ترك الأستاذ بوربانك الحوار يستمر نحو عشر دقائق قبل أن يعيد الجميع إلى الموضوع السابق. كان ذلك الطالب على حق. ستحتاج الأرض عاجلاً أم آجلاً إلى حل هذه المشكلات. لذا لم يمانع بوربانك في غرس هذه الأفكار في أذهانهم مبكراً هكذا. غير أن الدرس يجب أن يستمر.
قال: "كان الفصل الأول والثاني من المدنيين العاديين. لكن ثمة نقاشات تدور حول هذا الفصل بسبب وجود أدلة كافية تؤكد أن إمبراطورية غريمور قد وصلت إلى مرحلة صار فيها جميع مواطنيها متسامين".
"حقاً؟"
يبلغ عدد سكان الأرض ثمانية مليارات نسمة، لكن أقل من عشرة في المائة منهم يملكون على الأرجح موهبة المسار الاستثنائي. وفي الوقت نفسه، ربما فرضت إمبراطورية غريمور سيطرتها على مئات الأبعاد. لو كان الجميع متسامين لكان ذلك مرعباً بحق.
أوضح الأستاذ بوربانك قائلاً: "للسحر مكون جيني. يتمتع ساحران باحتمال تسعين في المائة لإنجاب طفل موهوب في السحر. ولهذا توجد نظريات ترجح أن إمبراطورية الأركان قد قضت تماماً على الكائنات غير الساحرة بالتربية الانتقائية".
"العبودية أولاً، والتحسين النسلـي الآن. أمتأكد أنت أن هؤلاء يمثلون ذروة حضارة السحر؟"
تجاهل الأستاذ بوربانك ذلك السؤال وتابع قائلاً: "ثمة احتمال آخر تمثل في التلاعب الجيني. من الممكن أن غريمور قد عثرت على طريقة لتنشيط جين السحر اصطناعياً أو حتى زرعه. لكن كل هذه تظل نظريات أو تخمينات. وما نعرفه على وجه اليقين، وما نملك أدلة دامغة عليه، هو أنهم ابتكروا جرعة تتيح للمواطنين غير السحرة إيقاظ أرواحهم إلى مستوى [المحارب]. مع ذلك، يظل مجهولاً ما إذا كانت هذه الجرعة متاحة بسهولة أو منتجاً نادراً محدود الإنتاج".
تذكر زين شيئاً فجأة ورفع يده: "أهي إمبراطورية غريمور التي ابتكرت [قالب السحر] لمحاربي الرونز؟"
أومأ الأستاذ بوربانك برأسه: "هذا صحيح. ووجود سحرة الرونز هو السبب أيضاً في اعتقاد الكثيرين أن الإمبراطورية لم تضم سوى السحرة وحدهم".
"لكنني سمعت أن أشخاصاً قلائل فقط أتقنوا هذه التقنية".
هز الأستاذ رأسه: "تلك معلومة يصعب التحقق منها. وحتى لو كانت صحيحة، أفتدرك ماذا تعني كلمة قلائل بالنسبة إلى إمبراطورية بهذه الضخامة؟ وحتى لو أتقن هذه التقنية أشخاص معدودون، فمن المرجح أنهم كانوا أشد قوة لدرجة تلبية احتياجات الحضارة بأكملها عند اللزوم".
قال زين وهو يومئ متذكراً ما أخبرته به السيدة فاليريا من أن غريمور قد حققت الإنتاج الكثيف للسحر، أو أن القدرة الإنتاجية للسحرة لم تكن تقل عن قدرة الروبوتات أو التكنولوجيا: "هذا صحيح".
"أستاذ، قلت إنهم إمبراطورية من السحرة وحدهم؟ ماذا عن الفرسان؟"
"كان الفرسان إما يُستخدَمون وقوداً للحرب أو للتعدين".
"ماذا؟"
"درب العديد من السحرة فيالق الفرسان لمساعدتهم في غزو الأبعاد أو أرسلوهم إلى المناجم. وعُدُّوا بديلاً أرخص ثمناً من فيالق الغولم أو الدمى السحرية. على أن هذا اقتصر على طبقة العبيد وحدها. أما المواطنون العاديون ممن حققوا إيقاظاً نصف روحي فكانوا يختارون أن يصبحوا سحرة رونز".
سادت القاعة مع بضع تنهيدات. ورغم أن كل الحاضرين كانوا من السحرة، إلا أنهم جميعاً كانوا يملكون زملاء سكن وأصدقاء وحتى أسرأً من الفرسان والمحاربين. لذا كان القول بأن فكرة إمبراطورية غريمور لم تلق شعبية واسعة لدى الكثيرين تقليلاً من شأن الواقع. لاحظ الأستاذ بوربانك هذا الصمت لكنه لم يعلق عليه. بل تابع محاضرته عن نظام الطبقات في الإمبراطورية.
"خُصص الفصل الثالث والخامس للسحرة، وهو مصطلح أود أن أمهد له بكونه مصطلحاً واسعاً يضم بضع مسارات سحرية كالشامانية أو السحرة المشعوذين. سنناقش الفروق بينها في الفصول القادمة".
استدار ليواجه الشاشة المجسمة مشيراً إلى الساحر ذي الدبوس.
"خُصص الفصل السادس وما فوقه للنخبة الحقيقية: [السحرة الأركانيين]. وهم ما جعل إمبراطورية غريمور فريدة. والآن، أنا واثق من أن كثيرين منكم يتساءلون بالفعل عن الفرق بين [الساحر] و[الساحر الأركاني]. حسناً، في حقبتنا الحالية، تبدو هذه الإجابة معقدة بعض الشيء".
توقف الأستاذ بوربانك محاولاً إيجاد كلماته التالية: "يختلف السحر القديم اختلافاً جذرياً عن السحر الذي نستخدمه حالياً. فقد كثف السحرة القدامى نوى المانا داخل قلوبهم تماماً مثل الفرسان. وفي الواقع، صُمِّم نظام الفرسان على غرار نظام نواة المانا. وفي النظام القديم، تعنى مراحل التأمل الأعلى وجود نوى أكثر، غالباً في القلب، لكن الأمر لم يكن موحداً؛ فقد كثفت بعض الأبعاد النواة في أدمغتها، أو في أعضاء أخرى. وتمثل مسار آخر في استخدام نواة واحدة مع تمديد أبعادها الداخلية لاحتواء مانا أكبر. غير أن هذا النظام واجه مشكلات عديدة. فالمانا ليست ضارة في حالتها الطبيعية، لكنك إن حاولت إجبارها على اتخاذ حالة صلبة أصبحت متقلبة. وفي مثل هذه الحالة المتطرفة، يسهل على الساحر فقدان السيطرة على مانا الخاص به، مما ينجم عنه انفجار يودي بحياته. ثم تبرز مشكلة طاقة الحياة: فأي منطقة يختارها الساحر لتكثيف نواته يجب أن تخضع للتدريب أو التعزيز الملائم، فهذه هي الوسيلة الوحيدة للسماح بمثل هذه الطاقة العالية والنقية بالتجمع دون مشكلات. وإلا كان فشل القلب أو الأعضاء أمراً محتوماً. لذا، وكما تتخيلون، كان ارتياد سحر في ذلك الزمان أمراً بالغ الخطورة، ليس فقط على الساحر نفسه. فلم تكن انفجارات المانا تتصرف بأي شكل يختلف عن الانفجارات العادية. وأجبرت هذه الحقيقة معظم السحرة على إيجاد مناطق معزولة لصعودهم، بيد أنهم لم يكونوا جميعاً على مثل هذا القدر من الوعي".
هز الأستاذ بوربانك رأسه لحظة قبل أن ترتسم ابتسامة على وجهه: "لقد كان وقتاً مليئاً بالتحديات حقاً. لحسن الحظ، حضر الساحر الأركاني وفعل ما يجيد فعله أفضل من غيره: الابتكار".
عرض الأستاذ مجسماً لعرض جسم الإنسان تحيطه دائرة زرقاء حول القلب.
"إن ابتكار مخطط رون القلب — المعروف أساساً برون الجوهر — يتيح للمانا التكاثف في حالة فائقة الصلابة لا تحتوي على طاقة أكبر من نواة المانا فحسب، بل تكون نقاوتها أرفع أيضاً. والأهم من ذلك، أصبحت المانا أكثر سهولة في الإدارة ضمن هذه الحالة؛ فلم يعد هناك أي خطر بالموت جراء انفجار طاقيّ — حسناً، فيما يخص الحلقات الست الأولى على الأقل. والآن، لم يعد الفشل سوى فترة وهن، ولا تأثير سلبي له على الروح أو إمكانات الجسد. لقد كان هذا النهج أفضل بمراحل كثيرة يصعب حصرها".
سأل زين فوراً: "يا سيّد، ألا نستخدم نحن أيضاً نظام حلقات المانا؟ أيعني ذلك أننا سحرة أركانيون أيضاً؟"
هز الأستاذ بوربانك رأسه: "لو كان الأمر بهذه السهولة وحدها. على خلاف ما قد تظنونه، تطور السحر وأحرز تقدماً لا يُحصى منذ الحقبة الأركانية. وكان أحد هذه التطورات ابتكار رون الجوهر القياسي".
توقف الأستاذ بوربانك عندما أدرك أن صفهم لم يناقش هذا الموضوع بعد، فقرر إعطاءهم شرحاً موجزاً.
"حلقة مانا كل ساحر فريدة، لكن ثمة قواسم مشتركة بينها، وأهمها الجودة. وما يحدد الجودة هو مخطط رون القلب. ستقدم البرج رون جوهر قياسياً مجانياً لجميع السحرة، لكنهم لا يستطيعون سوى تكثيف حلقة مانا عادية. تتمتع رونات الجوهر القياسية بتوافق بنسبة أربعين إلى خمسين في المائة مع مستخدمها. والتوافق بنسبة خمسعين إلى ستين في المائة يمكنه إنتاج حلقة بجودة جيدة؛ وسبعون إلى ثمانون في المائة تنتج حلقة مانا ممتازة؛ وثمانون إلى تسعون في المائة تنتج حلقة مانا عالية الجودة؛ وتسعون إلى تسعة وتسعين في المائة تنتج حلقة مانا بجودة مثالية. أما عن توافق بنمسبة مائة في المائة؟ فتلك تُدعى حلقات مانا ذات الجودة القصوى أو النهائية، ولا يستطيع تكثيفها سوى أشخاص قلائل".
سأل زين فوراً: "يا سيّد، ما مزايا حلقات المانا ذات الجودة الأعلى؟ والأهم من ذلك، كيف نحصل عليها؟ أيكون ذلك بالشراء؟"
أوضح الأستاذ بوربانك قائلاً: "المزايا عديدة. تمنح الحلقات عالية الجودة مالكها قدرات فريدة، مثل التجدد الفوري للمانا، وتعزيز الطاقة العقلية، وتخزين فائض المانا، وغيرها الكثير".
فكر زين: "إن كان هذا صحيحاً، فبعد أن يصبح المرء ساحراً ذا حلقة واحدة، تصبح جودة حلقة المانا متغيراً آخر في تحديد قوة الساحر".
"والأهم من ذلك، أن جودة مانا الخاص بك تحدد مستقبلك. إن طمح أي منكم إلى أن يصبح ساحراً عظيماً، فيجب أن تكون إحدى حلقاتك على الأقل عالية الجودة، وألا تقل الحلقتان الأخريان عن مستوى الممتاز".
"أستاذ، أخبرنا سريعاً كيف نحصل على رونات جوهر عالية الجودة".
أجاب بوربانك: "تحلى بالصبر، أنا آتٍ إلى ذلك. الإجابة عن سؤالك أمر معقد. والحقيقة هي أن رون الجوهر أمر شخصي. وأفضل طريقة للحصول عليه هي صنعه بنفسك. ويعود ذلك إلى كون العملية تتطلب معلومات حميمة عن الساحر: طولك، وزنك، عمرك، حالة طاقة حياتك، طاقتك العقلية، تقلبات روحك، والأهم من ذلك، مانا الخاص بك. يجب عليك قياس العديد من السمات الخفية لمانا الخاص بك: تردده، بصمته، وتوافقه مع جسدك، وطاقتك العقلية، وحتى روحك. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد من التعقيد. فمما أعلمه، إن كنت تريد صنع حلقة مانا ذات جودة قصوى، فيجب عليك إيجاد طريقة لقياس حظك وقدرك، وأخذهما بعين الاعتبار عند صنع رون الجوهر".
توقف الأستاذ بوربانك، وساد القاعة صمت مطبق لدرجة أنه كان يمكن سماع دبيبة إبرة تسقط على الأرض.
"يمكنكم تخيل المعرفة والحسابات المطلوبة لهذه العملية. أغلبية السحرة عاجزون عن استنتاج رون الجوهر الخاص بهم، ومن يستطيع ذلك يجد صعوبة في صنعه بتوافق عالٍ بالقدر الكافي، ولهذا السبب يوجد أشخاص وظيفتهم القيام بذلك نيابة عنهم: علماء رياضيات الرونز والمحللون. للأسف، البيانات المطلوبة للعملية ذات قيمة لا تُقدر بثمن. وإذا وقعت في يد خاطئة يوماً، حسناً، فالقول إنك هالك هو أقل ما يمكن وصفه".
فكر زين: "يا له من كابوس مرعب".
فلن يستطيع الساحر أبداً إلقاء تعويذة أمام محلل مضاد إذا تسربت بياناته. ولن ينعم بالخصوصية أبداً إن وقعت في يد متنبئ؛ وستصبح روحه وعقله أسهل بكثير في السيطرة عليهما إذا وقعت البيانات في يد ساحر عقول أو مستحضر أرواح. وفي يد ساحر حياة، سيكون الشفاء أيسر، لكن القتل أو التسميم سيكون أسهل أيضاً.
"الأماكن التي تقدم هذه الخدمات توقع عقداً ملزماً سحرياً بعدم إفشاء معلوماتك أبداً. لكن تلك العقود ليست مطلقة، وبعيدة كل البعد عن ذلك. إن كنت محظوظاً، توفر بعض الأماكن حتى خيار محو ذكريات الطاقم. للأسف، هذه الخدمة أكثر تكلفة بكثير كما أنها نادرة نظراً لأن محو الذكريات يمكن أن يؤثر في الروح ويدمر إمكانات الساحر. غير أن العيب الأكبر لهذا النهج يكمن في استحالة تكثف رون مثالي أبداً دون حسابه بنفسك".
"انتظر، ألا يمتلك البرج ذكاءً اصطناعي أرشيفياً؟ أظن أنهم يُدعون الأرواح الأركانية، أليس كذلك؟ ألا يستطيعون حساب رون جوهر مثالي؟"
"أولاً وقبل كل شيء، الأرواح الأركانية موارد متاحة للساحر العظيم، وليس كل السحرة يحبون استخدامها. يفضل البعض استخدام [العقل الممكنن] بدلاً منها".
"العقل الممكنن؟"
شرح الأستاذ بوربانك بهدوء: "إنه شكل متقدم من قنوات العقل؛ إنه يحول الدماغ البشري إلى حاسوب خارق. وكما كنت أقول، لن تحصل على إمكانية الوصول إلى روح أركانية بسهولة، حتى لو امتلكت المال. والأهم من ذلك، أنه لن يجدي نفعاً. لا يهم إن استخدمت روحاً أركانية أو حاسوباً خارقاً للأرض، حتى حاسوب الكم النموذج الأولي الذي تمتلكونه، ستكون النتيجة واحدة: لا يمكنك تحقيق توافق أعلى من تسعين في المائة".
"أه".
شعر كثيرون بالارتياح والإحباط بعد سماع هذا الخبر. إنه لأمر جيد وجود مسار آخر غير قضاء شهور، وربما سنوات، في الدراسة لتعلم كيفية حساب رون الجوهر. فلم يكن الجميع عشاق للدراسة أو مستعدين لبذل كل ذلك الجهد. وكان مخجلاً عدم قدرتهم على الحصول على رون جوهر بجودة مثالية، لكنه ظل أفضل من النسخة القياسية التي يوزعها البرج.
سأل زين: "أستاذ، أيوفر البرج قياس البيانات؟ أم يجب علي الحصول عليها بطرق أخرى؟"
أومأ الأستاذ بوربانك برأسه: "نعم، سيوفر البرج مسحاً مجانياً واحداً. يمكنك أيضاً شراء [ماسح حياة]. بيد أن الموجودة في الأسواق ليست بدقة تلك التي يستخدمها البرج. البائعون ملزمون قانوناً بإعلامك بحجم هامش الخطأ الذي عُيِّرَت ماسحاتهم عليه، وهو ما يمكنك أخذه في الاعتبار عند حساباتك. مع ذلك، ما زلت أوصي باستخدام ماسحات البورج. وفقاً للقواعد، يجب محو جميع سجلات مسحك من أنظمتنا فوراً".
أومأ زين بهدوء، لكنه ظل في داخله ممزقاً بين أمرين. فمن جهة، أراد أدق المعلومات، ومن جهة أخرى، كان يخشى احتمال وقع شخص ما عليها. أما عن قواعد البرج؟ فلم يكن يثق بها تماماً.