حضارة الأرض السحرية الفصل 21 — ساحر المعركة

اقرأ حضارة الأرض السحرية الفصل 21 — ساحر المعركة باللغة العربية على مانجا تايم.

رعب! رعب لا ينتهي! رعبٌ شديدٌ جمد أوصاله، ومهما حاول زين، لم يجد في نفسه غير هذا الشعور. في البداية، حار في مصدره، لكن بعد لحظات، استشعر كائناً على مسافة عشرين متراً إلى يساره. بالكاد أبصر ذلك الوحش الشبيه بالنمر من طرف عينه، بيد أن عقله أدرك كتلةً من طاقة بيضاء وزرقاء تشبه ما يجري في جسده، لكنها أشدُّ بأساً.

"تحرّك يا زين. تحرّك وإلا هلكت".

كرّر هذه الكلمات في عقله، باحثاً عن شجاعةٍ للفعل، لكن رغبة الوحش في قتله كانت طاغيةً لدرجةٍ أورثته ذعراً. لم تكن نظرات الصياد الذي يتربّع على قمة الهرم الغذائي شيئاً يحتمله إنسانٌ عادي. لم تعد المسألة مسألة إرادة، بل حقيقةً بيولوجيةً قاهرة. خمسة عشر متراً. كان الوحش أسرع من أن يدرك فريسته في لمح البصر، لكنه بدا مستمتعاً بتعذيبها نفسياً. غمر اليأس عقل زين. كان عليه، بمنطقه، أن يفكّر في الفرار على الأقل، لكن وظائفه الحركية تعطلت.

تجاوز الخوفُ حده المعتاد، وصارت حواسه الحادة نقمةً عليه.

"أمي، أليشا، أبي، وحتى سيندي.. أعتذر لكم".

تراءت له مشاهد من حياته. كان مقدّراً له العظمة. أخبره كثيرون بذلك، وآمن هو به بعمق. بذكائه الحاد وعمله الدؤوب، كان العالم ليكون طوع بنانه، ليغيّره ويصوغه نحو الأفضل، تاركاً إرثاً أبدياً تتذكره البشرية حتى فنائها. لكن قطار حياته انحرف عن سكته، ولم يعد إليها قط. أحسّ زين بكتلة الطاقة البيضاء على بعد عشرة أمتار منه. من طرف عينه، رأى نمراً أبيض يحمل رمزاً على جبينه. لم يعد لذلك كله شأن.

سلّم زين أمره للقدر. الموت محتوم، وحياته كانت مليئة بالندم. العزاء الوحيد أن والدته ستتلقى تعويضاً سخياً من شركة دي تي، يكفيها وأليشا مدى الحياة.

"انهض يا كوامي، يا ابن أنانسي!".

دوى صوتٌ قويٌّ في أعماق زين. لم يعرف صاحب ذلك الصوت العميق، لكنه أحسّ بألفةٍ غريبة، كأنه فردٌ من عائلته أو حبيبٌ لم يفارقه يوماً. فجأةً، اشتعلت شعلة الضوء في عقله من جديد.

"لا، لا يمكنني الموت الآن".

زأر زين في داخله. تدفقت قوةٌ صغيرةٌ في جسده، وبلا تردّد، استجمع كل إرادته ليعضّ لسانه بقوةٍ حتى كاد ينزف. أيقظه الألم الشديد من غيبوبة الخوف، وبحركةٍ خاطفة، ارتمى على الأرض ليلتقط سلاحه، ثم تدحرج ليواجه الوحش، وأفرغ مخزن الرصاص. لم يتوقع المفترس أن تبادله الفريسة القتال، فأصابت الرصاصات الخمس عشرة جسده. لكن، لذهول زين ورعبه، لم تترك معظم الرصاصات سوى أثرٍ أبيض على جلد الوحش دون أن تخترقه.

كأنه كان يحمل لعبة أطفال. لم يخطر بباله يوماً أن تخذله التقنية في أحلك اللحظات. بعد فشل هجومه، كان عليه أن ينتظر موته البشع. لحسن حظه، ابتسم له القدر؛ إذ أصابت إحدى الرصاصات نقطة ضعف النمر: عينه اليسرى. تردد زئير ألمٍ مجلجل في أرجاء الغابة. تلوى الوحش، الذي يبلغ طوله خمسة أقدام وأحد عشر بوصة — مثل طول زين — لثوانٍ؛ وخلفت مخالبه العملاقة فجوات في الأرض، وكان صوت ذيله وهو يضرب الهواء أشبه بصوت السياط.

تقاطر الدم في كل مكان، وما إن رآه الوحش حتى ازداد هياجاً. أيقظ الزئير المرعب زين من صدمة فشل سلاحه. فكّر للحظة في تناول سلاحٍ آلي لإنهاء المهمة، لكنه تذكّر أنه ساحر. بلا تردّد، نقش نموذج تعويذة درع المانا وتلا التعويذة. بعد خمس ثوانٍ، ارتفع الدرع. في الوقت نفسه تقريباً، هدأ النمر أخيراً. لم يقبل ملك الغابة الهائج أن تذلّه فريسته بهذا الشكل. تحرّك زين بسرعةٍ محاولاً إلقاء تعويذة الرصاصة السحرية، لكن هل يمنحه النمر الهائج كل هذا الوقت؟

بزمجرة، فتح الوحش فمه وأطلق شفرة رياح. لقد ألقى الوحش تعويذة. شتتت هذه الفكرة تركيز زين، فأخفق في نقش نموذج التعويذة. ثم غمرت عقله فكرة أنه سيُقطع نصفين عند خصره؛ لم يرد فقدان أطرافه، فهذا سيعيق رحلته السحرية.

"آمل أن البرج يستطيع استعادة الأطراف أو ما شابه".

طاخ! ترك الهجوم صدعاً هائلاً في درعه شبه الشفاف، حتى صار الدرع مرئياً بوضوح. شحب وجه زين حين تلاشت عشرون في المئة من مانا جسده.

"على الأقل، هناك خبر سار"، فكّر.

لم يكن درعه السحري للزينة؛ لقد صمد. لقد نجى. لسوء حظه، لم يكترث النمر لحاله أو ابتهاجه. فتح الوحش فمه، مستعداً لهجومٍ ثانٍ. لكن هذه المرة، لم يلقِ التعويذة فوراً، بل استغرق النمر الأبيض أكثر من ثلاث ثوانٍ قبل إطلاق شفرة الرياح. أدرك زين ذلك فوراً، وبدأ تعويذته الثانية.

"اصمد، اصمد، اصمد"، كرّر في عقله.

يحتاج الدرع لصدّ الهجوم الثاني فقط، وسينجو من هذه المحنة. لم يكن مقامراً، لكن لم يكن أمامه خيارٌ سوى المخاطرة بحياته. في هذا الضغط الشديد، كانت هذه وسيلته الوحيدة للبقاء. مرّت الثواني الثلاث، وسحقت شفرة الرياح الثانية الدرع السحري. أطلق تصادمهما عاصفةً قوية كادت تطيح بزين، لكن عقله لم يهن للحظة. بتركيزٍ مكثف، انتهت تعويذته بعد ثانيتين، وكثّف درعاً ثانياً. اصطدم النمر — الذي وثب عليه — بدرع المانا.

مخالبه، القادرة على تهشيم رأس إنسان كالبطيخة، ارتطمت بالجدار شبه الشفاف. والمفاجأة أنها لم تترك خدشاً واحداً. ومع ذلك، خسر زين عشرة في المئة أخرى من المانا في لحظة. وبعد إلقاء تعويذتين فقط، أدرك أنه لم يتبقَّ لديه سوى أقل من خمسة عشر في المئة. لكن لم يكن الوقت مناسباً للقلق. وبينما كان لا يزال محمياً، فتح حقيبته بسرعة وأخرج سلاح إم بي 5. ممسكاً بالرشاش بيده اليمنى، لم يتردد الساحر المتدرب في إطلاق النار.

أظهر النمر ذكاءً، إذ طبّق تماماً مقولة: اخدعني مرةً، فالخزي عليك؛ اخدعني مرتين، فالخزي عليّ. ورغم أنه لم يعرف ماهية هذا الشيء الأسود، أدرك أنه السلاح ذاته الذي أعماه. تحرّك النمر جانبياً للمراوغة. نجح هذا الجهد جزئياً، خاصةً أن زين لم يمسك السلاح بإحكام، فجعل الارتداد تصويبه سيئاً. ومع ذلك، وبسبب سرعة الرصاص وكثرته، أصابت بعضها أهدافها، لكن مثل رصاصات 9 ملم السابقة، لم تترك سوى خدوشٍ على فرو الوحش.

لحسن الحظ، لم تكن هذه ضربة زين القاضية. فبينما كانت يده اليمنى تلعب دور رامبو، كانت يده اليسرى تنقش نماذج التعاويذ، وشفتاه تتلوان التعاويذ؛ لقد تدرب على هذه الحركات خصيصاً لمثل هذا الموقف. بعد أقل من خمس ثوانٍ، اكتملت الدائرة السحرية. أحسّ الوحش المصاب بالخطر وحاول فعل شيء. لكن، رغم أن السلاح كان بعيداً عن الدقة، إلا أنه نجح تماماً في إبقائه بعيداً.

"آمل أن ينجح هذا"، فكّر زين.

قد تكون فرصته الأخيرة، إذ لم يعد لديه مانا لإلقاء تعويذة أخرى. إن لم يستطع السحر اختراق دفاع هذا الوحش، فستنتهي حياته في هذا اليوم وهذه الساعة. طاخ! طاخ! طاخ! لم تكن الرصاصات السحرية تتمتع بمعدل إطلاق الرشاش، لكن قوة اختراقها كانت من طرازٍ فريد، على الأقل عند مواجهة هذا الوحش السحري. حاول النمر الأبيض الابتعاد عن هذا الموقف الخطير، لكن مع الرصاص العادي والسحري القادم من كل جانب، لم يجد الوحش مهرباً.

اخترقت الرصاصات السحرية — التي تجاهلت الدفاع الجسدي للوحش وألحقت ضرراً سحرياً — جلده كسكينٍ تقطع الزبد. من أصل اثنتين وثلاثين رصاصةً سحرية، أصابت تسع عشرة منها جسده واخترقته؛ أصابت اثنتان منها مواضع حيوية وسببت نزيفاً داخلياً حاداً؛ لم يكن ثمة خلاص، وأدرك النمر ذلك. بأنفاسه الأخيرة، حدّق في قاتله كأنه يحفظ ملامحه. بادله زين النظرات، ولم يعد في قلبه خوف. لقد قهر هذا الوحش، وقطع دابر سيطرته على عقله.

في معركة المفترس والفريسة، كان هو المنتصر الأخير. ثبّ! سقط زين على الأرض، لكن بعد سقوط الوحش. غمر إرهاقٌ هائلٌ كل عضلةٍ في جسده؛ حتى إنه أحسّ بطاقة حياته تخبو قليلاً. لكن، مقارنةً بأول مرةٍ اختبر فيها فراغ المانا التام، لم يكن الألم شديداً. كانت عضلاته تصرخ من الألم، وشعر بالتعب، لكنه لم يكن تعب مَن ركض ماراثوناً بلا تدريب؛ بل كان أشبه بحصة تمارين شاقة دون شرب الماء.

"ربما في المستقبل، سأتمكن من البقاء واقفاً بعد استنزافي"، فكّر زين.

الآن وقد زال الخطر، أصبحت لديه القدرة الذهنية للتفكير في أمورٍ أخرى بعيدة عن النجاة؛ بعبارةٍ أخرى، صار بوسعه التنفس. بالطبع، لم يسمح لأفكاره بالشرود طويلاً. الأولوية الآن هي استعادة المانا تحسّباً لأي طارئ. بينما كان زين يهمّ بالتأمل، اندفعت قوةٌ مجهولة من يده اليسرى وسرت في جسده. رمّمت أولاً كل المانا لديه قبل أن تزيد مخزونه بنسبةٍ معتبرة. وفق حسابات زين، كان سيحتاج لأسبوعين آخرين للوصول إلى هذا المستوى.

لم تتوقف القوة المجهولة عند هذا الحد. فور انتهائها، اندفعت إلى دماغ زين، مزيلةً كل التعب الذهني في لحظة. وبحلول الوقت الذي انتهت فيه، أحسّ أن مدى حواسه قد اتسع من ثلاثين متراً إلى أربعين. بلا تردّد، تفحّص زين لقبه الجديد فوراً: ساحر معركة 1.