لم ينبس أحد ببنت شفة وهما يغادران الغرفة واحد-جيم، سوى كييشا وإيفلين. لم يكن السبب مجرد شعورهما بالغرابة تجاه بعضهما، بل العلقة الساخنة التي تلقاها الجميع على مدار ساعة ونصف. هل حققوا تقدماً سريعاً بفضل هذا التدريب المبرح؟ نعم. لكنّ ثمن هذا التحسن كان ألم الركلات واللكمات والطعنات الصادرة من عفريت متكون من ضوء مكثف.
"أظن أنني بحاجة لتعديل جدولي"، هكذا فكر زين وهو يشعر ببقايا الألم تسري في جسده كله.
تدرب خمس مرات في اليوم وحده. أولاً جرى الصباح، ثم حصة التطبيق الأولى، فحصة الظهيرة، وجلسة التدريب الثانية، وأخيراً تدريب النخبة.
"لن يتحمل جسدي هذا، لذا في أيام حصص التطبيق، دعنا نستبدل جري الصباح بوقت إضافي للقراءة"، هكذا خطط.
التدريب أربع مرات في اليوم يكفي ويزيد.
"أيها الفتى، زين أليس كذلك؟ أيمكنني الحديث معك ثانية؟"
أفاق زين من أفكاره والتفت نحو مصدر الصوت فوجدها كييشا.
أثار توقفها فضوله فوراً فسأل: "أيمكنني مساعدتك في شيء؟"
"أنا مهتمة بالتوجيه الذهني، لذا اطلعت على بعض الكتب في المكتبة. هل هناك أي احتمال أن تعلمني إياه؟"
توقف زين مذهولاً فلم يتوقع هذا. فكر في الأمر لحظة، بل راودته فكرة مقايضة: يساعدها وفي المقابل تخبره بما إذا كانت تمتلك لقباً يعزز ردود أفعاله وكيفية الحصول عليه.
لكن بعد تقليب الأمر في رأسه، هز رأسه قائلاً: "أنا آسف".
"إن كان الأمر متعلقاً بالتبادل العادل، فنحن مستعدتان للدفع"، أضافت إيفلين التي كانت تقف بجانب كييشا وتشبك ذراع بالكاد.
"لا يتعلق الأمر بذلك. أنا بالكاد أعرف ما يكفيني، فما بالك بتعليم شخص آخر. وقد رأيت ما آلت إليه حالتي بعد التصفية. آخر ما أريد التعامل معه هو التسبب بإصابات دماغية للآخرين. إن كنت ترغبين في التعلم، فعليك سؤال المدرب أو معلمك".
تنهدت كييشا وقالت: "أرسلت إليه بريداً إلكترونياً بعد المسابقة، فأخبرني أن أساسيات التوجيه الذهني لن تدرس إلا قرب منتصف الدورة أو نهايتها".
"في هذه الحالة، لا ييد في حيلتي شيء"، هز زين رأسه.
لن يعرض حياة شخص للخطر فقط من أجل المال. والأهم من ذلك، كان يشتبه في أن البرج لا يختبر المهارات السحرية للمجندين فحسب، بل يختبر صفات أخرى أيضاً مثل الكاريزما والقيادة والاستراتيجية. كيف سيحكم عليه البرج إن فعل شيئاً طائشاً كهذا من أجل المال؟ لم يرغب زين في تسجيل أي نقطة سوداء في سجله.
أومأت كييشا برأسها وقالت: "هذا مفهوم. ما رأيك أن نتبادل شارات الأرواح؟ تحسباً لتغيير رأيك".
أومأ برأسه وقال: "لا مانع".
بدت هاتان الاثنتان قويتين وموهوبتين للغاية، ولن يكون التعرف عليهما أمراً سيئاً. بعد التبادل، رمق زين العريف بنظرة سريعة، وكان يراقبه من بعيد، فعبس قبل أن يبتعد. وفي نفس اللحظة، توقفت كييشا وإيفلين ونظرتا إلى أثره.
ابتسمت إيفلين بخبث وقالت: "لا تقل لي إنك معجب به".
"إنه لطیف، لكنه ليس نوعي المفضل".
"إذن، لماذاتحدقين فيه؟"
أجابت كييشا: "كنت أفكر في أمر قاله المدرب بعد ظهر اليوم".
لقد راودها فضول بشأن ما قاله المدرب عن معاناة زين الهائلة على مدار السنوات الخمس الماضية، والتي قادته إلى حظه المذهل الحالي.
هتفت كييشا: "أهذا حقاً ما جرى؟"
وهي تحدق بتركيز في أثر زين.
"ما رأيك؟ أمهتمة أنتِ به؟"
"به؟ حسن، إنه وسيم، وذو قوام جميل، ليس بالطويل الفارعة ولا بالقصير، ناهيك عن تلك العيون البندقوية الجميلة — إنه نوعي المفضل حقاً. يا لروعة الأمر، لولا أن والديّ لن يوافقا أبداً".
سألت كييشا: "وما شأنك بما يظنونه؟"
"إن أردت أن أورث تلك الأموال كلها، فيجب أن أستمع إليهما".
"هذا ذكي".
"أنا جائعة. ما رأيك أن نتجه إلى الكافتيريا لنتناول لقمة؟"
"حسناً".
في طريقه إلى غرفته، لم يستطع زين كفّ التفكير عن اختبارات البرج الخفية. هل اتخذ القرار الصحيح بشأن كييشا؟ ربما كان من الأفضل لو أنه ساعدها بنجاح على تعلم التوجيه الذهني، ليظهر بذلك مهاراته القيادية؟
فكر زين: "ليست لدي شخصية في الداخل تزودني بالمعلومات".
توقف فجأة: لم تكن هذه الفكرة سيئة. في هذه المرحلة من التطور، ستكون أي أخبار أو معلومات حول البرج أو صادرة منه ذات قيمة لا تقدر بثمن. ولا يشترط أن تكون أسراراً رفيعة المستوى؛ فحتى شظايا الأخبار الصغيرة قد تكون بالغة الأهمية بالنسبة له. من دون إهاعة ثانية أخرى، قرر الاتصال بـشي-كي، مرشده التوجيهي. كان الأخير قد أبدى استعداده مسبقاً لتكوين رابطة، لذا خطر على بملك أولاً.
أرسل له تحية فقط لبدء محادثة، ولمسة من الدهشة عندما رد شي-كي بعد بضع دقائق. تبادلا حديثاً مقتضباً وانهياه بوعد بإبقاء التواصل قائماً. بمجرد أن فتح زين الباب، اصطدمت طبلتا أذنه بالأصوات الحية. حتى ديفون الهادئ بطبعه بدا منخرطاً بشدة في هذا النقاش.
"ما الذي يجري؟ كأنكم تصرخون".
قال أحمد وهو يشير إلى إيفانز وتوم نجوين: "جيد أنك جئت. أظن أنك ستستطيع شرح الأمر لهذين الاثنين بطريقة أفضل مني".
رمقهما زين بنظرة خاطفة ولم يخفِ الحيرة المرسومة على وجهه؛ فما زال يجهل تماماً ما يحدث.
شرح إيفانز: "تفقد لوحة الطلاب، فهناك منشور جديد انتشر كالنار في الهشيم".
وضع زين حقيبته على الأرض وجلس وشغل جهازه المجسم. حمل المنشور المتصدر للوحة الطلاب عنواناً لا يمكن لأحد أن يخطئه: [أجدادي تعرضوا للجلد، لكني رفضت ذلك]. كان المقال أقل من ألف كلمة ويدور حول طالب أسود الجلد جلده أستاذ خلال حصة التطبيق اليوم، تماماً مثلما حدث في دورتهم. لم يعجب الطالب الأمر فواجه الأستاذ، وتصاعدت الأمور في النهاية حتى أبلغ الطالب البرج.
أوضح أحمد: "كنت أخبرهم أن الطالب معذور تماماً فيما يشعر به، لكن هذين الاثنين جادلا بأنه ليس بالأمر الجلل".
أومأ ديفون برأسه وقال: "هم لا يفهمون".
عارضه إيفانز: "ليس هذا ما قلناه. كل ما قلته هو أن كثيرين جُلدوا، بما في ذلك أفراد في صفنا، وكانوا من مختلف الأعراق وألوان البشرة. لا ينبغي أن يكون هذا قضية كبرى".
وأضاف توم نجوين: "إن مفهوم العنصرية القائمة على لون البشرة قد ابتُكر في هذا البعد. ولا علاقة له بالبرج. إن الطالب يضخم الأمور بلا سبب".
هز زين رأسه وقال: "كان الطالب مخطئاً حقاً".
أشرقت عينا توم نجوين وإيفانز، بينما عبس أحمد على الفور وقال: "أفتظن أنت أيضاً أن هذا ليس بالأمر الجلل؟"
أوضح زين: "أنا لا أتحدث عن ذلك؛ فمشاعره مشروعة تماماً في رفضه التعرض للجلد. مكان الخطأ لديه كان في تصعيد الموقف. يبدو أن كثيرين عجزوا عن إدراك ديناميكية القوة بين البرج والأرض. إنهم يملكون السلطة علينا وبإمكانهم التحكم بحياتنا وموتنا".
ازداد قطب جبين أحمد عمقاً: "حتى وإن كان ذلك صحيحاً، فهذا لا يعني ألا نتحرك. وبحق منطقك هذا، لا ينبغي لأحد أن يتحدى السلطة طالما أنه الطرف الأضعف".
هز زين رأسه وقال: "ليس حين يكون هناك هذا التفاوت في القوة".
رد أحمد معارضاً: "كم عدد الثورات الناجحة التي غيرت الدول، وبدلت التاريخ، وخلقت العالم الذي نعيش فيه اليوم، وقد قام بها أناس حاربوا صعاباً تبدو مستحيلة؟"
"الأمر ليس سيان".
"بل هو كذلك. الأيديولوجيا —"
رفع زين يده وقال: "ليس الوقت مناسباً الآن لنتجادل حول آرائنا في السلطة".
وتابع حديثه السابق: "هذا المنشور ليس أمراً سيئاً بالضرورة. استناداً إلى الطريقة التي سيرد بها البرج، سنتمكن من استنتاج الكثير عن نظرته الحقيقية لأهل الأرض وقواعد مجتمعنا".
سأل أحمد: "ألا تظن أن النتيجة ستكون إيجابية؟"
"لا أعرف، لكن أسوأ سيناريو هو ألا نحصل على أي رد إطلاقاً؛ وهذا يعني ازدراء تاماً لسلطة هذا البعد ونمط حياته".
سأل توم نجوين فجأة: "أهو بهذا الحجم الذي وصفه الكاتب؟"
"أنت رجل آسيوي يعيش في أمريكا — ألم يتجذر في نفسك مفهوم تأثير شكلك الخلاب على خبرتك في الحياة؟ لا تقل لي إن أحداً لم يظن يوماً أنك ذكي لأنك آسيوي، أو أنك سائق فاشل، أو أنك أقل ذكورية".
تصلب جسد توم نجوين فجأة وخفت بريق عينيه قليلاً. لاحظ زين هذا التفاعل لكنه لم يحشر أنفه.
بل واصل طرح نقطته قائلاً: "بالنسبة لبعض الطلاب السود، قد لا يكون التعرض للجلد على يد رجل أبيض أمراً جللاً، لكنه كذلك بالنسبة لآخرين. بغض النظر عن أي الجانبين، فآراؤهم جميعاً صحيحة".
بغض النظر عن إيفانز، أدرك كل الحاضرين مفهوم عيش الحياة من منظور الأقلية. لقد تعرض ديفون وزين للملاحقة والمضايقة في عدة مناسبات، وخصوصاً الأول لعدد لا يحصى من المرات. ونُعت أحمد بالإرهابي في حياته أكثر من مرة. لذا، فهم الثلاثة الأمر بوضوح.
سعل إيفانز فجأة وقال: "ما رأيكم أن نبتعد عن مثل هذا الموضوع الثقيل؟ زين، كيف كان تدريب فئة النخبة؟"
تنهد زين وشعر فجأة بألم وهمي في صدره: "فظيع".
لم يخفِ الحقيقة وشرح كل ما مروا به.
قاطع أحمد: "أتكافحان العفريت رقم 2 للتو؟ كنا نقوم بذلك منذ اليوم الأول، وصباح اليوم أصبح ديفون أول شخص في صفنا يقضي عليه".
نظر زين إليه وقال: "أحقاً فعلت؟ هذا مبهر يا رجل".
"كان أمراً عادياً".
ابتسم زين بمرارة وقال: "أعاديّ؟ أحياناً يكون التواضع أشد إيلاماً من التبجح".
تنهد أحمد: "قلت له الشيء نفسه".
كم من فارس موهوب لم يستطع الصمود حتى لثلاثين ثانية تحت بطش ذلك العفريت؟ لكن حتى بعد القضاء عليه، لم يظهر ديفون أي كبرياء أو غرغرور.
أوضح ديفون: "أ-أنا لم أعنِ شيئاً بذلك".
تنهد أحمد مجدداً: "نحن نعلم، وهذا ما يزيد الطين بلة".
قال زين وهو يرمق ديفون بنظرة مهتمة: "أنا مهتم فجأة ببياناتك البدنية. ما هي إحصائيات فارس بحجمك؟"
"بإمكاني إطلاعك عليها".
لوح زين بيده فوراً: "لا، لا، ينبغي لمثل هذه الأمور أن تظل سرية".
مع أنه كان فضولياً، إلا أنه عرف الحد الذي لا يجب تجاوزه.
قال ديفون وهو يفتح ملفه الشخصي ويعرضه عليه: "لا مانع لدي".
سأل زين مجدداً: "أمتأكد أنت؟"
ولم يأخذ لمحة إلا بعد أن أومأ ديفون برأسه.
[طاقة الحياة: 0.54]
[المانا: 0.15]
[الطاقة الذهنية: 0.09]
هتف زين: "مثل هذه الطاقة العالية للحياة؟"
إن طاقة حياته الحالية لم تبلغ 0.1 بعد، والتي ترمز إلى عشرة بالمئة من الحد الأدنى المطلوب لفارس نجمة واحدة.
سأل توم نجوين فجأة، إذ انتابه الفضول هو الآخر: "دعني أرَ".
رمق زين ديفون بنظرة، ولم يناول الشاشة المجسمة إلا بعد أن أومأ الأخير.
علّق توم نجوين قائلاً: "إنه أمر مرعب حقاً".
مقارنة بجسده الضعيف، لعل ديفون يشبه نمراً بسبعمائة رطل.
"لكن، لماذا طاقتك الذهنية منخفضة جداً؟"
رد ديفون: "أحقاً كذلك؟"
"لا يمكن هذا. قال المدرب إنه يملك أسرع طاقة ذهنية نمواً في الصف. دعني أرَ".
سأل أحمد.
وبعد قراءة البيانات، عبس وقال: "وتعتبر هذا منخفضاً؟ كم تبلغ طاقتك الذهنية إذن؟"
"حسناً، خاصتي بلغت 0.28 بالفعل".
"أنت؟"
"0.34"، كذب زين.
"إيفانز؟"
"0.31"
فكر زين: "أتراها حقاً صحيحة؟"
ثمة وسائل لزيادة الطاقة الذهنية بسرعة (مثل الجرعات)، تماماً مثل المانا. غير أن استخدامها يحمل مخاطر أكبر. وبحسب ما يعلم زين، فبدون موهبة، ستتطلب حتى أفضل الجرعات أضعافاً مضاعفة من الكميات لتؤتي أكلها، وأحياناً قد لا تفلح أبداً.
تنهد أحمد: "القول إنني أغير منه تقليل من شأني. الطاقة الذهنية هي أصعب صفة يمكن تحسينها".
سأل زين: "بالمناسبة، راودني الفضول. ما متطلبات البيانات لكي تكثفوا نواة المعركة؟"
"0.9 لطاقة الحياة، و0.5 للمانا، و0.3 للطاقة الذهنية. وماذا عنكم أنتم؟"
أوضح توم نجوين: "0.9 للمانا و0.7 للطاقة الذهنية".
هز أحمد رأسه وقال: "0.7 للطاقة الذهنية؟ حظاً سعيداً".
تابع زين: "أهو نفس الشيء بالنسبة للمحاربين؟"
"متطلبات طاقة الحياة هي ذاتها، لكنهم لا يحتاجون سوى لـ0.3 من المانا و0.15 من الطاقة الذهنية. ويحتاجون أيضاً لمساعدة خطاط الرونات من أجل صعودهم".
أومأ زين قائلاً: "فهمت".
استمر الحديث حول مختلف مسارات التجلي لبضع دقائق أخرى قبل أن يتفرق الجميع. كان زين متعباً، لذا لم يطيل الجلوس. لقد قرر اليوم النوم سبع ساعات عوضاً عن ثلاث، لذا بعد حمض وقراءة خفيفة، غطّ في النوم.