أغلق زين الكتاب وهو غارق في أفكاره. لقد تحقّق من معلومات الأستاذ وتعلّم شيئاً جديداً عن حجب التنجيم. غير أنه لم يكن راضياً عن النتيجة. كم من الوقت سيستغرق لبلوغ الحلقة الثانية؟ إذن فالخيار الوحيد هو شراء قطعة مسحورة، ولكن بعد تفقد أسعار القطع السحرية ذات الحلقة الواحدة، لم يجؤز زين حتى بالنظر إلى أي شيء آخر.
"التنجيم مجال نادر، وهذا يعني أن قطعه المسحورة ستكون باهظة الثمن"، هذا ما فكر فيه.
مرة أخرى، قيده الوحش الذي يسمى مالاً.
"انس الأمر. إنها مسألة وقت فقط قبل أن أستطيع تحمل تكلفتها. أما عن توفر معلوماتي لدى حكومة الولايات المتحدة؟ فسأتولى أمر ذلك حين يحين".
لم يكن لدى زين أدنى فكرة عن كيفية تعامل حكومة الولايات المتحدة مع الأفراد الخارقين؛ فقد يُجنّدون أو يُسجنون أو يُجبرون على الخدمة أو يُستخدمون حتى كحقل تجارب. في عقله، كل شيء وارد، لذا فكل ما يستطيع فعله في الوقت الراهن هو اليقظة. شرد ذهنه وبدأ زين يتأمل فكرة راودته بعد قراعه مع الرقيب: أراد ابتكار تعويذته الخاصة. ومضت أفكار كثيرة في رأس زين. لم يمض سوى أربعة أيام، وفكرة أنه مستعد لابتكار تعويذته الخاصّة تبدو سخيفة نوعاً ما — لا سيما أن أستاذه لم يعلمهم بعدُ بالكامل الارتباط الأعمق بين الروناز وتوجيهات المانا، أو كيفية الحساب رياضياً أو تصميم مخطط لأي تعويذة.
"ابتكار تعويذة عادية أمر مستحيل، لكن ابتكار تعويذة بلا حلقات لا يزال ممكناً"، هكذا فكر زين.
في الأيام القليلة الماضية، أدرك أن هناك تعويذات أضعف حتى من الحلقة الصفر، وكانت تعويذة تكثيف الماء إحداها. لا تتطلب هذه التعويذات سوى رون واحد، وأقل من عشرة روناز فرعية، وعادة توجيهين إلى ثلاثة توجيهات للمانا. من دون إضاعة أي وقت، استدعى زين شاشته المجسمة وبدأ تصميم تعويذة برق. استخدم رون استدعاء البرق وأضاف توجيهين للمانا، مستعيناً بمعرفة الأيام القليلة الماضية لتثبيتها.
كان التصميم بسيطاً: دائرتان — خارجية وداخلية — وبداخلهما مستطيل. تعمل الدائرة الداخلية إجراء أمان مزدوجاً لمنع عنصر البرق (الكهرباء) من إيذاء المُلقي. والمستطيل لتسهيل إطلاق البرق لصعق هدف. أما الروناز الفرعية الأربعة؟ فقد اختار زين وضعها مباشرة داخل المستطيل لإطلاق أقوى للتعويذة، بدلاً من المقاربة الأكثر ثباتاً المتمثلة في وضعها في المساحة بين الدائرتين. لقد ثبّت توجيهات المانا التعويذة بالفعل، مما سمح له بالتركيز على فعالية البرق.
وبينما ألقى زين نظرة على تصميمه، تسللت ابتسامة خفيفة إلى زاوية فمه لبضع ثوانٍ قبل أن يقطب حاجبيه فجأة. تقنياً، يجب أن تكون هذه التعويذة قادرة على توليد وإطلاق شحنة كهربائية صغيرة قادرة على شلل رجل بالغ. غير أنه لا توجد طريقة لمعرفة ذلك من دون تعويذة تنشيط. لسوء الحظ، ودون معرفة كيفية صنع تعويذة تنشيط لتعويذة ما، كانت جهوده بلا جدوى. وإذ لم يكن راضياً عن قبول هذه النتيجة، اقترب زين من السيدة فاليريا وسألها عن الأمر.
للأسف، أخبارته ألا يجري قبل أن يتعلم المشي. وبعد تحذير صارم بشأن مخاطر تجربة السحر من دون أساس متين، تخلّى زين عن فكرة اختبار تعويذته. ومع ذلك فقد صنع مخططاً لتعويذات أخرى بلا حلقات، أو تعويذات صغرى، كما تعلم من السيدة فاليريا. ورغم أنه لم يستطيع استخدامها أو اختبار ما إذا كانت صحيحة في الوقت الحالي، فإن التصاميم لا تزال ذات قيمة. وحتى لو لم تكن لتلك التعويذات قدرات قتالية، فلا تزال مفيدة في الموقف المناسب، كما ظهر جلياً في معركته مع الرقيب.
على سبيل المثال، لو امتلك تعويذة تستطيع استدعاء الكهرباء، لصعق الرقيب عبر الماء. كانت هناك بضع ساعات لا تزال تفصله عن درس الفئة النخبوية، وهو وقت استفاده زين لمواصلة إثراء عقله بالمعرفة السحرية. كما قرر تقدير تدريب تعويذته الثانية لتجنب التعارض مع الفئة النخبوية. في نحو الساعة السابعة والنصف مساءً، أنهى التدرب على التصويب وتوجه إلى جناح التأمل لجلسة التأمل الثانية لهذا اليوم.
وما إن دخل عالم المانا الأزرق حتى شعر بالفرق فوراً: كان تركيز الطاقة أعلى بنسبة عشرين بالمائة مقارنة بالجناح السابق، مما يعني أن المانا المحيطة في الغرفة كانت أعلى بنسبة سبعين بالمائة مقارنة بالأرض.
"لا يمكنني خسارة مقعدي في الفئة النخبوية"، هذا ما فكر فيه زين لحظة فتح عينيه.
كانت فائدة جناح تأمل أفضل كافية ليقاتل من أجل حياته، ناهيك عن الامتيازات الأخرى مثل خصم عشرة بالمائة على قائمة تبادل النقاط. تفقد زين هاتفه ثم جمع أغراضه على عجالة وهرع إلى الغرفة واحد-سي.
"أنا آخر الواصلين؟"، فكر زين وهو يلتفت حوله.
"بما أنكم جميعا هنا، فلنبدأ"، استهل المدرب سييا كلامه.
"رقم ثلاثة وعشرين، نشّط الهولوغرام الحقيقي. النموذج: أورك المرحلة الثانية".
تكثفت بضعة آلاف من ومضات الضوء فجأة وسط غرفة التدريب، لتندمج في مخلوق أخضر يبلغ طوله نحو سبعة أقدام وثلاث بوصات، بجزء علوي عار ومفتول العضلات، ومئزر، وفأس مصنوع يدوياً، وسكينين معلقتين على خصرِهِ. نظر المخلوق إلى الأربعة، ورغم مظهره المخيف، لم يشعروا بأي هالة تنبعث منه؛ بل إنهم لم يستطيعوا حتى استشعار طاقة حياته.
"لا حاجة لمحاولة استشعار أي شيء: هذا مجرد ضوء متكثف في شكل مادي. سؤذيكم هجماته، لكنها لن تسبب أي ضرر"، هكذا شرح المدرب سييا.
"والآن، بطلنا — دورك أولاً. قفا على مسافة خمسة عشر متراً، وانتظرا العد التنازلي".
كثف زين طاقته العقلية فوراً، ثم عزز مهاراته الحركية وردود أفعاله، مكملاً استعداده للقتال. كانت عضلات الأورك مخيفة للغاية، لذا وما إن بدأت المعركة حتى ألقى تعويذة دفاعية — أو هكذا حاول. لم تكن دائرته قد اكتملت حتى رمى المخلوق فأسه فجأة، مما أجبر زين على التوقف والمراوغة. غير أن هذا الإلهاء البسيط كان كافياً ليغلق الأورك المسافة القصيرة بينهما ويسدد لكمة قويّة لزين.
وهو يكزّ على أسنانِهِ، وجه زين مانته إلى طاقة الحياة في عضلاته لصد الهجوم. اندفعت ألم شديد إلى أعماق عقله؛ وكان يعلم أنه لو كان يواجه مخلوقاً حقيقياً لتحطمت عظامه. وبينما كان ما زال يترنح من الألم، لم يتوقف هجوم الأورك. وبحركة خاطفة، ركل المخلوق ضلوع زين. حاول الساحر الدفاع عن نفسه مجدداً، لكن القوة الهائلة أطاحت به طائراً لأكثر من خمسة أمتار قبل أن يرتطم بالأرض وهو يئن ألماً.
حدّق فيه المدرب سييا ببرود قبل أن يقول: "المركز الثاني، دورك التالي".
اقترب الرقيب من الهدف بعبوس متأمل. وما إن انتهى العد التنازلي حتى وجّه المانا في ساقيه ليقفز إلى الوراء، محاولاً إبعاد نفسه عن هدفه. كانت مقاربته صحيحة، إذ تجنب الفأس الطائر بسهولة دون أن يتوقف عن نقش تعويذته. لكن الأورك لم يكن مجرد برنامج أعمى بلا تكتيكات. وبعد فشل المقاربة الأولى، رمى العملاق الأخضر أحد سكاكينه فوراً؛ تفادى الرقيب الأولى، لكن تعويذته انقطعت بالثانية.
وما حدث بعد ذلك لم يختلف عن وضع زين. أغلق الأورك المسافة، وببضع هجمات فقط، كان مصير الرقيب رود كَمصير زين. محاولت كيشا استخدام ردود أفعالها الخارقة لتفادي جميع الهجمات أثناء إلقاء صدمة عقلها. لكن الأورك أثبت قريباً أن ما تُسمى ردود أفعاله الخارقة لم تكن سوى مزحة. ثم وجدت إيفلين نفسها في وضع حرج. كان تكتيكها القتالي مماثلاً لتكتيك الرقيب، لكن حتى هذاك فشل ذريعاً. النبأ السعيد الوحيد هو أنها امتلكت معلومات أكثر من أي شخص آخر.
بعزم شديد، استعدت لتفادي جميع الأسلحة. غير أنه بعد السكين الأولى، لم يرسل الأورك الثانية. بل زأر فجأة بصوت عالٍ لدرجة أن إيفلين أُصيبت بالارتباك، ثم لقيت المصير نفسه الذي لقيه الجميع. نظر المدرب سييا إلى الجميع على الأرض وهم يئنون ألماً.
"هل تعلمون ما تعنيه أورك المرحلة الثانية؟".
لم يكن أحد في مزاج يسمح بالكلام، فحدقوا فيه فقط.
"هذا يعني ذكراً بالغاً متوسطاً من هذا النوع، بلا قدرات خارقة، بلا درع، بأسلحة أساسية وتدريب عسكري أساسي. هذا كل ما تطلبه الأمر للقضاء عليكم جميعاً. ألا تفهمون الآن كم أنتم ضعفاء بشكل مثير للشفقة؟".
تردّد صدى صمت مشدود في غرفة التدريب.
"حسناً، اننهضوا. سنبدأ تدريب [إلقاء الحركة]. ورغم أنه غير معترف به رسمياً كمهارة سحرية، إلا أنه يظل مهارة قتالية يجب عليكم إتقانها".
تجسد ثلاثة أوركات أخرى في الغرفة، أورك لكل طالب. كان الأوركات أقل عدوانية، مكتفين بالضغط على الطلاب برمي أسلحتهم التي توفرت لهم فجأة بكميات غير محدودة. وكانت مهمة الجميع تفادي هذه الهجمات مع الحفاظ على نقشهم؛ وإن فشلوا، حسنًا، كان ألم التعرض للإصابة بفأس أو سكين ممزقاً للقلب، أقل ما يقال.