أراد زاين أن يصفع نفسه لغبائه. لماذا يحتاج إلى حساب كل هذه المسارات المختلفة بينما كان بإمكان حاسوب أن يقوم بالعمل كله نيابة عنه؟ أليس هذا هو هدف التعلم الآلي: تسهيل العمليات الحسابية أو الاستنتاجات؟ تسللت ابتسامة إلى وجهه وهو يستدير ليناول حاسوبه المحمول، مستعداً لبناء برنامج يفعل ذلك بالضبط. لكنه توقف فوراً. عندما نظر إلى حاسوبه المحمول الصغير، لم يسعه إلا أن يبتسم بمرارة.
كم عدد الخلايا العصبية في الدماغ؟ نحو ستة وثمانين ملياراً. على الرغم من أنه كان يتعامل مع عدد أقل بكثير، إلا أن الاحتمالات التي كان بحاجة إلى حسابها كانت لا تزال هائلة. كيف لحاسوب محمول صغير أن يمتلك قوة الحوسبة اللازمة لحساب كل هذه المتغيرات؟ حتى الحاسوب العملاق قد لا يكفي. الحل الأمثل أو النهج الأنسب هو ذكاء اصطناعي متخصص مدرب على بيانات علم الأعصاب، لكن ذلك يتطلب مركز بيانات.
وحسب علم زاين، فإن تقنية الذكاء الاصطناعي أو نماذج اللغة الكبيرة ما زالت تبعد بضع سنوات عن بلوغ الكمال.
قال زاين متنهداً وهو يشعر بشيء من الإحباط: "وحتى لو توفرت لي كل تلك الأمور، فسلتظل عديمة الفائدة. إن مفتاح توجيه المانا هو الطاقة العقلية — قوة استثنائية. من دون ايجاد طريقة لأخذ هذا المتغير بعين الاعتبار، فإن كل حساباتي بلا جدوى".
كان قريباً جداً، لكنه أخفق في اللحظة الأخيرة. أفضل حل لهذه المشكلة هو تلقي منتج جاهز مباشرة من البرج. حضارتهم السحرية متقدمة على الأرض بسنوات، لذا فقد طوروا بالفعل مهارات [حالة التدفق] العقلية ومهارات أخرى أكثر تقدم لم تكن لديه المال أو وسيلة الوصول لاكتساب تلك المعرفة. والنهج الأفضل التالي هو استئجار روح سرية لإجراء الحسابات، لكن السعر أقسى بكثير من مجرد شراء الإجابة مباشرة.
فكر زاين: "في الوقت الحالي، لا يمكنني الاعتماد إلا على الحدس، والمحاولة والخطأ، وقليل من الحظ".
في الوقت الراهن، كان خياره الوحيد هو اختبار نهج مختلفة بنفسه على أمل إيجاد قاسم مشترك، أو قاعدة، أو نمط يساعده في الوصول إلى الإجابة. بالطبع، لم يكن زاين يوماً ممن يستسلمون بسهولة لشيء يهتم به. لذا، وبعد تنظيف سريع، أراد القفز إلى شبكة الإنترنت لإجراء المزيد من البحث حول الموضوع، لكنه تذكر حينها ذلك الوخز في ذراعه اليسرى. وكما توقع، ظهر له لقب جديد.
[اللقب: مبتكر (أزرق)]
[تمر الأرض حالياً بعملية انتقال حضاري. وفي حين تساعدنا قوى أجنبية صديقة، يجب علينا أيضاً أن نتعلم الاعتماد على النفس. لقد ساهم روحك الابتكارية في رحلتنا نحو الاكتفاء الذاتي، وأنت تستحق الثناء على عملك. عمل جيد. استمر في فعل ما تفعله. الأرض بحاجة إلى عقول لامعة مثل عقلك.]
[التأثير: فرصة واحدة للإلهام.]
فوجئ زاين قائلاً: "لقد حصلت على لقب أزرق؟"
حتى الآن، كان أعلى لقب ناله هو الأزرق الفاتح.
"يبدو اللقب جيداً، لكن التأثير مربك بعض الشيء. كيف من المفترض أن أستفيد من هذا الإلهام؟ هل يجب أن أفعلَه بنفسي؟"
كانت لدى زاين أسئلة كثيرة بلا إجابات. لذا قرر أن يسأل الأستاذ بعد العودة إلى المدرسة. أغلق شاشته المجسمة قبل أن يمد يده ليأخذ حاسوبه المحمول. لقد بحث الكثير من العلماء، وأخصائيي الأعصاب، وعلماء النفس في [حالة التدفق]. بخلاف البرج، يمتلك زاين طرقاً عديدة لتجاوز حواجز الدفع لمعظم الأبحاث المنشورة. وبعد قضاء ساعات في تصفح كل معلومة تمكن من العثور عليها، تعلم الكثير.
أولاً، كان بحث البرج حول هذه الحالة مخصصاً للقتال بشكل أساسي. وفي الوقت نفسه، أدرك العلماء أن بإمكان أي شخص دخول حالة التدفق؛ فهي لم تكن حكراً على الرياضيين، أو الجنود، أو الأشخاص الذين يؤدون أعمالاً شاقة. يمكن لأي شخص يركز بدرجة كافية على مهمة ما أن يحقق هذه الحالة. ثانياً، وجد زاين قطعة مفقودة في بحثه.
تمتم زاين: "علي إضافة عقدة أخرى في التلفيف الجبهي السفلي".
تتضمن حالات التدفق جوانب عديدة، لكنه أغفل واحداً: التحكم في الدوافع وتجنب المخاطر. تكمن ميزة هذه الحالة في أنها تتيح له اتخاذ القرار الأفضل بعد تحليل الموقف بسرعة، والتلفيف الجبهي السفلي هو منطقة الدماغ المسؤولة عن ذلك؛ فهي تمنعه من التصرف باندفاع وبشكل منافٍ لطبيعته مع تمكينه في الوقت نفسه من تقييم مستوى المخاطر في أي موقف. أغلق زاين عينيه ليختبر هذه النظرية الجديدة.
أدى إضافته لعقدة خامسة إلى رفع تعقيد الشبكة العقلية، سيما وأنه بات بحاجة إلى إيجاد طريقة لربطها بالنظام الحالي. ومع ذلك، بمجرد أن نجح، تسللت ابتسامة إلى زاوية فمه. كان الشعور بالسكينة الذي انتشر عبر عقليته مدمناً نوعاً ما. للأسف، سرعان ما تبدد.
فكر زاين: "نحو خمسة وثلاثلس جزءاً من الثانية، وهي مدة يمكن اعتبارها تحسناً".
للأسف، لم تكن خمس ثوانٍ تكفي سوى لإلقاء تعويذة واحدة. لم تكن [حالة التدفق] هذه مفيدة للقتال ولا لتحسين كفاءة دراسته.
"حسناق، خطوة بخطوة".
كان لدى زاين المزيد من المعلومات للتحقق منها، فعاد إلى أبحاثه. طرق! طرق!
"ممم؟ أهذا هو صاحب الشقة؟"
عادة ما كان صاحب الشقة يأتي في نهاية الشهر، لكن زاين شعر أنه قد يحضر مبكراً نظراً لأن ابنه بحاجة إلى موارد للتدرب كمحارب.
"علي؟ ماذا تفعلين هنا؟"
قالت أليشا وهي تحمل حقيبة إلى داخل الغرفة: "كنت أتصل بك وأبعث لك رسائل منذ ساعات".
"أحقاً؟"
تفقد زاين هاتفه، فإذا به يجد: 13 مكالمة فائتة و5 رسائل نصية.
"انتظري، ألسنا في السادسة مساءً بالفعل؟"
وما إن تلفظ بتلك الكلمات حتى قرقرت معدته فجأة.
قالت أليشا: "ما الذي كنت تفعله طوال اليوم؟"
وضعت الحقيبة على الطاولة. ورؤيتها لحاسوب زاين المحمول أثارت فضولها فأدارته نحوها.
أجاب زاين قبل أن يمشي نحو الثلاجة: "لقد فقدت الإحساس بالوقت نوعاً ما. أنا على وشك تسخين بعض بقايا الطعام في الميكروويف. أتريدين بعضاً منها؟"
"لا حاجة. لقد أحضرت طعاماً".
"أحقاً؟"
"راودني شعور بأنك قد تكون في حالة ذهول ونسيت أن تأكل. لذا أحضرت بعض الدجاج المقلي".
أزالت أليشا دلوين يتسع كل منهما لثماني قطع لزاين وعلبة من قطعتين لنفسها. كما أحضرت أطباقاً جانبية لكليهما، لكن البطاطس المقلية كانت للمشاركة.
سألت أليشا: "لماذا لديك الكثير من علامات التبويب المفتوحة حول أبحاث الدماغ وحالة التدفق؟"
أجاب زاين قبل أن يشرح لها مفهوم التوجيه العقلي وفائدة [حالة التدفق]: "أحاول بناء مهارة سحرية جديدة".
"يبدو التدريب في البرج مُجهداً. يجب أن تعتني بنفسك. ولا تتردد في طلب المساعدة إن احتجت إليها".
أومأ زاين برأسه: "سأفعل. بالمناسبة، أيمكنك إلقاء نظرة على هذه الأرقام ومساعدتي في التخطيط للشهر القادم؟"
عرض عليها أسعار الموارد السحرية من الساحة بينما كان يشرح خطته لتعلم مهنة بدءاً من الشهر القادم.
هزت أليشا رأسها قائلة: "هذه المعلومات ليست مفيدة إلى هذا الحد. إذا كنت تريد التخطيط للمستقبل، فعليك معرفة إجمالي مبيعات كل صنف، وعندها يمكنك التخطيط للسوق الذي تستهدفه".
"إجمالي المبيعات؟ أهو يومي أم شهري؟"
"كلاهما سيكون مفضلاً".
"أيكفي بيانات متجر واحد؟"
"بالطبع لا"، أجابت أليشا، مما جعل زاين يقطب جبينه.
"أهل هذه المعلومات صعبة المنال؟"
"قد تكون كذلك، لكني سأبذل قصارى جهدي".
واصل اثنان أطراف حديثهما أثناء الأكل. قاوم زاين الرغبة في فتح الموقد وإعادة صنع المعكرونة بالجبن والبطاطس المهروسة مع مرق اللحم. أما الدجاج؟ حسنه، كان مقبولاً لكنه دهني للغاية. وكانت البطاطس المقلية هي الشيء الجيد الوحيد في هذه الوجبة.
قال زاين وهو يمسح الشحوم عن فمه ويديه: "والآن، أيمكنك إخباري بسبب مجيئك إلى هنا حقاً؟"
"ماذا تقصد؟"
"هيا. أستطيع تمييز متى يكون هناك شيء يشغل بالك. من خلال الطريقة التي تصرفتن بها، تبدو هذه وجبة اعتذار بدلاً من أن تكوني كريمة فجأة".
تنهدت أليشا: "ألهذه الدرجة يبدو الأمر واضحاً؟"
"انطقي بما عندك".
"حسناً. ربما، ممم، ربما كشفت عن حالتك كمتدرب لـ... سارة".
أطلق زاين أنيناً خفيفاً.
شرحت أليشا بسرعة: "لم أكن أعمد إلى ذلك! البارحة، بعد أن عدت إلى المنزل، دخلنا في جدال آخر. لقد سيرتِك أنت في الحديث. كنت منفعلة، وأفلتت مني الكلمة".
تنهد زاين ورشف رشفة من الكولا.
"لا بأس".
"لا بأس؟"
كانت أليشا قد هيأت نفسها للغضب، وربما حتى لشيء من الصراخ.
"لم أكن أتوقع منك أصلاً أن تخفي الأمر عنها".
"ماذا تقصد بذلك؟ أنا قادرة على حفظ السر".
قال زاين: "على أي حال، لا تقلقي بشأن ذلك".
لقد تصالح منذ زمن طويل مع فكرة انكشاف هويته بعد أن أدرك أن الناس غالباً ما كانوا يصورونه أو يخمنون أن الرقيب رود سيكشف الأمر للجيش الأمريكي. وكما أخبر أليشا، فإنه لم يتوقع قط أن تكتم السر عن سارة، سيما وأنه لم يطلب منها ذلك.
"بغض النظر، ما زلت أشعر بالسوء".
طمأنها زاين: "لا تقومي بذلك. قد لا يكون هذا أمراً سيئاً بعد كل شيء".
بهذه الهوية، كان يأمل أن تكون لدى سارة المزيد من التحفظات عندما تشعر بالرغبة في إبعاد علي عنهما.
"كيف ذلك؟"
"ألا تنظر إلي بازدراء دائماً؟ الآن، ستفكر مرتين قبل فعل ذلك".
"ليس الأمر هكذا. هي فقط تريد الأفضل لك".
أجاب زاين عرضاً: "إن كنت تقولين ذلك. بالمناسبة، في أي شيء كنتما تتجادلان؟