متأخرةً من ذلك المساء، قررت كوري أخيرًا العودة إلى غرف حضنة البيض، متخبطة ببطء عبر الأنفاق والغرف المتنوعة في طريقها. كانت الخطوط التي تركتها الدموع قد مُسحت بالفعل عن حراشفها، غير أن عينيها ظلتا غائشتين ومطأطأتين وهي تتجاهل نظرات المارين المختلفين. وما إن دخلت الغرفة الرئيسية لحضنة البيض حتى رأت كورس يجوب المكان ذهاباً وإياباً، بينما يفسح له الحراس مجالاً والنظرات القلقة تحيط به من كل جانب.
صاح كورس حين دَخَلَت: "ها أنتِ ذا! أين كنتِ؟ قالت يلست إنها أرسلتك منذ ساعات، لقد قلقنا جميعاً."
هرع إليها وأمسك بكتفيها، جائلاً بنظره صعوداً وهبوطاً ومستقراً بوجهها.
أجابت بعبوس وبوضوح أنها لم تكن في مزاج يسمح لها بالمخالطة: "احتجت إلى بعض الوحدة... ذهبت وشاهدت الصيادين وهم يجرون صيدهم... وكأن لم يكن لدي أي شيء آخر أفعله..."
قال: "أخبرتني بما حدث... أنا آسف يا كوري..."
ارتفع صوتها وهي تتابع: "لماذا عليك أن تكون آسفاً؟ إنه ليس ذنبك، بل ذنبي أنا. أنا... أنا... لقد فشلت... لا أستطيع فعل ذلك. لقد حاولت مراراً وتكراراً... لا يهم ما أفعله، أنا عاجزة عن تعلم تلك المهارة البليدة..."
هددت الدموع التي طُردت قبل وقت قصير بالعودة إلى عينيها.
"لا أعرف ما أفعله الآن... قالت العجوز يلست إنني سأحصل على فترة تدريب جديدة، وإنها ستسعى للمساعدة... لكنني لا أعرف..."
أفلت كورس كتفيها وأشار إلى كوري لتجلس معه.
"أه يا كوري... بعض الأمور لا تكون مقدرة."
نظر إليها متأملًا: "أقالت العجوز شيئاً عن قصدها حين ذكرت أنها ستسعى للمساعدة؟"
هزت رأسها وقالت: "قالت فقط إنه يتوجب عليها مناقشة الأمر مع شخص ما أولاً، ولم تذكر حتى من هو الشخص الذي تحتاج إلى التحدث إليه... وأنني إن كنت مستعدة لتجربة ذلك، فقد يكون الخيار الأصعب على الإطلاق لأي متدرب... لكن إن فعلت، فقد يظل هناك سبيل لتعلم كيفية استخدام السحر."
تسللت نبرة يأس إلى صوتها مع بلوغها النهاية.
فرك كورس يده على خطمه مفكراً، بينما تجعد حاجباه وتكون عبوس عميق: "أعظ الظن أنني بحاجة للذهاب والتحدث مع العجوز... إن كانت تعني ما أظنه... أنصحك ألا تسلكي هذا الطريق يا عزيزتي، لكن الأمر يعود إليك."
قالت: "ما هو؟ لماذا تتحدثان وكأنه سيكون أصعب من التخلي عن استخدام السحر إلى الأبد؟ لا أريز الاستسلام، ولن أستسلم."
قال: "لماذا لا تذهبين للراحة. لقد كان يوماً شاقاً. سأعرف المزيد في الصباح؛ ويمكننا مناقشة هذا مجدداً حين أتأكد وتكونين أصفى عقلاً."
تمرّ الليلة متقطّعة الأوصال بين نوم مضطرب، وتقلب، وتأنيب ضمير، ولوم للنفس، ودموع هاطلة حيناً وممسكة حيناً آخر، وكلّ ذلك بينما تحدّق ببصارها نحو سقف مأواها بلا غاية. في محطات عديدة طوال الليل، تحاول مجدداً حتى تطبيق تمارين [التحكم بالمانا]، فتجمع قليلاً من ماناها، قليلاً فقط هذه المرة، في كفّيها، ثم تطلقها ببطء، وبسرعة، وتارة تحاول حبسها في فمها، وكلّ محاولاتها تنتهي بالنتيجة ذاتها بلا أي تبدّل.
تُكره نفسها على التوقف حين تتناقص ماناها من جديد، إذ لا ترغب في تكرار خطيئة الأمس. حين يقبل الصباح وتسمع إخوتها جميعاً وهم يستعدّون ليومهم، تستلقي كوري مكانها محاولة حجب ذلك الصخب. كأنه الأمس، كلهم ذاهبون إلى معارفهم وأنا هنا محبوسة وحدي... حين لا تخرج من مأواها، وهو المعتاد في مشيها مع أختها كل صباح، يطمئن عليها بلك.
يدسّ رأسه في جحرها الصغير فلا يلقى سوى الصدّ، إذ تصيح به كوري: "ابعد عني... لم أعد متعلمة... لقد طردوني لأنني عجزتُ عن تعلم تلك المهارة اللعينة. ما لي لا أعود طفلة حديثة الخروج من البيضة..."
"ماذا؟ آه. آه لا. آسف يا كوري..."
"لم يصر الجميع على قول ذلك؟ لا ذنب لك أنت، أنا الغبية التي عجزت عن تعلم مهارة تافهة! حتى غشيم مثل أوري استطاع فعلها... ابعد عني، اذهب وتعلم السحر ودعني وشأني."
تتدحرج لتعطي أخاها ظهرها، ولا تعير اهتماماً لمحاولاته في مواساتها وتخفيف وطأة ما تشعر به. ولا ترى نظرة الألم في عينيه قبل أن يغادر، مضطرّاً لمواصلة طريقه وحده. يلقى قدوم كورس حجرة تفريخ خاوية، إذ لم يفطن المشرفون حتى إلى أن كوري لم تغادر مع إخوتها، ولا خرجت لتناول طعامها. تسمع أصداء مبهمة لنقاشهم في الحجرة الكبرى، وما تدركه منها لا يتعدى اسمها، لتستنتج أنه كان يخبرهم بما جرى.
وما هي إلا لحظات حتى يخيم ظلّ عند مدخل مأواها: "أظن آن أوان نهوضك يا كوري. لا طائل من اختبائك هنا طوال اليوم، ولدينا حديث ينبغي أن نستكمله."
"ما فائدة ذلك؟ لقد أخفقتُ... أنا فاشلة... لا مبالي إن نلت تعلماً آخر، سيعلم الجميع هناك أن وجودي سببه إخفاقي، وأنني أودّ العودة إلى ساحة التدريب لأحاول تعلم السحر وأخفق مجدداً..."
"آه، كفى هذا القدر أيها الصغير."
كانت نبرته أقسى مما تذكر كوري له يوماً: "ستخرجين إلى هنا، وتأكلين إفطارك، ولنناقش ما ستؤول إليه الأمور. لقد كابدت العجوز يلست وجادلت طويلاً لتظفر بهذه الفرصة من أجلك، فرصة عارضتُ منحكِ إياها على فكرة، ولن أسمح لك بإضاعة جهودها سدىً في سبيل شفقة النفس."
"عارضتَ؟! لمَ لا ترغب في أن تتاح لي فرصة أخرى لتعلم السحر..."
يعود بصيص من الألق إلى صوتها: "أعجز عن تصديق أنك حاربتَ في سبيل منع ذلك، لماذا؟"
"حسناً، لعلّ عليك الخروج إلى هنا وتناول شيء ما إن أردت معرفة السبب."
يسري في صوته مسلك مشاكس وهو يتحدث. فهو يعلم يقيناً أنها لا تطيق سؤالاً بلا جواب. بلا التفات لترى إن كانت تتبعه، يبتعد كورس عن مأواها قاصداً منضدة الحجر الصغيرة التي يعكف على العمل عليها مراراً. تخرج كوري زاحفة من مأواها على كره وتأفف، وتتبعثر خطاها على أرضية حجرة التفريخ، متجنبة نظرات الشفقة الملقاة عليها من المشرفين الآخرين. ترى طعاماً قد مُدّ على منضدة كورس، حصة من سمك شاحب نحيل شبيه بما رأتهم يجلبونه بالأمس، مستقراً على فراش من طحالب الكهف المسقية بقليل من الزيوت.
تجلس أمام الإفطار المرصوص الذي يشير إليه وتفتح فاها لتكرر سؤالها، فيقاطعها: "الطعام أولاً"، دافعاً طبق الصخر بيديها نحوها سريعاً.
بعد وجبة عجلى، التهمتها بشكل آلي بالكاد استطعمت طعمه، تسأل أخيراً السؤال ذاته، السؤال الذي طرحته في حياتها القصيرة أكثر من أي شيء آخر.
"لماذا؟"
"الأسباب جمّة، أولها كما قالت العجوز يلست، أنه التعلّم الأصعب إطلاقاً المتاح أمام الصغار. وثانيها أنه يكسر تقاليد أقدم من عمري. وأخيراً، لأنني لا أراها الدرب الملائم لك."
"ما هو إذاً؟ لم تصرح أنت ولا يلست بما تبتغيان مني، أو ما لا تبتغيان. جلّ ما قلتماه إنه سيكون عسيراً وأن أحدهم اضطر للاسترضاء كي يُسمح به."
ترفع كوري صوتها مجدداً، ساخطة من إبهام ما يخبئه مستقبلها.
"أأخبرتك يلست أنها كانت تجادل، لأسابيع على ما يبدو، الزعيم أورتيك لتبقيك مع السحرة؟ أأخبرتك بالسبب وراء استحالة ذلك؟"
يردّ كورس سؤالها بسؤال، متهرباً من صلب الموضوع لكنه يبدو أقرب قليلاً مما اشتهت كوري يقيناً معرفته.
"لا، كل ما قاله إنه لم يلين..."
"إن وُجد ما يُقال في شأن الزعيم أورتيك، فهو تشدده الصارم تجاه القواعد. 'قد تنحني التقاليد، لكن القواعد وُضعت لعلّة. وما لم تتمكني من إقناعي بأن القاعدة برمتها باطلة، فلا استثناءات تُذكر.' كانت تلك إجابته ليلست في النهاية."
لم يكن تقليدها بارعاً تماماً، لكنه أتى واجداً كفاية.
"ومع ذلك واصلت الجدال، لكن تماماً كما قالت، لم يلين."
"تبيّن أن تلك العبارة الواحدة، التي رددها الزعيم بصيغ شتى مراراً، كانت نهاية فرصتك في غدوّ ساحرة والفتحة التي احتاجتها العجوز يلست لحمل الزعيم على خرق تقليد راسخ والموافقة على اتخاذك متعلمة مشعوذة. وليست أي متعلمة مشعوذة كذلك، إذ لا تسمح القواعد بذلك، بل لتكوني متعلمته الخاصة."
"مشعوذة؟ مهلاً، 'متعلمة خاصة'؟ أتعني أن يعلمني زعيم عشيرتنا بأسرها مباشرة؟"
يتبدى دهشة كوري في عينيها الواسعتين وفاها المفتوح، فمن الجليّ أن هذا لم يكن خياراً بين خياراتها العديدة.
"ظننتُ فحسب أن العجوز يلست تحاول جعل أحد السحرة العجائز المتقاعدين يتولاني بشكل شخصي أو ما شابه..."
تتمتم بكلامها، ولا تزال تحت وطأة الصدمة.
"آه، لقد حاولت ذلك أيضاً، لكن مجدداً، القواعد قاعدة. الدائرة، كما يطلق المشعوذون على أنفسهم، تنتقي المتعلمين بندرة ودائماً مبكراً قبل أن يقول بقية الشيوخ كلمتهم. وجرياً على العادة يتعلق الأمر بشيء يدعى 'مباركة الروح'، أي تجتمع الدائرة، وتتواصل مع الأرواح، ولا تصطفي سوى من تختاره الأرواح. ومكمن الأهمية هنا أن هذا تقليد، لا قاعدة، وهنا ضربت يلست، مستخدمة كلماته ضده."
يتوقف كورس ويبدو على محياه الاستنكار وشيء من الرضا المتعجرف.
"لقد تحلت بجرأة عظيمة لطرح هكذا جدال، لا بد أنك تركت أثراً لتذهب إلى هذا الحد."
"والآن ثمة قاعدة بالغة الأهمية تخص المتعلمين حين يتعلق الأمر بالمشعوذين، فرئيس الدائرة، الذي تصادف ليكون الزعيم ذاته، يحق له اتخاذ متعلم شخصي يختاره ليعلمه ويكون عوناً له. وعادة ما يكون هذا أحد المتعلمين الأكبر سناً ممن ألمّوا بطرائقهم أو حتى مشعوذ مكتمل الرتبة، لكن لا توجد قاعدة تلزم بذلك، ولا حتى تشترط أن يكون من متعلمي الدائرة. بل يكفي أن يتخذوا أي متعلم يروق لهم."
يهزّ رأسه غير مصدق أن ذلك الجدال قد صمد.
"إذن جادلت العجوز يلست بأنه نظراً لكون الأمر غير محظور بالقواعد عليه، وبما أنه هو نفس الضرورة التي تجيز انحناء التقاليد، فينبغي أن يتخذني متعلمة خاصة به؟"
وقد غدا فاهها يفتح باتساع أكبر بينما يشرع كورس في تفسير الحال، ليغدو الآن مسترخياً في ذهول وشيء من الرهبة تجاه حيل يلست.
"تماماً هكذا، نعم. يبدو أنه بينما لم يأخذ المنادي بالروح أورتيك أي متعلم لأعوام مديدة، فإن هذا سينتهي اليوم."