إيمبرسكال، الكيميائي الفصل 14 — أثراً بعد عين

اقرأ إيمبرسكال، الكيميائي الفصل 14 — أثراً بعد عين باللغة العربية على مانجا تايم.

كما توقع الجميع، لم تفد مهارة [إدراك المانا] كوري في شيء خلال جلسات التأمل الصباحية. بل زادت الطين بلة حين صارعت رؤية تيارات المانا وأدوامها السابحة في أرجاء العالم، فكانت محاولاتها المستميتة للإمساك بها والسيطرة عليها نقيضاً تاماً لكل التوجيهات التي ملّت من سماعها.

أتقنت الجزء الأول تماماً مثل البقية، كلهم قالوا القول نفسه: "استشعر المانا في داخلك واجعلها تتدفق من أطرافك نحو العالم".

هذا جميل ومقدور عليه، نجحت في ذلك حقاً... لكن كيف بحق الجحيم أمنعها من التطاير كسحابة خفيفة فأفقدها برمّتها؟ في كل مرة أحاول فيها، يبدو الأمر كنفض الغبار عن إحدى الحصائر الجلدية، تنتشر في كل اتجاه ضمن سحابة عشوائية... كوري ليست وحدها الضجرة من هذا الوضع. تتابع التأمل الموجه معها متدربة أخيرة تُدعى أوري.

ألقت هذه الأخيرة باللوم على تعثرها لا في قلة حيلتها كما رأت كوري، بل في "حركات كوري المشتتة".

بينما خلص الكبار المشرفون على هذه الجلسات إلى أن تخصيص كل متدربة بدرس فردي هو الخيار الأمثل. بدا هذا رائعاً بالنسبة لأوري. أما كوري فلم يعنِ لها سوى أن تصير المحور الوحيد لفشلها المتكرر والمكشوف على الملأ... خصوصاً حين نالت أوري تلك المهارة بعد أيام قليلة. راحت تهتف وتصيح جذلى، ثم أدت حركة بذيئة تجاه كوري حين لمحتها تراقبها. بعد شهر تقريباً من الدروس الفردية، جلست كوري بصفتها متدربة متقدمة بوشاح بنيّ يرمز لقدرة الأرض.

عادت لتباشر درسها في ركن من مساحة التأمل.

"استشعر تدفق المانا داخل جسدك، ومن خزان القوة العميق في الداخل، استدرجها برفق نحو كاحلك ودعها تستقر هناك، تماماً تحت السطح ريثما تهدئ عقلك. وحين يصفو عقلك ويطمئن قلبك، اسمح للمانا بالانتشار من راحتك لتتدفق في الهواء الطلق، ووجهها بلطف لتتخذ شكلاً بحسب إرادتك، لا يامر الحجم إن كانت حصاة بسيطة أو تمثيلاً معقداً. احفظ ذلك الشكل في أفكارك ووجهه نحو المانا وهي تفلت من حراشفك".

تابعت التوجيهات مجدداً، جامعَةً المانا من مخزنها الداخلي. ومع انقضاء الأيام والشهور وارتفاع مستواها العرقي حتى بلغ المستوى السادس، تضاعفت كمية مانا لديها أيضاً. استندت إلى هذا المخزون بعمق وهي تدفعه نحو كديها المضمومتين أمامها. توقفت تحاول إفراغ عقلها من الإحباط والتوتر والخواطر الشاردة. توقفت ريثما تتجمع المانا في راحتيها محاولة بلوغ الحالة الذهنية التي وصفها معلمها، وألقت بها أخيراً في الهواء مريدة إياها أن تثبت بين كفيها حصاة صغيرة مثالية، تلك الحصاة ذاتها التي أمضت أيّاماً تدرسها لتطبع صورتها في ذهنها، فإذا بالمانا تتطاير مرة أخرى.

هذه المرة بحجم أكبر قليلاً عما قصدته، إذ انتشر ضباب رمادي مائل للبياض من المانا حولها بسرعة، دافعة المانا الموجودة أصلاً في الهواء ومغدقة على المحيط بينما أفلتت من قبضتها تماماً من جديد، ولم يتبقَ حتى أثر ذرة في راحتيها حيث حاولت تشكيلها. بدأ ألم خفيف يتشكل خلف عينيها وتزعزع توازنها بينما شرع العالم يدور ببطء.

"مهلاً، مهلاً، ليس بهذا القدر يا كوري! ستفرغين مخزونك من... وفات الأوان..."

بينما لم يكن هذا هو الدرس الذي راموا تلقينه الشابة كوري في ذلك اليوم، إلا أنها تعلمت أمراً بالغ الأهمية؛ إفراغ مخزون المانا بالكامل حتى يصل الصفر ليس بالفكرة السديدة قط... أمضت الدقائق التالية تتأمل هذه الحقيقة بعد أن هوت على ظهرها. عجزت حتى عن الوقوف دون أن تدور الدنيا برأيسها ويحاول إفطارها العودة إلى العالم. وفي الأثناء كانت تناهى إلى سمعها همسات خافتة من المتدربين والسحرة على حد سواء.

"أرأيتم احدهم يفرغ مانا هكذا من قبل؟"

"قط قط، لم أكن أعلم أن هذا ممكن أصلاً..."

"أرأيتم كمية المانا التي أطلقتها؟"

"أجل، هي أصغر مني بسنتين ولست متأكدًا من قدرتي على مجاراة ذلك..."

"أتظنها بخير؟"

"لست أدري، حتى أصلب المتدربين عوداً لا يستغرقون كل هذا الوقت..."

ومع استمرار التمتمات، ارتفع صوت آخر فوق البقية: "ما بالكم محتشدين هنا تتثرثرون؟ ألديكم أعمال أفضل لتنجزوها".

اقتربت العجوز يلست من المجموعة وهي تتحدث، وعلا صوتها شيئاً فشيئاً حتى وصل كوري.

"ما الذي جرى؟ أمرتكم بدفعها لتجاوز عقبتها، لا محاولة تحطيمها".

"أيتها العجوز! كانت تجرب تمرين التحكم من جديد وضاقت ذرعاً فدفعت الأمور بقوة، ويبدو أنها أفرغت مخزون مانا تماماً..."

"حقاً؟ حسناً... ساعدوها على الانتقال إلى بعض الحصائر الجلدية لتستريح... عليَّ محادثتها حين تكف عن رؤية ثلاث نسخ مني".

استراحت كوري وقد أُلقيت بلا مبالاة على بضع حصائر جلدية، وراحت تحاول استعادة وعيها بينما تدور الأفكار في رأسها متخمة بكلمات قاسية بحق نفسها. ما خطبي؟ لمَ لا أستطيع إتقان هذا... إنها لا تصغي لإرادتي أو أياً كان ما تفترض طاعته بحسب الموازين. حتى أوري تعلمت ذلك! أوري! تلك التي تماثل ذكاؤها وحل كافوراً...

[التحكم بالمانا]

هو منطلق كل شيء، [تشكيل التعاويذ] ليس سوى أخذ تلك المانا وصياغة تعويذة منها، [نقش الرُّون] هو اقتلاعها وحشرها في رُون نحتَّه وجهزته بالمتطلبات، كل شيء يبدأ من هناك عدا أنني عاجزة عن جعل هذا الشيء يفعل شيئاً سوى التلاشي. بعد قرابة الساعة، وبعد أن كفت رؤيتها عن الدوران، نجحت أخيراً في الجلوس، لم تكن تشعر بقدرتها على الوقوف بعد لكنه تقدم على أي حال. التفت برأسها فكدن تعود إلى الحصيرة إذ لم تبدو رؤيتها مواكبة لسرعة التفات رأسها.

وحين استقرت مجدداً، أدارت بصرها ببطء في المكان، لتجد العجوز يلست جالسة متربعة بالقرب منها وعلى حجرها لوح خشبي تنشط في مراجعة عدة أوراق.

وحين همت بالنهوض سريعاً لتحية العجوز، سبقتها يلست قائلة: "أنصحك ألا تفعلي، فاحتمال وقوفك على قدميك يضاهي احتمال سقوطك على مؤخرتك".

لم تكن كوري قد رأت يلست ترفع رأسها عن عملها، ناهيك عن النظر إليها، لكنها أدرقت أن العجوز محقّة على الأرجح.

"حاضر، أيتها العجوز..."

تمتمت بوهن.

"سأكون معك بعد لحظة، فلدينا نقاش يجب أن نخوضه".

"بالطبع، أيتها العجوز..."

لم تكن متأكدة مما سيحدث، لكنها بدأت تظن أن هذه المحادثة لن تكون لطيفة. وبعد مرور دقائق معدودة، ومع تزايد ثقة كوري بأطرافها، جانبت العجوز يلست الطاولة الصغيرة والأوراق التي كانت تنشغل بها.

"ما فعلته اليوم كان مثيراً للإعجاب ومتهوراً في آن، إفراغ مخزون المانا في تمرين تحكم، لست واثقة إن كنت سمعت بمثل هذا من قبل. شعرت بنبض المانا الذي أطلقته قبل قليل من منتصف ساحة التدريب. لا بد أن أسألك، هل نجحت في النهاية في اكتساب المهارة؟"

تدلى رأس كوري وهي تجيب: "لا يا سيّدة..."

"كوري، أنت واحدة من ألمع كوبولد الصغار ممن عرفتهم. لديك بلاشك شرارة السحر طالما تعلمت [إدراك المانا]. جربنا كل حيلة خطرت ببال أحدنا لندفعك قدماً، لكن إن استطعت إطلاق كل ذلك ولم تتمكني من حصر جزء يسير منه، فأشك أن هناك ما تبقى لتجربته. بات جلياً أن مسار السحر ليس ملائماً لك..."

"لكني أبذل قصارى جهدي! أؤدي كل ما يأمرني به الكبار وأعمل حتى ساعات متأخرة من الليل في جحري! حاولت صنع رُونات لأدفع المانا إليها، بل سمح لي النقاشون بمحاولة تشغيل رُونات حقيقية... لست أدري ما الذي يمكنني تجربته أيضاً".

تدفقت كلمات كوري في سيل من التوتر، محاولة نقل كم عانت لتعلم مهارات السحر.

"أعلم، لقد ناقشت الأمر مطولاً مع مختلف معلميك".

بدت مسحة حزن على وجه يلست.

"لقد مضى نحو ستة أشهر على بدء فترة تدريبك، بل أيام معدودات وتكتمل. بالنسبة لمعظم المتدربين، لا يعني هذا التاريخ شيئاً. لكن الأمر لا يسير بهذه البساطة دائماً. إن أخفق المتدرب في اكتساب المهارات الأساسية المطلوبة لمهنته في غضون ستة أشهر، يُعتبر غير لائق لتلك المهنة ويُلغى تدريبه..."

"ماذا؟! ماذا تعنين بـ (يُلغى)؟"

"أعني ذلك فحسب أيتها الصغيرة، يُلغى، فلن تكوني متدربة سحر بعد الآن. يحدث هذا مرة كل عدة سنوات هنا بين السحرة، لكن لم يحدث أبداً مع من تملك إمكانات مثلك. لقد تشاجرت مسبقاً مع الزعيم أورتيك لأحاول ثنيه عن هذه القاعدة، لكنه لم يلين".

هزت يلست رأسها.

"لقد استنفدنا خياراتنا".

"لكن، لكن... لا أريد الاستسلام... أريد استخدام السحر... إطلاق اللهب أو الصخر... استدعاء الرياح..."

تجمعت الدموع في مآقي كوري، وانهارت كتفاها وتدلى رأسها أكثر، فعجزها عن التحكم بالمانا التي تمتلكها بوضوح حرمها حلماً رافقها منذ ذلك اليوم في فقاسة البيض حين شاهدت العجوز يلست وساحر الرياح كور يحيان مشطلاً بكامله لحماية صغار العشيرة من طاعون مفاجئ.

"أعلم أيتها العزيزة، أعلم".

تقدمت يلست لتجلس بجانب كوري على الحصيرة الجلدية، ووضعت يدها على كتفها محاولة مواساتها.

"أظن عليك العودة إلى غرف التخزين الآن. ما زال لدينا بضع أيام، لكنني أعتقد أن هذا هو مفترق الطرق بيننا. لدي خيار واحد لأجلك، لن يكون سهلاً، لكنه قد يعيد إلى مسار السحر. قد يكون أصعب خيار متاح لمتدرب، لكن إن كنت مستعدة فسأرى ما بوسعي فعله".

"أي شيء! لن أستسلم".

قاطعت كلماتها شهقة خافتة.

"ماذا يتوجب عليَّ فعله؟"

"لا أستطيع البوح الآن. ينبغي أن أناقش الأمر مع أحدهم أولاً، لكن إن استطعت إقناعه بقبولك، فستكتشفين قريباً حين يبدأ تدريبك التالي. جل ما يمكنني قوله هو حظاً سعيداً يا كوري، فأياً كان المسار الذي ستسلكينه لاحقاً، ستتأخرين ستة أشهر عن الآخرين، وسيكون بمقدور الجميع تخمين السبب..."

غادرت ساحة التدريب وظنت أنها المرة الأخيرة، لم تكد كوري تلتفت وهي تهيم في الكهوف، لقد قادتها التنقلات المتكررة بين المزارع والمقار وبقية مرافق كهوف إيمبرسكال برفقة النقاشين وهم يجددون الرونيكات التي تدير حضارتهم الصغيرة إلى كل ركن من أركان المدينة تحت الأرض، كهوف إيمبرسكال، فعلمتها كيف تتلمس طريقها فيها بكل سهولة. لم تقدها قدماها العاثلتان إلى حيث كانت ترتاد، بل وجدت نفسها على حافة إحدى البحيرات العميقة، سلسلة الكهوف المغمورة الضخمة المتصلة والمياه الجوفية حيث تجتمع العشيرة لصيد سمكها.

عثرت كوري على محراب صغير في جدار القاعة وأخذت ترمق الصيادين وهم يجلبون غلتهم، خطوط الحبال تمتد على طول الكهف ومثبتة في سقف تدعم الكوبولد الذين يتراكضون فوق سطح الماء بالشباك والخيوط، ويجرون السمك الشاحب نحو الضفاف. هنا، حيث توارت عن الأعين وأصبحت منسيّة، تسرّبت الدموع التي استقرت في مقلتيها لتتساقط بلا رادع.