لم يعلق زين على نقاشهما. فقد تخلى بعد سنوات طوال عن الكثير من ضغائن الماضي. غير أن نقاش اليوم ذكره بأن بصيص أمل في نيل العدالة ربما ما زال قائماً. حين يصبح ساحراً قوياً ذات يوم، فعلى بوسطن ديناميكس وغيرها أن تتقيأ ما ابتلعته منه. لم يعلم زين شيئاً عن إيفانز وتوم، لكن وجهته التالية كانت غرفته؛ إذ احتاج إلى قيلولة سريعة لمدة ساعة قبل التوجه إلى محاضرة الظهيرة وإنهاء يومه في قاعة التدريب.
أراد إيفانز التجول في الحرم الجامعي، بينما قرر توم العودة إلى المكتبة. لم يعبأ زين واستمتع بقيلولته. استيقظ بعد ساعة كاملة النشاط ومستعداً لليوم. استعار كتباً كثيرة، وكان الوقت الحالي مثالياً لقراءتها. ذكر الأستاذ بربانك أموراً ومفاهيم شيقة كثيرة في محاضرة اليوم أراد التحقق منها. تتطلب فنون طرح الأسئلة توازناً. يسهل العثور على أجوبة كثيرة في الكتب، لذا احتفظ زين بهذا النوع من الأسئلة لنفسه عادة، ولم يكن يطرحها إلا إذا عجزت الكتب عن تقديم أي إجابة أو كان الشرح واهياً.
بينما كان يقرأ معلومات أساسية عن عرق الشياطين، لفت انتباهه أمر شيق: مثل السحرة المظلمين، يستطيع الشياطين الأقوياء امتصاص المشاعر السلبية من الناس والعالم. قد تبدو معلومة كهذه ضئيلة الشأن، لكن زين أدرك دلالاتها: كم من الأهوال تدور على هذا الكوكب حالياً؟ الحروب والمجاعات والأمراض والفقر والإبادة الجماعية والاغتصاب والقتل وغيرها الكثير. تولد كل هذه الأفعال مشاهراً سلبية هائلة لدرجة تجعل هذا الكوكب بوفيه مفتوحاً لهذه الشياطين.
فكر زين فجأة: "باستخدام تقنية المختبر الافتراضي وحدها، يمكن حل العديد من هذه المشاكل".
عجز عقله — الذي ما زال منبهراً بعجائب المختبر — عن الكف عن التفكير. لو توفرت تلك التقنية الافتراضية لجميع حكومات العالم، لتغير وضع الأرض جذرياً.
لكن ما لبث أن هز راسه: "لم أفكر بمثل هذا الأمر الساذج؟"
لا ترجع أغلب المشاكل التي تعصف بالكوكب إلى نقص التقنية، بل إلى مشاكل بنيوية. لكي تظل الرأس مالية قائمة، لا بد من وجود الفقر والطبقة الدنيا لاستنزاف الأموال والموارد منها. الحروب مربحة للغاية، ودون الأمراض والفقر لن يتطوع أفراد الطبقة الدنيا ليصبحوا جنوداً.
هز زين رأسه متمتماً: "ناهيك عن أن تسعة وتسعين بالمائة من الهيئات الحكومية شديدة الفساد. أبعد حصولها على المختبر الافتراضي ستستخدمه حقاً لإصلاح العالم؟ أفضل تصديق وجود بابا نويل على الظن بأن هؤلاء سيستخدمونه لصالح المجتمع".
بغض النظر، وبما أن فكرة المختبر الافتراضي وتطبيقاته خطرت بباله، فقد قرر مشاركة أفكاره مع الآخرين.
لذا استخدم ختم روحه بلا تردد للوصول إلى لوحة إعلانات الطلاب ونشر مقالاً بعنوان "مصير الأرض المريع: كيف يمكن لقطعة واحدة من التقنية السحرية إنقاذها".
استعرض فيه المشاكل الاجتماعية والسياسية الحالية للبعد والمشاكل التي ستتسبب بها فور نزول الشياطين. ثم شرح زين كيف يمكن استخدام المختبر الافتراضي لحل هذه المشاكل. بعد نشره بهوية مجهولة، واصل القراءة. توجه بعد الظهر إلى الححاضرة الثانية لهذا اليوم، والتي تمحورت حول نظرية الرون وتوجيه المانا. ثم، بعد وجبة متعالية في الكافيتيريا، ختم يومه برحلته المعتادة إلى قاعة التدريب.
للأسف، وبعد ساعة من وصوله، تلقى زين أخباراً سيئة: نفدت مانا بلورة السحر الوحيدة التي استخدمها للتأمل بعد ثلاثة أيام. حدث ذلك في منتصف جلسة التأمل حيث شعر بانخفاض الكفاءة فوراً. مقاومة لرغبة في التذمر، ظل زين مركزا لتفادي مقاطعة تأمله. بعد إنهاء الجسلة، فتح زين عينيه وتنهد ملقياً نظرة على البلورة الباهتة.
فكر: "لحسن الحظ، ما زلت استطيع مقايضة بعضها مع الأستاذ بربانك".
رغم كلماته المطمئنة، لم يكن سعيداً للغاية. تطلب قائمة مقايضة الأستاذ ما لا يقل عن مئة وخمسين نقطة مقابل بلورة سحرية واحدة. لذا، يصعب الجزم بموعد حصول زين على الفرصة للظفر بالبلورة التالية. بعد التباكي على وضعه المالي المذري، توجه زين إلى غرفة تدريب التعاويذ. تركز تدريبه طوال الايام القليلة الماضية على تحقيق [تكثيف الطاقة العقلية] دون إغماض عينيه أو التركيز بشدة. يتعذر عليه استخدام إسقاط المانا بفعالية في المعركة إن استغرقت الخطوة الأولى كل هذا الوقت، ناهيك عن أن الأمر يتطلب منه فقدان حاسة البصر.
لذا، تتمثل الخطة الحالية في إتقان تكثيف الطاقة العقلية والعينان مفتوحتان؛ وستكون الخطوة التالية فعل ذلك فورياً. فور انتهاء هذا الجانب من التدريب، ركز زين على الجزأين الآخرين: إسقاط المانا والتدريب على التصويب. مع طاقته العقلية المكثفة، لا حاجة لمانا لديه لتدور من جسده إلى إصبعه لنقش الرون؛ بل يمكن إسقاطها وطردها من الجسد من أي مكان. لذا، تقنياً، وحتى لو كانت يدا زين مقيدتين، فلبسعه استخدام إسقاط المانا لإلقاء تعويذة، مستخدماً عقله في الإلقاء جوهرياً.
أما التدريب على التصويب؟ فينصب التركيز فيه على تحسين التصويب نحو الأهداف سريعة الحركة. في حوالي العاشرة، أنهى زين تدريبه وتوجه إلى الغرفة. بدا أنه لم يكن آخر الواصلين اليوم: كان معظم السحرة في غرفة المعيشة، بينما غاب الفرسان تماماً. رغم ذلك، لاحظ زين أمراً: عادة ما يتبادل توم نجوين وإيفانز أطراف الحديث، لكنهما جلسا اليوم على طرفي طاولة الطعام المتقابلين، وقد انشغل كل منهما عن صوره المجسمة.
سأل توم نجوين فوراً: "أكنت أنت؟"
قال زين وهو يجلس بينهما: "لقد عدت للتو، لذا عليك أن تكون أكثر تحديداً".
خلع حقيبة الرياضة والمدرسة ووضعها على الطاولة. كره افتقار الغرفة إلى مطبخ أو ثلاجة، إذ ود لو تناول وجبة خفيفة ليلاً بعد التدريب. لحسن الحظ كان مستعداً وأححض بعض الشوكولاتة الداكنة من الكافيتيريا.
"المقال".
تخطى قلب زين نبضة، لكن حركاته لم تتوقف.
"أي مقال؟"
"كتب أحدهم مقالاً عن تراكم المشاعر السلبية على الأرض بسبب المشاكل المجتمعية وتأثيرها على غزو سيد الشياطين؛ وقدم الكاتب أيضاً حلاً لهذه المشاكل عبر استخدام مختبر التعلم الافتراضي".
قال زين بعد أن مضغ قطعة من الشوكولاتة: "oh؟ يبدو مشوقاً".
تجلت شاشة أمامه بينما تفقَّد لوحة إعلانات الطلاب مسرعاً. لم ينصب تركيزه على المحتوى بل على رواج المنشور والتعليقات. بعد رؤية أن أكثر من نصف مليون شخص قد تفقدوا المنشور وأن العدد في تزايد مستمر، شعر زين بالحظ لأنه نشره بهوية مجهولة.
عاد توم نجوين ليسأل: "إذن لم يكن أنت؟"
أجاب زين بهدوء: "ولماذا يكون أنا؟"
زار العديد من الطلاب مختبر التعلم الافتراضي حتى قبل اليوم. وبما أن الأستاذ بربانك أوصى به، فلا بد أن معلمين آخرين فعلوا المثل، لذا لم يقلق من إمكانية تتبع أثره إليه.
"ظننت أنه بما أن الكاتب أبدى معرفة واسعة بالهندسة، فقد يكون أنت".
هز زين رأسه: "رغم صحة ذلك، يفتقر المؤلف أيضاً إلى الوعي الاجتماعي. لا يرجع معظم هذه المشاكل إلى نقص التقنية، بل إلى مشاكل مجتمعية ك الرأس مالية والاستعمار والبطريركية وفساد الحكومات وغيرها الكثير. لو أرادت هذه الحكومات حلها لحُلَّت".
"صحيح".
تدخل إيفانز قائلاً: "لكن الكاتب طرح مشكلة وجيهة حقاً. ينبغي حل تلك المشاكل قبل الغزو".
سأل زين: "أتظن ذلك ممكناً؟ استناداً إلى خطاب اللورد دراكن، لدينا خمس سنوات كحد أدنى وعشر كحد أقصى. أتعتقد أنه خلال أي وقت مخصص من هذا، تستطيع هذه النظم وضع خلافاتها جانباً والعمل معاً لحل هذه المشاكل؟"
هز إيفانز رأسه: "...لا".
كان يعلم أكثر من هذين الموجودين في الغرفة بما يخطط له هؤلاء الأباطرة — أولئك الذين يديرون العالم حقاً. لا يؤمن جزء كبير منهم بما يسمى الغزو. بل يعتقدون أن البرج قوة فضائية ذات تقنية متقدمة، وأن الغزو دُبِّر لفبركة الموافقة على تورطهم في شؤون الأرض. يخطط هؤلاء القوم بالفعل لكيفية الرد. للأسف، لم يخبره والده بكيفية تخطيطهم للقيام بذلك.
سأل توم نجوين: "أهلكت الأرض حقاً؟ أسنشاهد هؤلاء المخلوقات الدنيئة تدمر موطننا حقاً؟"
قرأ عن تنوع سلالات الشياطين في المكتبة، ومقتهم حقاً رغم رؤيتهم في الصور فحسب. لم يمتلك زين أي كلام له، ومثلما كاد الحوار أن يصبح محرجا، فتح باب الغرفة، ودخل ديفونتي وأحمد وسانجي.
قال أحمد وهو يمشي نحوهما حاملاً طبق طعام، ويتبعه ديفونتي: "أهلاً، أنتما هنا".
وفي هذه الأثناء، نظر سانجي إلى الأريكة، ولدى رؤيتها فارغة، توجه مباشرة إلى غرفته.
ألقى زين نظرة عليه مائلاً برأسه: "أتبحث عني؟"
لم يكن لديه الكثير ليناقشه مع أحمد أو أغلب الفرسان الآخرين عادة، نظراً لاختلاف جداولهم تماماً.
قال أحمد وهو يضع طبق الطعام أمام زين ويزيل الغطاء: "أريد شكرك".
أدرك زين فوراً أنه طعام سحري، مما زاد من حيرته.
"على ماذا؟"
"على تحفيزنا للتوجه إلى صالة الرياضة في اليوم الأول من المدرسة".
"لهذا السبب فقط؟"
"اختار مدربنا في محاضرة اليوم كل من تدرب في اليوم الأول ومنحنا فرصة لتعلم فن قتالي. اجتزت أنا وديفونتي وآخرون اختباره، وهذه طريقتي لشكرك".
ألقى زين نظرة عليه. استناداً إلى تحليله لأحمد، كان هذا الرجل ميسور الحال، ومن الطبقة الوسطى العليا على الأرجح، لكنه ليس غنياً بما يكفي ليُعد ثرياً أو مليونيراً. أظهرت حقيقة أن الأخير لم يتردد في استخدام مدخراته لشراء طعام زين السحر كشكر له معدنه.
قال زين محتفظاً بفكره أن هذا الرجل يستحق مصادقته: "أقبل شكرك".
أضاف ديفونتي: "أنا مدين لك بطبق أيضاً".
أومأ زين: "لا مشكلة".