أمضت كوري الساعات الأولى من تدريبها لتخرج بنتيجة قاطعة وصعبة للغاية، فهي لا تقبض شيئاً من التأمل ولا تطيقه. الجلوس بلا مبالاة؟ بلا حديث أو أسئلة؟
لا شيء من هذا يأتي عفوياً لكوري، بحق الجحيم، حتى سمتها تقول «عقل التنين لا يهدأ أبداً»
وتزداد يقيناً بصحة هذه العبارة كلما جلست وفكرت وحاولت تتبع التأمل الموجه والمتواصل لمدربها المتقدم. تبقى صورة المانا وهي تنجرف كضباب دخاني في الهواء عالقة في أفكارها، لكن الانزلاق إلى تلك الحالة التي يبدو أن رفاقها قادرون عليها يتهرب من عقلها اليقظ. بينما تجلس وتتململ، يتحرك ذيلها يمنة ويسرى كسمندل عصبي، جاذباً الانظار إليها من المحيطين بها ومن المتدرب الذي يقود المجموعة، لتتلقى النظرات الغاضبة من أولئك الذين تفسد تركيزهم.
تحاول التفكر في أمر «طبيعة المانا»
برمته، وتحاول النظر في الداخل «لترى ما يحيط بها»، لكنه يبدو بصراحة كأشياء كانت الحارسات تخبرها بها عندما تكون فضولية بشكل خاص وتريد منها شيئاً من الهدوء والسكينة لبعض الوقت...
في منتصف النهار، ينهض القائد من جلسته وينهي توجيهه المتواصل، "أحسنتم جميعاً، بدا معظمكم قادراً على الاستقرار في تمرين اليوم"، بنظرة حادة نحو الوافدة الجديدة، "هل نال أحد منكم مهارة [إدراك المانا] أو [تحكم المانا] اليوم؟"
يرتفع زوج من الأيدي بين المجموعة بينما تلتفت كوري حولها، وكلاهما كوبولدان يافعان لا تعرفهما، "أحسنتما! بمجرد إتقان [تحكم المانا] يمكنكما الانضمام إلى مجموعة سيدة الرياح كور العمل على تمارين [تشكيل التعاويذ]."
تبدو هذه المهارات الجديدة أكثر إمتاعاً بكثير من مجرد الجلوس على ذيلها ومحاولة «تهدئة عقلها»
أياً كان ما تعنيه هذه الكلمة...
"والآن، الجزء من اليوم الذي تفضلون جميعا تخطيه... أعلم أنكم تريدون أن تصبحوا سحرة، أو مشعوذين، أو ما شابه، وأنا أريد ذلك أيضاً، لكن حين تنفد مانا الخاص بكم وتواجهون غوبلنمعه سكين، ستكونون بحال أفضل بكثير مع عصا في أيدكم وبعض مستويات المهارة لتدعموها. خذوا بضع دقائق للتمدد، واجمعوا عصا من البراميل"، مشيراً إلى الجانب القريب من مدخل غرفة المؤونة، "والتقوني في حلبة النزال."
انتظري، تدريب بالعصا؟ كنت ضجرة، لكن هل علينا الآن اللعب بالعصي؟ ظننت أنني سأتعلم السحر، أو أطلق النار أو ما شابه؟ أعتقد أن لديه نقطة، فلا يمكنك الإلقاء إن نفدت المانا، لكن مع ذلك...
تلتقي عيني كوري بأخيها وهو يقضويلح, "مرحباً بلك!"
"كوري؟ ظننت أنك ستصبحين صيادة فخاخ؟"
"كلا! يبدو أن لدي سحراً! رغم أنني لم أوفق كثيراً في أمر التأمل برمته..."
"أه، تهانينا! استغرق الأمر مني أياما صالحة لاكتساب مهارة [التامل]، ولكن بمجرد حصولي عليها أصبح اتباع تعليمات القائد أسهل بكثير. أعتقد أنني قريب حقاً من [إدراك المانا]، فقد لمحت وميضاً منها اليوم!"
"انتظر، إنها مهارة؟ لم لم يذكروا ذلك الجزء، بل مهارة الإدراك وحدها؟"
"لست متأكدا، لكنها كذلك. يمتلكها معظمنا بالفعل، إنها تحدث هكذا بينما تتابعون المتابعة."
تتذمر كوري بصوت خفيض لعدم حصولها على تفسيرات ملائمة للأمور، وهي حقاً إحدى أكبر منغصاتها.
"أي نصائح؟ لم أستطيع الانخراط فيها فعلاً..."
"توقفي عن التفكير في أي شيء، ركزي على صوت القائد ودعي كلماته تتسلل إلى داخلك."
يفكر بلك لبضع ثوانٍ، "تلك هي النصيحة التي أسدوها إليّ على الأقل، وقد أدت غرضها أخيراً. هيا، نحتاج للوصول إلى النزال، إنه ممتع نوعاً ما في الواقع. وهنا لا يمكنك فض المعارك لأننا من المفترض أن نضرب بعضنا!"
يخرج بلك لسانه لكوري مداعباً وهو يقول الجزء الأخير، ولا يزال يشعر ببعض الألم من كل المرات التي تدخلت فيها كوري وأفسدت متعته كفرخ.
"أنت تعلم أنني كنت أمنعكم فقط من تحطيم رؤوسكم على صخرة أو الغرق بطريقة ما في بركتنا... أليس كذلك؟"
ما زالت حزينة بعض الشيء على بعض إخوتها، فقد يكون الانتقاء جزءاً طبيعياً من حياة الكوبولد لأنهم ينمون أسرع مما يتعلمون ويموتون أحياناً في نومهم حتى، لكن هذا لا يعني أنها لا تمقته وتمقت سمة [النمو السريع] المسؤولة عنه.
"أعلم، أعلم، على الأقل الآن، لم يمت منا أحد منذ وقت طويل. لقد تحدثت مع بعض المتدربين الآخرين منذ مجيئي إلى هنا، هل تعلمين أن معظمهم لم يكن لديهم حتى ثلاثين فرخاً في حضنتهم حين انتقلوا إلى غرف الحضنة؟ قال جميعهم بالكاد وصل عشرون منهم إلى مرحلة التدريب..."
ويتحول مزاجه إلى التجهم لحظة وهو يتحدث عن الحضنات الأخرى، "أعتقد أن البقية يدركون أيضاً وهم يتفاعلون مع بقية المتدربين ويسمعون الكوبولد الآخرين يتحدثون عن حضنتنا كأننا بدعة. لقد أحدثت أنت ولسق فرقاً حقاً."
"يكفي حديث عن هذا، دعنا نمسك عصا ونشرع في الأمر، فإذا تباطأنا، سيمنحوننا مهام تنظيف إضافية."
ويهرس منطلقاً نحو البراميل، وتتبعه كوري.
"هذه، استعملي هذه."
يناولها عصا، وفي حين أنها أطول بقليل من بلك، إلا أنها تبدو طويلة بشكل كوميدي في يديها بالمقارنة، فهي أطول منها بنحو أربعين سنتيمترا بسهولة.
"قد تكون كبيرة بعض الشيء عليك... لا أظن أن هناك عصي أقصر... ربما سيسمحون لك بتقصيرها قليلاً؟"
"عصا طويلة غبية... ثوب واسع غبي أيضاً..."
تتذمر كوري بصوت خفيض على تذكير آخر بقامتها الأقل من المتوسطة.
تلتفت إلى أخيها، "سأتدبر أمري..."
تتحول الساعة التالية إلى تمرين في الإحباط بالنسبة للفتاة الكوبولد اليافعة، فكل رفاقها أطول منها، وأقوى في الغالب، ولديهم بضعة أسابيع من التمرس عليها على الأقل. لذا فهي تفعل ما تجيده أفضل وقت القتال، وتبدأ باللعب القذر. ضرب الركب، والأصابع حيث تقبض على العصي، وشبك الأقدام وإسقاطها، واستخدام الضربات الرخيصة جملة وتفصيلاً. يؤنبها مدربهم مراراً وتكراراً لتلتزم بالأشكال، لكن في كل مرة تحاول فيها ذلك تنتهي في الرمال بنظرات الاستعلاء الشامتة من شريك نزالها، وهو أمر لا تطيقه كوري.
يراقب أخوها هذا كله بتسلل بالغ، باستثناء المرات التي يقترن فيها بها، إذ كان هو نفسه أو إخوته ضحية لأسلوب قتال كوري الخاص لسنوات كلما استفزت للقيام به، رغم أنه سعيد لعدم وجود طعام متورط، فتلك الشرهة الصغيرة كانت تصبح جدية حينها. يبدو أن خصماً بعينها تأخذ على محمل الجد تكتيكات كوري، فهي تراها تحدق فيها بعد أن أسقطت كوبولداً أقرب إلى قامة كوري نفسها، رغم أنه كان لا يزال أطول منها بخمسة سنتيمترات جيدة.
وبعد أن يأتي ويذهب بضعة متدربين آخرين في تناوب الخصوم، تجد نفسها مواجهة لتلك التي كانت تحدق بها. إنها تقريبا بطول لسق، رغم خلو هيكلها من الكثير من البنية، ولا تزال تنظر إلى كوري كأنها بحاجة إلى ضرب مبرح بتلك العصا التي تحملها.
"سأستمتع بهذا، لم يكن عليك القسوة هكذا ضد أخي. إنه ليس قويا جدا ولا يزال يتعلم."
"وأنا لست قوية جداً أيضاً وهذا يومي الأول، فما عذره إذن؟"
تسخر كوري بالمقابل، وهو التصرف الخاطئ تماماً لتتلقى تكشيرة من خصمتها. ومع القليل من الإحماء أو اتخاذ الوقفة، تندفع الكوبولد الأكبر نحو كوري وعصاها مرفوعة، مستهدفة ضربة رأس نازلة على رأس كوري ودون كبح نفسها. ترفع كوري عصاها رداً على ذلك، مميلة إياها قليلا لصد الضربة، لكنها تفشل في حساب أصابعها، وهو أمر كان يجدر بها معرفته نظراً لقيامها بالمثل للآخرين مسبقاً، وتتدحرج العصا على يدها مما يجعلها تتراجع بخفة مفزوعة من مفاصل أصابعها التي ربما تعرضت للكدمات.
"آه!"
"هه، ما زلنا في البداية، قزمة."
قزمة؟ قزمة! أكره وصف القزمة. حسنا، سأستمتع بهذا الآن.
"ستندمين على ذلك!"
تبدأ كوري بالقتال فوراً وكأن هناك طعاماً على المحك، فتعترض عصاها ضربة لاحقة من الجانب بينما تثبت الطرف السفلي للعصا، ثم تتقدم فورا ضمن مدى خصمتها، وتتراجع وتندفع بالطرف العلوي للعصا إلى الأمام كرمح نحو خطمها، مخطئة هدفها، لكنها تصيب الكتف رغم ذلك. ترتسم ابتسامة على وجه كوري حين تصيب ضربتها، ليست بالقوة التي تؤلم، لكنها تصيب وتخل بتوازن خصمتها. يفترقان وتبدأ كوري الهجوم هذه المرة، بمسح واسع بيديها القريبتين من طرف المقبض، وهي ليست وضعية مستقرة بشكل خاص، لكنها تمنحها مدى إضافياً، وتخطئ بالكاد مع تفادي الضربة بالرجوع للخور.
تستمر المعركة، جيئة وذهاباً، وكوري متفوقة بوضوح لكنها تبذل قصارى جهدها. يبدأ هذا بأن يكون ممتعاً قليلاً على الأقل... فتُوجه إحباطاتها السابقة نحو التلويح بالعصا هنا وهناك. لتتلقى مفاجأة غير متوقعة، وميض ضوء صغير على حافة رؤيتها يشير إلى إشعار. <<اكتسبت مهارة، إتقان العصا الأساسي، شائعة، المستوى 1>> وبعد اكتساب المهارة تجد جذباً طفيفاً نحو الأشكال التي أريت لها في تأرجحاتها، لا لتغيرها بل لتوجيه الأرجحة قليلا نحو أهدافها، كأن عضلاتها تعرف بشكل أفضل بقليل أين تضع قوتها لضرب إصبع شريكها أو أين تزلق يديها على طول المقبض للحفاظ على توازنها عندما تصد ضربة ثقيلة.
التحسن ليس دراماتيكياً، لكنه ملحوظ قليلا على الأقل وتصبح تجربتها أسهل في الإصابة حيث تنوي وصد ضربات خصمها. تستغل هذه الرشاقة المكتسبة حديثاً لمباغتة خصمتها، فصدت ضربة من الجانب وكررت ضربتها الناجحة نوعاً ما الأولى في النزال، متقدمة ضمن مداها، ومسحبة العصا للوراء، وقد تموضعتا يداها هذه المرة للحصول على تحكم ودقة أفضل، ودافعة طرف العصا للأعلى لتستقر في ذقن خصمتها.
تغادر قدما الكوبولد الأكبر الرمال وهي تترنح للخلف بضعة أقدام، وتتدحرج عصاها جانباً وهي تهبط على ذيلها، ولا تتحرك لبضع ثوانٍ حتى تأن وتتدحرج على جانبها، وتتجه يداها إلى ذقنها حيث تتشكل عقدة بالفعل. والآن بعد أن انتهى نزالهما الصغير، تتلفت كوري حولها مدركة أنها محور الاهتمام، فقد توقف العديد من المتدربين الآخرين للمشاهدة وحتى المدرب القريب.
"شكل وقفتك غير منضبط، وهذه الضربة الصغيرة منك عرضة لتجعلك تطعنين عند التحرك نحو غوبلن بمثل هذه الطريقة، لكنها بداية جيدة أيتها المتدربة، فلم يسقط أحد أوري هكذا من قبل. أود رؤية تركيز أقل على الأصابع والركب رغم ذلك."
يلتفت المدرب نحو البقية وينادي، "هذا كل شيء لليوم. خذوا استراحة، ثم حان وقت الأعمال المنزلية."
وسط تذمر غير راضٍ من جميع المتدربين اليافعين. تحاول كوري مد يد العون لخصمتها، أوري على ما يبدو، لكنها لا تتلقى سوى نظرة حارقة مقابل جهودها.
"ابتعدي، أيا قزمة."
مجدداً؟ أوه، لن أطيقها...
تقترب من أخاها هازة رأسها من ردة فعل أوري "ماذا يقصد بالأعمال المنزلية؟"
التسلل بائن على وجه بلك، "كوري، لقد كان ذلك رائعاً! ظننت أنك لا تحبين القتال؟ لقد كانت أوري تضطهدنا طوال الأسبوع، الجميع ما عدا أخاها هناك."
مشيراً إلى الكوبولد الأصغر الذي أسقته كوري أرضاً قبل قليل.
"أنا لا أحب القتال... لقد نعتتني بالقزمة..."
تتمتم كوري بردها، ولابد أن بلك لا يزال التقطها إذ كشر عندما نطقت بكلمة قزمة. لقد جعلت كوري كرهها لذلك اللفظ معروفاً جيداً.
"إذن، ما قصة الأعمال المنزلية هذه؟ أظننا هنا لنتعلم كيف نصبح سحرة؟"
"أوف... لا عجب إذن."
هازاً رأسه لسماعه ما قالته أوري.
"أجل، هذا ما فعلناه للتو. والآن علينا القيام بالأعمال القذرة التي لا يريدها أي من المتدربين الأقدمين أو السحرة. هناك حوض ماء بجوار المكان الذي حصلنا منه على العصي، فلنشرب وسأريك ما سنفعله حتى نعود إلى غرفة الحضنة لتناول العشاء."
يبدأ بلك بالمشي شارحاً أن أول ما سيفعلونه هو تنظيف الحوض الذي يشربون منه، وعصيهم، ثم الذهاب لكنس منطقة النزال. وبعد ذلك سيتم تقسيمهم إلى مجموعات وتكليفهم بمهام مثل قضاء حاجات السحرة، وإحضار المؤونة، وتنظيف ساحات التأمل، والقائمة تطول.
"متى سنتمكن من التعلم أكثر إذن إن كان لدينا كل هذه الأمور للقيام بها؟"
"غداً صباحاً."
"أه... هذا... لكن... أريد التعلم أكثر الآن!"