الشريرة ما زالت تختبئ في ملامحه.
“بالطبع يا داعي الأرواح أورتيك!”
تدرك أنه يداعبها قليلاً على الأقل، لكن فرصة تجربة حظها في السحر أخيراً كانت كل ما يتطلبه الأمر لتجاهل تعليقه السابق تماماً.
مرت الأيام الأربعة التالية في تجوال هادئ. قضت أمسياتها في حضانة البيض وتحدثت مع بلك ولسق وحتى أختها قوت التي كانت تعمل بوضوح مع لسق في المعمل. كان أخواها سعيدين برؤيتها على الأقل. ظل بقية الفقس غير مكترثين بوجودها في الغالب لكنهم لم يعودوا يظهرون ازدراء صريحا وهذا كان تطورا. تفاجأ الجميع برؤيتها قليلا وبدا أن هناك شاعات بأنها هربت أو عوقبت وأُرسلت لتكون مزارعة في إحدى مزارع الطحالب البعيدة بعد فشل تدريبها.
كانت القصة الأخيرة مرتبطة بقصص قورق وهذا لم يكن مفاجئا لأن قصته كانت ممتعة ومضحكة في آن واحد. تعلمت الكثير خلال حديثها مع أخويها وتبين أن لسق لم يحصل على مهارة التحضير الأساسية فحسب بل حصل أيضا على مهارة نادر تدعى حاسة المخمر وبدا أنها كانت صعبة المنال للغاية. سمحت له المهارة بمراقبة تقدم أي دفعة يحضرها بدقة أكبر ومساعدته في تحديد ما إذا كانت تحتاج إلى وقت إضافي أو ما إذا كانت المكونات غير متوازنة.
كان بلك يتقدم بدوره على طريق السحر وقدر على تشكيل سحر الضوء الأساسي وسحر قوة هجومي يوجه قطرات من المانا بسرعة نحو هدف ليحدث اصطداما رغم أنه في حالته ربما استابب اصطداما أقوى بحجر مرمي لكنه كان متحمسا لإنجازه مع ذلك. لم يتمكن بعد من تحديد ميله أو نيل مهارته الأساسية لكن أمامه أكثر من عامين ليفعل ذلك. كانت حكايات تدريب ميله مشوقة للغاية بالنسبة إلى قوري. بدا أنه يقضي أياما كاملة في التأمل داخل غرف تحيط بها مواقد متقدة أو مطموراً في أكوام الرمل أو معلقاً في نفق تمر عبره نسائم ثابته أو حتى مغموراً في الماء حتى عنقه.
كل ذلك في محاولة للشعور بالرنين مع مانا العناصر الطبيعية. كلما طال استماعها لوصف التدريب بدأت قوري تشعر بسعادة حقيقية لأنها لم تصل إلى هذا الحد بنفسها فقضاء أيام كاملة في محاولة التأمل وهي مهارة لا تزال تستعصي عليها حتى الآن بدا أمراً رهيباً. كان توفر الوقت للجلوس والحديث وتوجيه الأسئلة إلى قورس أفضل ما في امتلاك أيام حرة وهو ما قضت فيه معظم ساعات النهار. على الأقل عندما لم يكن مشغولاً في غرف الشيوخ التي تفادتها قدر الإمكان.
لم تره خارج اجتماعات الشيوخ طوال الأشهر التي قضتها تحت إشراف أورتيك وكانت مشتاقة إليه. قضت معه أكبر قدر ممكن من وقت فراغها طوال الأيام الأربعة. تراوحت نقاشاتهم بين بقية أفراد الفقس الذين كانوا يؤدون بلاء حسنا في تدريبهم مع بعض الثناء من الشيخ ألدر على لسق ومهارته وصولاً إلى شؤون السياسة داخل القبيلة التي صار لدى قوري فهم أوضح لها الآن فصارت تمتلك عدة آراء تشارك بها وهي آراء كان عليها كبحها عادة نظراً لأن أورتيك لم يكن يشجع تعليقاتها كثيراً.
لكن جل حديثهما تركز على أمور تخصهما أكثر ومناقشة تقدمها.
قالت: "إذن تمكنت من بلوغ الحد الأقصى لمستوى إحدى مهاراتي وهي الخط الأساسي فلماذا لم تخبرني أنه لا يمكننا تجاوز المستوى الخامس حتى نختار الوظائف؟"
قال: "بالفعل يا له من أمر. أعتقد أنه لم يكن بالأمر المهم قط. يحصل معظم الصغار على مهارة واحدة أو ربما اثنتين قبل نهاية عامهم السادس. امتلكت واحدة فقط بنفسي وهي التربية الأساسية".
أخذ لحظة للتفكير في أطفاله الآخرين: "الآخرون الذين اخترتهم عادة يملكون اثنتين وأحيانا ثلاث رغم أن قور امتلكت أربعا على ما أظن".
"ألا توجد حقا طريقة لترقيتها حتى أتمكن من اختيار وظائفي؟"
"لا شيء أعرفه".
أخذ لحظة للتفكير: "يمكنك دائما سؤال الأمهات لكني أتوقع أن تتلقي الإجابة ذاتها".
"ربما يجدر بي...".
أخذت لحظة قبل أن تصرف الفكرة وتعدها شيئاً يُفعل لاحقاً: "إذن أعتقد أنه بمجرد أن أتمكن من ذلك سأحتاج إلى أخذ وظيفة تتعلق بالكتابة لتطوير المهارة عندما أرفع مستواها بالكامل؟".
توقفت للحظة: "هل يعني ذلك أنني سأحتاج إلى القيام بكثير من الكتابة لرفع الوظيفة أيضا دون أن أتمكن من زيادة المهارة؟"
"صحيح رغم أن امتلاك المهارة في الحد الأقصى مسبقا سيجعل تلك المهمة يسيرة للغاية. أعتقد أن هناك وظيفة ناسخ مبتدئ يكون الخط مهارتها الأساسية بل مهارتها الوحيدة في الواقع إذا كنت أتذكر بشكل صحيح ويمكنك اختيارها. ومع بلوغ المهارة ذروتها في المرحلة الأولى فسيكون بمقدورك قضاء أيام قليلة في تلقي الإملاء أو نسخ اللفائف ذات التعقيد والمستوى الكافيين لرفع الوظيفة دون صعوبة تذكر".
عاد إلى دوره كمعلم حكيم ليواصل قورس تقديم التوجيه الذي افتقدته قوري طوال الأشهر القليلة الماضية.
"فمعظم الخبرة المطلوبة لرفع الوظيفة تأتي من تحقيق المستويات في مهاراتها الأساسية في النهاية".
أخذ لحظة للتفكير قبل أن يقدم منظورا مختلفا قليلا: "أو ربما الطريقة الأفضل للتعبير عن ذلك هي أن معظم العوائق أمام رفع مستويات الوظائف هو نقص مستويات المهارات. لم أكن متأكدا أبداً أيها أكثر دقة إن كنت صادقاً".
وهز رأسه.
"إذن أنت تقول إن رفع وظيفة الناسخ هذه سيسمح لي بتطوير الخط لذا يجب أن أضعها في الحد الأقصى للمستوى لكي أتمكن من رفع الوظيفة بالكامل".
راحت تتبع منطقها خطوة بخطوة: "وبما أنني أمتلكها بالفعل في الحد الأقصى فلن اضطر إلى بذل جهد كبير كما كنت سأفعل لو كنت ما زلت بحاجة إلى مستويات المهارة؟".
وارتسمت على وجهها ابتسامة فخر وهي تستنتج ذلك.
"هكذا تماماً نعم. أعتقد ذلك على الأقل. توجد مدارس فكرية عديدة حول آليات النظام وبما أنه متردد للغاية في إجاباته فنحن نترك لنعتمد على أنفسنا في معرفة خباياه".
"إذن إن كان بإمكاني رفع المهارات دون أخذ الوظيفة ثم أخذ الوظيفة لأيام قليلة لتطويرها ألا يمكنني الانتظار حتى تصل المهارة المطورة إلى الحد الأقصى مجدداً وأفعل المثل؟".
باتت واضحة الحيرة على وجهها بشأن الغاية من الوظائف.
"ما جدوى أخذ وظيفة بينما أعمل على رفع المهارة؟"
"اللقب بالطبع".
قالها كأنها سألَت عن أمر بديهي تماماً.
"ألم تخبرك الأمهات بكل هذا العام الماضي؟ حين تأخذين وظيفة تحصلين على لقب متعلق بها وهو لقب يعزز معدل نمو مهارات الوظيفة الأساسية والثانوية بينما يمنحك مزايا طفيفة أخرى".
"آه... إذن يمكنني رفع مهارة بينما أعمل على أمور أخرى ومن الأسهل رفعها إذا امتلكت وظيفة تختص بها... إذن فالصغار يفعلون كل شيء بالطريقة الصعبة إذن؟".
ظهر التذمر في نبرتها قرب النهاية.
"صحيح مجدداً لكن القيام بالأعمال الشاقة يمنحك فئات أفضل. لا ترغبين في الجلوس في جحرك طوال اليوم حتى كشف الفئة وينتهي بك المطاف بفئة هائم أو ناسك أليس كذلك؟".
قالها بنبرة شخص يروي قصصاً مخيفة أو يوجه تحذيرات لصغار الطحالب كي يتناولوا طعامهم.
"أسمع أن ذلك يحدث مع ذوي البشرة الناعمة على السطح حيث ينتهي بهم المطاف بففئات غير مرغوب فيها وعليهم العمل بجهد أكبر للعودة إلى مسار سليم مع صعودهم".
"أهذا أمر يحدث حقاً؟! أثبتت حكاية الفئة المخيفة تأثيرها بوضوح. "ليس بين العشيرة كلا.
فنحن الشيوخ نضمن أن يعمل جميع الصغار بجد لضمان عدم حدوث ذلك".