"يا سيّد، طالما رغبتُ في امتلاك قدرة الانتقال الآني. أهناك أيّة طريقة تتيح للسحرة المتخصّصين فعل ذلك؟"
سأل أحد الطلاب.
"أنت محظوظ يا بني"
ابتسم الأستاذ بربانك.
"تستطيع المجالات الأخرى الانتقال الآني عبر عبور المستويات العُنصريّة. أما عن ماهيتها؟ فهي مجموعة فريدة من طبقات الأبعاد التابعة للمستوى النجمي، ويمكن الوصول إليها من قِبل جميع أبعاد الكون النجمي تقريباً — حتى الأبعاد القاحلة الخالية من الحياة."
"مجموعة؟ كم عددها تحديداً؟"
"تسعة: الأرض، والنار، والرياح، والماء، والبرق، والنبات، والظلام، والنور، والمستوى السُفلي المليء بالموتى الأحياء والطاقة السلبية."
"المفترض أن يقدر عنصر الأرض على بلوغ المستويات العنصرية، أليس كذلك؟"
"نعم."
"جميل."
"أهناك أحد آخر؟... إذن، لننتقل إلى ما يلي"
أومأ الأستاذ بربانك برأسه. لم يرجع إلى اللوح المركزي. بل راحت قطعة الطباشير تعوم من تلقاء نفسها وتشرع في الكتابة تحت قسم الوقت.
"لا داعي لأن تشغلوا بالكم بسحر الوقت؛ فأدنى تعويذة وقتية تقع في المرتبة السابعة. ودون أن تبلغوا رتبة الأرشيماج، لا تفكّروا حتى في الخوض في هذا النوع من القوة. نعم يا سيد فاندم."
"أأقام اللورد دراكن تعويذة وقتية حول المدرسة؟ ألهذا السبب يسعنا خوض عام دراسي كامل، بينما لا يمضي على الأرض سوى شهر واحد؟"
"للأسف، الأمر ليس هكذا"
أجاب الأستاذ بربانك.
"يتمتع اللورد دراكن بقوة عظيمة في نواحٍ شتى، لكنه لا يعلم شيئاً البتة عن سحر الوقت."
"أحقاً؟ أليس أرشيماجاً ذا ثماني حلقات؟"
علّق أحدهم.
"هذا يبيّن لكم كم سحر الوقت نادر"
أوضح الأستاذ بربانك.
"حسناً، لقد تبدّد حلمي في السفر عبر الزمن ومعاينة الأحداث التاريخية."
"أهذا حلمك؟"
"ألا ترى أنه كان سيكون ممتعاً تناول جعة أو جعتين مع جنكيز خان أو الإسكندر الأكبر؟"
"لا أعري ما يعنيه عنك أن تكون مثلاك الوحيدان هما مخالطة فاتحين تسببا في خسائر بشرية هائلة."
تجاهل زين الحديث الجانبي ورفع يده ليسأل: "كيف يعمل التلاعب بالزمن في المدرسة؟"
"مع أن التلاعب بالزمن يتطلب عادة تعويذة من المرتبة السابعة كحد أدنى، توجد سبل أخرى لتحقيق الأثر ذاته"
أجاب الأستاذ بهدوء.
"الطريقة الأكثر شيوعاً واستخداماً هي إيجاد مناطق أو أبعاد جيبية في العُباب النجمي يتحرك فيها الزمن بسرعة أكبر مقارنة بالبعد الذي يقبع فيه الساحر. استعداداً لهذه المدرسة، عثر البرج على منطقة كهذه واستخدم التقنية المكانية لنقل المدرسة إلى داخل ذلك البعد الجيبي."
"ألهذا السبب تخلو الساحرة من أي ذرّة مانا في البيئة المحيطة؟"
قال زين فجأة.
"ملاحظة ثاقبة يا سيد سكايラー، ثلاث نقاط لك"
ابتسم الأستاذ بربانك.
"تقع الساحة برمتها في هذا البعد الجيبي من العُباب النجمي، لكن أثر تمدد الزمن جرى التلاعب به بحيث يؤثر في المدرسة وحدها."
"أرى ذلك، ولكن أليست تلك صيغة من صيغ التلاعب بالزمن؟"
"إن أردت التدقيق، أظن أنه يمكنك قول ذلك."
أومأ زين برأسه، لكنه لم يتابع أسئلته. فقد شُبع فضوله في الوقت الراهن.
"اهدؤوا"
أنّب الأستاذ بربانك، وفجأة، سكتت كل الهمهمات الصغيرة والنقاشات حول السفر عبر الزمن. على الرغم من أن الأستاذ بربانك أثبت مرونة، فإن وجهه الصارم لا يزال ينضح بريبة وسلطة واحترام.
"احتمال أن يصادف أيّ منكم سحر الوقت ضئيل، وأنا شخصياً لا أدرك الكثير عن الأمر، لذا لن أغرق في التفاصيل. ومع ذلك، ثمة نصيحة واحدة أستطيع تقديمها: إن شئتم أن تصبحوا سحرة وقت، فعليكم بدراسة السحر المكاني أولاً. المكان والزمن مترابطان، ومعظم سحرة الوقت يسلكون هذا الدرب في دراسة الاثنين معاً."
"قوة التلاعب بالمتصل المكاني الزمني"
فكر زين، شاعراً من جديد بجاذبية السحر المكاني.
"حسناً، لننتقل إلى الموضوع التالي: سحر الاستدعاء. وكما ذكرت آنفاً، فهو نمط من السحر يدمج بين المكان، والحياة، والعقل. يستطيع المستدعون عقد اتفاقات مع الحيوانات والمخلوقات السحرية، آمرين إياها بفعل ما يطلبون. بالطبع، لا يحبذ معظم المستدعين لفظ الأوامر، ويعتقدون أن استدعاءاتهم رفقاء لهم."
هز الأستاذ بربانك رأسه بخفة كأنما استبشع الفكرة.
"بوسع المستدعين الموهوبين استدعاء مخلوقات من أبعاد أخرى وعقد ميثاق روحي مؤقت معها. ستطيع المخلوقات أوامر المستدعين، وفي المقابل، يمدّهم الأخيرون بقدر متفق عليه من المانا والطاقة العقلية الخاصة بهم. حسناً، هذا فيما يخص معظم العقود القياسية. بعض المخلوقات لها شروط باهظة كمتطلبات لتوقيع العقود معها، لكنها غالباً ما تكون جديرة بالثمن."
"شروط؟ هذا يوحي بالذكاء"
تأمل زين.
"حسناً، نظراً لكيفية تصوير القصص للتنانين غالباً ككائنات حكيمة، ينبغي ألا أتفاجأ كثيراً."
"المستدعون الأقوياء أشد رعباً حتى من مستحضري الموتى، لأن فيلقهم من الوحوش السحرية لا يملك مضاداً عنصرياً للموتى الأحياء. لحسن الحظ، يضع عقد الوحش السحر ضغطاً هائلاً على الروح، مما يمنع تسعين بالمائة من المستدعين من تشكيل فيلق حقيقي"
تابع الأستاذ بربانك.
"أيمكن للسحرة غير المتخصصين تشكيل فيلق؟"
سأل طالب يرتدي قميصاً أحمر.
"لا يملك المستدعون طاقة خاصة بهم. ومع أنهم يستخدمون رونو تأمل فريد يغير تردد المانا لديهم، فهي تظل مانا. والشيء ذاته ينطبق على العقل، والأركان، والتحول. إذن، نعم، يستطيع السحرة غير المتخصصين تشكيل فيلق إن كانوا أكفاء بما فيه الكفاية، وطرائق أخرى لا تتطلب حتى سحر الاستدعاء."
"في هذه الحالة، كيف يحدد البرج ما إذا كان ينبغي لأحد التخصص في هذه المجالات؟"
سألته امرأة ترتدي بليزر أزرق.
"سؤال جيد. عادة ما يمتلك سحرة العقل روحاً فريدة أو حساسية عالية للطاقة العقلية. أما المستدعون فلهم ميل للحيوانات، وروح قادرة بطبيعتها على الهيمنة على الأرواح الأخرى، وميل طفيف للطاقة المكانية. أيّ من هذه المواهب تكفي لتكون مستدعياً، وامتلاك الثلاثة يمثل أعلى إمكانات. "أما الأركان والتحول؟
فهما تقريباً ليسَا تخصصاً. لربما لم تلاحظوا، لكن طوال هذه المحاضرة، كنت استخدم لفظ غير متخصص بدل قول ساحر أركان، وقد تعمدت ذلك.
يختار معظم سحرة الأركان مجالاً أو أكثر ليكون تركيزهم، بما في ذلك مجال الأركان والتحول."
توقف الأستاذ بربانك فجأة لخمس ثوانٍ، "أذكر أنه دار نقاش في منتدى الطلاب حول كيفية تقديم الطلاب لأنفسهم. عادة، يُقدم سحرة الأركان أنفسهم هكذا: مرحباً، أنا فلان، ساحر أركان بتركيز برق، أو بتركيز أركان."
عمت القاعة جلبة خفيفة إذ شرع الطلاب في مناقشة ذلك المنشور على المنتدى. القليل منهم لم يكن قد سمع به، وسرعان ما أُحيطوا علماً. سعّل الأستاذ بربانك فجأة، وتردد صوته في أرجاء القاعة كأنما يحمل ميكروفوناً بيديه.
"أذلك توجيه للمانا؟ أقام بتعزيز صوته؟"
حلل زين.
"أقد أجبت عن سؤالك؟"
"نعم، شكراً لك"
أومأت صاحبة البليزر الأزرق.
"حسن"
أومأ الأستاذ بربانك قبل أن يتابع المحاضرة.
"أعظم إسهام قدمه مجال الاستدعاء للحضارة السحرية هو اختراع المألوف."
صفر فجأة، فطار ببغاء أصفر من النافذة وحطّ على كتفه.
"هذا مألوفي المرتبط بالروح، إلكترو — إنه ببغاء برق"
أوضح الأستاذ بربانك مبتسماً وهو يربت برفق على المخلوق.
"بشر ضعاف"
قال الطير فجأة وهو يرمق الطلاب بنظرة ثاقبة. كان الازدراء في عينيه جلياً، مما أخرس الطلاب بلا كلام. طير يسخر منهم؛ والأسوأ أن الأخير ربما يستطيع قهرهم جميعاً الحاضرين.
"لا تأخذوا على خاطره"
ابتسم الأستاذ بربانك.
"يستطيع أي مسار خارق استدعاء مألوف بالطقس الصحيح. غير أنه ينبغي للجميع توخي الحذر في تلك العملية. طوال حياته بأكملها، يُسمح للساحر بثلاثة مألوفين مرتبطين بالروح وسبعة مألوفين عاديين؛ ويستطيع الفرسان امتلاك رابط واحد وثلاثة عاديين، بينما لا يملك المحاربون سوى مألوف مرتبط واحد."
"ما الفرق؟"
سأل طالب.
"كما يدل الاسم، المألوف المرتبط بالروح متصل بروح الساحر، مما يعني أن أصابته مكروه، ففي أفضل الأحوال سيعاني الشخص إصابة روحية خطيرة وفي أسوأها سيموت فوراً."
توقف الأستاذ برماهة لحظة، ليدع كلماته تختمر.
"لا يسفر موت المألوفين العاديين سوى عن ضياع بعض المانا أو الطاقة العقلية، ويمكن استبدالهم. ومع ذلك، أرجو ألا تسئ استخدام هذا النظام، وإلا ستكون هناك عواقب. "مصدر مألوفي المستدعين هو مستوى الاستدعاء، وهو بعد في العُباب النجمي أنشأته فصيل قوية تُدعى حلف المستدعين.
كل من يحاول إساءة استخدام نظام المألوفين العاديين سيُمنع من الوصول إليه.
وفي بعض المواقف، سيستخدم أحدهم من الحلف طقس استدعاء عكسي للهبوط في بُعدهم وتلقينهم درساً."
"حلف المستدعين؟ يبدو ذلك كقوة شبيهة ببرج الأبعاد"
فكر زين. ثم رفع يده ليطرح ذلك السؤال.
"حلف المستدعين أشد بأساً حتى من البرج لأن لديهم أكثر من حكيم واحد — لا تسألوني ما الحكيم. ستعلمون حين يحين الوقت المناسب."
أشرقت عيون زين، وتوم نجوين، وإيفانز. وباعتبارهم من الأفراد القلائل الذين أدركوا مفهوم [الحكيم]، شعروا بنوع من الرعب. الأرشيماج هو حامي الحضارة، ووحده [الحكيم] من يضمن سلامتها. ومع ذلك، امتلك حلف المستدعين أكثر من حكيم واحد. كان التفكير في الأمر مرعباً حقاً.
"ليت الأرض تملك يوماً عدة [حكماء]"
حلم زين قبل أن يهز رأسه داخلياً. لم يكن هناك طائل من الخوض في هذه الفكرة العبثية.
"ما فوائد المألوف؟"
سأل طالب.
"الكثير منها: بدءاً من المعاونة في المعارك، ومساعدة التجارب، ومنح القدرات الفريدة، وحتى رفع مستوى الموهبة، قد يكون المألوف المناسب مفتاح النجاح لساحر أو أي شخص من المسارات الخارقة الأخرى."
"ماذا يفعل الببغاء؟"
"من تدعوه ببغاء؟"
رد المخلوق بلاذعة.
"لا يقتصر دور إلكترو على تعزيز قوة تعويذاتي، بل يتيح لي أيضاً بلوغ مستوى عنصر البرق بيسر"
قال الأستاذ بربانك، مهدئاً مرافقه.
رفع عدد آخر من الطلاب أيديهم، لكنه لم يختار أحداً: "سنخصص محاضرة كاملة لتعلم كيفية استدعاء المألوفين، لذا احتفظوا بأسئلتكم لتلك اللحظة"
قال الأستاذ بربانك قبل أن يساعد إلكترو على الطيران مغادراً عبر النافذة.
"يتبقّى لنا مجالان، أليس كذلك؟"
التفت ليستوثق من اللوح، فكان محقاً.
"العرافة مجال مثلير للاهتمام"
استهل الأستاذ بربانك كلامه.
"حين يسمع معظم الناس عنه، يتبادر إلى أذهانهم التنبؤ بالمستقبل. بيد أن قليلاً من العرافين الموهوبين يملكون مثل هذه القوى، ويُدعون بالرائين. إنهم نادددرون للغاية، وأي حضارة مزدهرة ستعامل الرائين بأقصى درجات الاحترام والإجلال لأن بمقدورهم العمل كمرشدين. "سواء أتعلق الأمر بتوقع كارثة أم اتخاذ القرار الصائب الذي سيفيد الحضارة بأسرها، فإن معونة الرائي تستطيع درء منعطفات لا تُحصى، وتقليل التجارب والأخطاء، أو التحذير من أخطاء كارثية."
"أتملك الأرض أي رائين؟"
"لا أعلم. إن وُجد أحدهم، فلن تعرف معلوماته سوى فئة مختارة"
هز الأستاذ بربانك رأسه.
"أذلك لمنع سيد الشياطين من اغتيالهم؟"
فكر زين. إن كان الرائي بهذه الأهمية، فمن المنطقي أن يسعى العدو لاستئصال شأفتهم قبل أن ينمو ويؤثروا في مجرى الحرب.
"لنعد إلى صلب الموضوع. جوهر العرافة هو المعلومة"
صرح الأستاذ بربانك، ناظراً بهدوء إلى القاعة.
"وصلتم إلى مسرح جريمة وترغبون في معرفة المسؤول؟ سهل، ألقِ تعويذة عرافة، وستنكشف كافة معلومات القاتل — طوله، وزنه، وجنسه، وعرقه، والكثير غير ذلك. تريد إيجاد شخص مفقود أو ربما مكون نادر؟ ستمنحك العرافة الإجابة. تسافر إلى بُعد آخر ولا تعرف اللغة؟ تعويذة عرافة واحدة وستجمع ما يكفي من معلومات للفهم أو الترجمة."
"يا له من أمر فاتن"
فكر زين.
"بالطبع، أنا أسطّح مفهوماً شديد التعقيد. الجوهر أو الحقيقة وراء تعويذات العرافة هو [نهر القدر]"
أوضح الأستاذ بربانك.
"تُولد كافة الأرواح من [نهر القدر]، وتتصل به عبر بصمة روحية. بعد الموت، إن لم تؤمنوا بملِك، ستعود تلك الأرواح إلى جذورها لتغسل ذكرياتها قبل التوجه إلى الحياة الآخرة: [نهر ستيكس]. "على هذا النحو، يحوي [نهر القدر]
بصمات وذكريات جميع الأرواح من الماضي، والحاضر، بل وحتى المستقبل.
تستطيع تعويذات العرافة — وغالباً ما تكون عالية المستوى — النفاذ إلى هذا المصدر اللامتناهي من المعلومات."