"تتألف التعويذة من جانبين، وقد شرحت لكم الرموز السحرية — إنها الأمر المركزي الذي يحدد ما تفعله التعويذة. إذن، ماذا عن هذه الأشكال الهندسية؟"
كتب الأستاذ بوربانك شيئاً على اللوحة: توجيه المانا / إطار الرموز.
"تلك الأشكال تُعرف بتوجيهات المانا أو إطار الرموز. هل يخبرني أحد بما تفعله؟"
لم يرفع أحد يده، ولم يفاجأ الأستاذ بوربانك كثيراً.
"هل تعلمون أن ابتكار الدائرة، أو لعلّي أقول استخدامها، كان أحد أهم الاختراعات المنفردة في السحر؟ ألا تصدقونني؟ لكنه الحق."
مع ذلك، أظهرت عيون الطلاب تماماً عدم تصديقهم لكلامه. ولولا هيبته كأستاذ، لربما سخر منه بعضهم.
"حسناً، أرى أنكم لا تصدقونني. ما رأيكم بعرض عملي يبيّن لكم مدى أهميتها؟ السيد سكايلار، قف من فضلك."
"حسناً."
وقف زين.
"أرجو إلقاء تعويذة الماء على اللوحة أمام الصف."
لم يتردد زين في نقش مخطط التعويذة في الهواء؛ وكانت العملية سريعة لأن التعويذة بسيطة، ولا تضم سوى ثلاثة رموز فرعية وتوجيهي مانا. غير أنه ما إن انتهى، حتى رمق الأستاذ بنظرة منتظراً توجيهه التالي.
"ماذا تفعل؟ فعّلها."
"مم، سيدي، لا أعرف التعويذة اللفظية."
"أين عقلي؟"
لطم الأستاذ بوربانك رأسه برفق. ثم، بنفضة من معصمه، شرعت الطباشير في كتابة التعويذة باللغة الجريمورية تحت مخطط التعويذة.
ألقى زين نظرة عليها وقال: "أيها الماء — يا مصدر الحياة — تكاثف وتجلى لتغذيني."
وفوراً، تجمع بركة ماء صغيرة ببطء أمامه؛ ولم يستطع منع نفسه من الابتسام، فقد تعلم تعويذة جديدة. وعلى الرغم من خلو هذه التعويذة من أي قدرات هجومية أو دفاعية، إلا أنها تظل تعويذة للبقاء في البراري أو أي مكان يخلو من الماء النظيف.
"ممتاز،"
أومأ الأستاذ بوربانك.
"والآن، جرّب ثانية، لكن هذه المرة، عليك فقط نقش رمز الماء وتلاوة التعويذة."
فتن الأمر زين فوراً، فشرع في التجربة. أولاً، جرع الماء الذي خلقه. والمثير للاهتمام أن ارتباطه بالتعويذة انقطع بمجرد دخول الماء إلى معدته، مما يعني أنه يستطيع إعادة إلقائها كما أمر الأستاذ. ظن زين في البداية أنه ستكون هناك مشكلة في طفو الرموز الفرعية بالهواء من دون الدائرة، لكن عملية النقش لم تظهر أي مشكلة. لذا، نطق بالتعويذة. لم يدرِ زين ما كان ينتظر حدوثه، لكنه لم يكن ما وقع بالفعل.
وما إن أتم التعويذة، حتى استشعر ارتباطه بالتعويذة، لكن لم يكن هناك شيء أمامه. متبعاً شعوره، استدار زين ليرى بركة ماء متكاثفة فوق رأس طالب يجلس خلفه بنحو خمسة عشر متراً. وحاول غريزياً السيطرة على الماء ليعيده إلى جانبه، لكنه فقد السيطرة القوية التي كان يمتلكها على تعويذته، مما أدى إلى سقوط الماء على رأس الطالب.
"معذرة. لم أتعمد حدوث ذلك،"
بادر زين بالشرح على عجالة.
"لا داعي للاعتذار،"
صرّح الأستاذ بوربانك قبل أن يلقي تعويذة خاصة به فوق رأس الطالب. وخلقت دائرته السحرية شبكة كهربائية صغرى ولّدت القدر الدقيق من الحرارة اللازم لتجفيف ملابس الطالب وشعره فوراً.
"قبل ابتكار توجيهات المانا، كان السحر قوة جامحة لا تُروض. في الواقع، أطلق المؤرخون على هذا النوع من السحر اسم السحر البري، وهو أحد مجالات السحر الفريدة الكثير المدروسة من قِبل السحرة،"
استطرد الأستاذ بوربانك.
"ما جدوى دراسة شيء عفا عليه الزمن؟"
سأل طالب.
"ماذا قلت عن الدراسة لغرض وحيد؟"
"لا أقصد، بغض النظر عن الأغراض التاريخية، هل للسحر البري... تطبيقات أخرى؟"
"تخليص جيّد،"
تمتم توم نجوين بصوت خافت، فابتسم زين — الذي سمعه.
ألقى الأستاذ بوربانك نظرة خاطفة على الطالب: "في مجال السحر والتنجيم، توجد تقنية تُدعى نقش الرموز الحر، وتعني استخدام الرموز وحدها دون دائرة السحر الكاملة مع التوجيه. هذه التقنية شائعة ومستخدمة على نطاق واسع في هذا المجال، وعبر الكون النجمي، تستخدم أجناس عديدة تقنية الرموز الحر أساساً لنظام السحر والتنجيم الخاص بها. ويمكنكم تخيل أين نشأت هذه التقنية؟"
شرعت طباشير في كتابة كلمة [السحر البري] على اللوحة.
"سيدي، ما هو السحر والتنجيم؟"
"لا بد أنكم رأيتم كل تلك الأدوات السحرية الجميلة والرائعة في متاجر الساحة، أليس كذلك؟ حسناً، هذا ما يفعله الساحرون. سنغطي المهن السحرية المختلفة في الايام القليلة القادمة،"
أجاب الأستاذ بوربانك.
"والآن، لنعد إلى الموضوع. أين وصلنا؟"
"السحر بوصفه قوة جامحة."
"آه، نعم. في البداية، استخدم السحرة التعويذات اللفظية لروّض الوحش الذي هو المانا. وتحديداً، بدأت هذه التقليد بالشامانية. فمن خلال الكلمات والتعويذات التي مجّدت الطبيعة والأرواح والملوك، خلق الشامان لهباً، مما أخرج البشرية من عصر تناول الطعام نيئاً. لقد قام أبناء الأرض في هذا البعد بعمل ممتاز في استنتاج وتحليل الفائدة التطورية للهذا اللهب، لذا لن أسهب كثيراً في الأمر؛ ويمكنكم قراءة المزيد عن الموضوع إن شئتم."
توجد ثوابت معدودة عبر الكون النجمي، وتطور البشر من مجتمع قبلي بدائي إلى حضارة حديثة أو سحرية أحدها. والبشر هم أحد الأجناس القليلة التي لم يخلقها مَلِك أو كائن أعلى — على الأقل، هكذا هو الحال في تسعة وتسعين بالمائة من الأبعاد. بل تطوروا، مما يجعلهم إما مميزين للغاية وإما غرائب، بحسب الشخص الذي يجيب.
"اعتاد سحر التعويذات أن يكون التيار السائد لجزء كبير من تاريخ السحر،"
تابع الأستاذ بوربانك.
"ومع ذلك، كانت هناك مشكلة كبرى في هذا الشكل من السحر: فقد استغرق وقتاً طويلاً للإلقاء. والآن، حتى أصعب التعويذات المكانية لا تستغرق في المتوسط سوى ثلاثة إلى خمسة دقائق للإلقاء، لكن في ذلك الزمان، كانت تلك الأرقام مخصصة لتعويذات الحلقة الصفرية العادية. أتريد محاولة إلقاء تعويذة مكانية باستخدام التعويذة اللفظية؟ قد يضطر الساحر لقضاء ساعات في التلاوة والنطق، ولو أخطأ في كلمة واحدة فقط، لتعين على الملقي البدء من جديد."
"كان ذلك سيكون عذاباً،"
فكر زين.
"هذا ناهيك عن أن هذه السرعة البطيئة تعني أن السحر لم يكن ليبلغ تلك الفعالية في مواجهة الأسلحة الحديثة أو العسكرية الحديثة. يبدو أن السحر — كحضارة — كان عليه أن يخضع لتجارب ومحن؛ كان عليه أن يتطور قبل ترسخ وضعه المهيمن الحالي."
"كان ابتكار الرموز خطوة كبرى في صعود السحر،"
استأنف الأستاذ بوربانك.
"في البداية، أراد السحرة فقط تقليص طول التعويذات، ثم اكتشف قديس الرموز رودوس داليفيني أن بعض الرموز أو العلامات لا تتناغم فحسب مع المانا، بل تمنحها معاني وقوة أيضاً. فقد قضى أكثر من قرن في اختبار لا يحصى من الرموز؛ وسافر حول العالم لاكتشاف علامات جديدة، وراقب الطبيعة طلباً للإلهام، مما أدى لاكتشاف أنماط عديدة متكونة طبيعياً، بل إنه ابتكر واختبر رموزاً بنفسه. وقبيل وفاته مباشرة، أنشأ أول قاموس للرموز وشاركه مع العالم."
توقف الأستاذ بوربانك لثوانٍ معدودة، كأنه يؤدي الاحترام الواجب لقديس الرموز الذي كرّس حياته بأكملها لتقدم حضارة السحر. وعلى الرغم من أن أبناء الأرض لم يكونوا يعرفون هذا الرجل المسمى رودوس داليفيني، إلا أنهم فهموا مفهوم الوقوف على أكتاف العمالقة. فما تقدمت به الأرض علمياً وتكنولوجياً حالياً هو ثمرة عقول لامعة لا تحصى سبقتهم.
"كان السحر الرمزي ابتكاراً هائلاً، لكن كما تتخيلون، اعتراه القصور أيضاً. فقد أصبح السحر أسرع وأقوى، لكنه فقد أيضاً كل آليات الأمان فيه. وأصبح السحرة قادرين على إلقاء التعويذات في غضون دقيقة أو دقيقتين، ولكن في كل مرة فعلوا ذلك، كان مجهولاً ما إذا كانت التعويذة ستنفجر في وجوههم أو تفقد السيطرة فوراً. مات العديد من السحرة خلال تلك الحقبة، والأهم من ذلك، اكتسب السحر سمعة رهيبة بسبب كل الموت والدمار الذي سببه. وفي مرحلة ما، سُمي حتى [قوة الشيطان]. تنهد الأستاذ بوربانك بعمق: "ثم تغير كل شيء عندما ألهمت قديسة إطار الرموز، إليانور هارتيفيليا.
كان زوجها مهندساً عسكرياً، كُلف بتصميم مدفع جديد لإمبراطوريتهم. وقد بلغ ذروة عجزه، فطلب من زوجته الساحرة العبقرية مساعدته.
وبينما كانت تتأمل أنابيب فوهات المدافع وكيف صُممت لضبط قذيفة المدفع، ألهمت القديسة إليانور، ووُلد أول توجيه للرمان — والذي كان يُسمى آنذاك إطار الرموز — ألا وهو الدائرة."
رسم الأستاذ بوربانك دائرة بماناه في الهواء.
"ابتكار أو حل بسيط إن فكرتم فيه الآن، لكن اكتشافه غدل جوهرياً مسار حضارة بأسرها. وبهذه الدائرة البسيطة، غدا السحر الرمزي قوة قابلة للسيطرة. فقد أتاح للسحرة احتواء أي تعويذة ضمن نطاق مخصص، بدلاً من تجسد التأثيرات عشوائياً. وسمح للسحرة بالخوض بأمان في مفاهيم مثل الفضاء والزمان والحياة والموت، دون قتل أنفسهم أو من حولهم. ولا أظنني بحاجة لتذكيركم جميعا بضرورة قيام الحضارة بالتجربة واستكشاف العالم من حولها بأمان."
أومأ زين. وبرأيه، هناك أمران جوهريان لتطوير تكنولوجيا الحضارة: العقلية وأدوات التجربة الآمنة. وأفضل مثال على ذلك هو تاريخ الطب. لسنوات عديدة، كانت عقلية العامة تقضي بنبذ الأشخاص الذين يدرسون الجثث. ومثل هذه العقلية — إلى جانب مشاكل أخرى عديدة — أخرت بشدة تطور علم الأحياء والطب الحديث. لكن الآن، بات الناس أكثر انفتاحاً، وابتكرت نظم وأدوات جديدة لتعزيز بيئة أفضل لدراسة جسد الإنسان.
"حسناً، يكفينا درساً في التاريخ. لنتابع بعرض عملي. السيد سكايلار، إن لم يكن لديك مانع، أريدك أن تلقي التعويذة ثانية، لكن هذه المرة، استبدل بالدائرة الخارجية مستطيلاً."
أومأ زين قبل اتباع التوجيه. ومع ذلك، وقبل تلاوة التعويذة، هيّأ نفسه لفوضى محتملة. لقد اتخذ الخيار الصحيح. وما إن تكاثف الماء حتى شرع في الانتشار في كل مكان. حاول زين السيطرة عليه، لكنه لم يستجب. بل على العكس، كلما حاول، زاد الوضع صعوبة وخروجاً عن السيطرة. لحسن الحظ، كان في المقدمة، وكان الأستاذ بوربانك مستعداً بدرع سحر يحميه من البلل.
"المستطيل، بوصفه توجيه مانا، يُستخدم غالباً لتعويذات تأثير المنطقة الواسعة — التعويذات التي ترغب في انتشار القوة أو التأثير إلى أبعد مدى ممكن. وهو شائع أيضاً في السحر والتنجيم لأن الساحر قد يرغب في انتشار التأثير السحر في كل جزء من العنصر، لا في منطقة موضعية واحدة فقط،"
شرح الأستاذ بوربانك.
"جرّب ثانية، لكن هذه المرة بمربع."
زفر زين أنفاسه قبل تعديل مخطط التعويذة كما أُمر. تجلى جزء معتبر من الماء، لكن لم يكن ذلك هو الأمر الشاذ. فقد تكاثف الماء فوراً ليشكل جداراً دفاعياً حول زين، وكان يفترض أن يجعله يشعر بالأمان. غير أنه لم يُعجب بجدار الماء هذا. فعلى عكس تعويذاته الدفاعية الأخرى، التي كانت تحت سيطرته المطلقة، لم يبدُ هذا الجدار مستجيباً له البتة.
"المربعات تُستخدم غالباً في التعويذات الدفاعية أو التعويذات التي تستخدم عناصر أكثر صلابة أو استقراراً، مثل الأرض أو الفضاء،"
شرح الأستاذ بوربانك.
"مرة أخرى، وهذه المرة، بمثلث."
أومأ زين، لكنه توقف سريعاً مدركاً المأزق الذي وقع فيه. كان لا يزال داخل جدار الماء الدفاعي، وخلافاً لما سبق، لم يكن بإمساكه ابتلاع كل ذلك الماء. وأما إلغاء التعويذة؟ لسوء الحظ، لم تكن هذه التعويذة غير الدائرية تحت سيطرته. ولمّا كان حظه حسناً، فقد انتبه الأستاذ إلى وضعه وفرقع بإصبعه، ملغياً التعويذة. متنغداً بارتياح، أومأ زين له قبل إلقاء التعويذة مرة أخرى. وكانت النتيجة غير متوقعة.
اكتشف زين امتلاكه سيطرة هائلة على الماء؛ إذ استطاع فصله إلى جزأين أصغر، وتكثيفه إلى أشكال مخروطية، أو حتى أشكال سهام. ومع ذلك، لم يستطع تحريك الماء ولو بوصة واحدة إلى يساره أو ييمينه.
"المثلثات تُستخدم للعناصر الأكثر سيولة، مثل الماء والرياح. وهي أيضاً أحد مفاتيح التحول العناصري. لذا، حين ترون تعويذات مثل سهم الماء، أو طائر النار، أو رمح البرق، تكون التوجيهات الأساسية عادة مثلثات."
توقف الأستاذ بوربانك لثوانٍ معدودات ليؤكد على كلماته التالية: "مع ذلك، هذه مجرد أساسيات. نظرية توجيه المانا موضوع شاسع يزخر بقواعد ونظريات ومعاملات ورياضيات لا تُحصى. وفي درس اليوم، سأقدم لكم مقدمة موجزة."