اقترب زين من اللوح وتأمل الرسم الهندسي.
حدّث نفسه في أول الأمر: "روناس البرق والحياة، كلاهما من فئة التلاعب. تقع روناس البرق في قطاع ديسفرا بينما تستقر روناس الحياة في قطاع أاليريك. هكذا تركيب بسيط يدل غالباً على تعويذة من الحلقة الصفر".
رسم زين إحداثيات ديكارتية في مخيلته ليحسب الموقع الدقيق لروناس السحر.
"المواقع الدقيقة توحي إما بتعويذة هجوم أساسية أو تعويذة كشف، على ما أعتقد".
مع أنه لم يكن متأكداً تماماً، فقد مضى قُدماً إلى الخطوة التالية. بعد الإلمام بالمعلومات السابقة، ركّز زين على توجيهات المانا.
أدرك بعد أخذها بالحسبان أنه كان على صواب: "نعم، هذه بالفعل إما تعويذة هجوم أو كشف، وهي تستخدم العين. التوجيهات المستعملة تهدف إلى تثبيت منطقة بالغة الحساسية كالعين لمنع التعويذة من تدميرها".
جمع زين كل المعلومات التي حصّلها وربط بينها: "هناك ثلاثة احتمالات ممكنة: أولاً، هذه تعويذة تعدل العينين لرصد النبضات الكهربائية في الجسم لكشف الأعداء أو ربما تحديد علامات الحياة. ثانياً، هذه تعويذة تطلق الكهرباء عبر العينين فحسب. ثالثاً، هذه تعويذة مظهرية تجعل العينين تبدوان وكأنهما تطلقان شرارات كهربائية".
قطّب جبينه عاجزاً عن ترجيح الصحيح بينها. لكنه تذكّر فجأة طريقة علّمها الأستاذ ماليدا لمثل هذه المواقف: طريقة فينايلا للاحتمالات. لم تكن طريقة متقدمة، بل أشبه بأداة يستعملها المحللون لاستبعاد الإجابات الخاطئة. لم يُضيّع دقيقة واحدة، فاستخدم الطريقة فوراً.
فكّر زين: "حسنًا، بات واضحاً أن الخيار الثالث مستبعد".
كانت تلك نبأً ساراً إذ انحصرت الخيارات أمامه في احتمالين اثنين. ولكن، مهما طبق طريقة فينايلا، فلم يفلح في حذف أيّ من الاحتمالين الباقيين.
سأل الأستاذ بوربانك فجأة: "إذن؟"
أطلق زين زفيراً وقرر الاتكال على حدسه.
استدار نحو الأستاذ وقال بأعلى درجات الثقة التي استطاع افتعالها: "إنها تعويذة كشف برق من الحلقة الصفر؛ تعدل العينين لرصد النبضات الكهربائية".
ظلّت عيناه مسمرتين على الأستاذ، مترقبتين بأمل يائس أي أمارة تدل على صحة توقعه. لكن الأستاذ بوربانك حافظ على هدوئه وسكينته.
قال الأستاذ: "أرني كيف توصلت إلى هذه النتيجة".
كان يعلم أن بعض الأفراد يتمتعون بموهبة تُدعى [حدس الرون]، وأراد معرفة ما إن كان زين يمتلكها أم أنه بنى أساساً متيناً في نظرية السحر. حاول زين الحفاظ على هدوئه وهو يمشي نحو اللوح ليعرض خطوة بخطوة كيف توصل إلى هذه النتيجة. وما إن انتهى حتى التفت نحو الأستاذ وانتظر.
قال الأستاذ بوربانك مسبباً ابتسامة نصر على محيا زين: "أنت محق. مع ذلك، حساباتك رديئة، وفيه أكثر من خمسة أخطاء. وفوق هذا، تبنى خلاصتك على افتراضات عدة وربما التخمين المحض".
احمرّ وجه زين، لكن للحظة واحدة فقط.
تنهّد الأستاذ بوربانك قائلاً: "بغض النظر عما سبق، من المذهل أن تتمكن من تعلّم كل هذا في غضون أسابيع قليلة فقط"؛
فقد كان يحسد هذا الفتى قليلاً على موهبته وتفانيه.
"أستاذ، لقد طلبت مني فعل هذا لـ..."
"أريد أن أتبناك".
"أتبناني؟"
أوضح الأستاذ بوربانك: "يمتلك البرج نظام رعاية. وبصفتي أستاذاً، يحق لي اختيار طالب واحد — شبیه بالمتدرب تحت الإشراف — وتقديم دعم أو مساعدة إضافية له".
تألقت عيناها زين، لكنه كبح بسرعة رغبته في الموافقة الفورية.
"أيمكنك إخباري بمزيد عن نظام الرعاية هذا؟"
"برأيك، لماذا يرغب هذا العدد الهائل من الناس في الانضمام إلى برج الأبعاد؟"
أوضح زين: "للوصول إلى تعليم أعلى وموارد نادرة".
"هذان سببان من أصل الأسباب الثلاثة الأولى، لكنّك نسيت سبباً: العلاقات"، هكذا شرح الأستاذ.
"معظمكم، يا أهل الأرض، لم تدركوا قَطّ مدى قيمة وجودكم. طريقة عمل البرج تقوم على كون الجيل الأول من المجندين هو الأكثر موهبة. ومع أن الكثيرين يتم استبعادهم بالخطأ، إلا أن الحقيقة هي أن هذا الجيل سيكون الأكثر موهبة على الإطلاق".
"الجيل الأول؟"
"هذه حرب — وسيموت الكثيرون منكم. لذا، سيتم تجنيد المزيد من الناس بطبيعة الحال".
"…هذا صحيح".
"جيل المجندين الأول مليء بالسحرة العظام المستقبليين — وربما بعض السحرة الكبار أيضاً؛ أنتم قادة حضارة الأرض في المستقبل — وحماتها المزعومون. البرج يعلم هذا. والعاملون في البرج يعلمون هذا أيضاً. لذا..."
أكمل زين بدلاً عنه: "نظام الرعاية موجود لبناء صلات مع هؤلاء القادة المستقبليين. ألهذا السبب تضم أنشطة النادي أطفال الموظفين أو أفراد عائلاتهم؟"
"هذا صحيح. كل معلم وموظف يمتلك عدداً محدوداً من الرعايات. وأفضل طريقة لتجاوز هذا القيد هي جعل نسلهم أو أفراد عائلاتهم يبنون علاقات مع أهل الأرض عبر أنشطة النادي".
أومأ زين برأسه وقد حلّ لغزاً طال جهله به.
"إذن، ما رأيك؟"
"يا سيدي، الرعاية بالغة القيمة. أليست محفوفة بالمخاطر بعض الشيء إن استخدمت بهذا التبكر؟ على ما تدري، قد أهلك في المناوبة القادمة".
لم يجبه الأستاذ بوربانك فوراً. عاد إلى مقعده ليستريح، ثم ألقى نظرة على ظهر كفّه. رغم براعته في توجيه المانا، لا يزال الأستاذ بوربانك يرى علامات الشيخوخة.
"أتعلم، أشارككم شيئاً واحداً يا أهل الأرض: لقد بدأت دراسة السحر متأخراً. كنت في العشرين من عمري حين اكتشف معلمي موهبتي أثناء سفره في قريتنا الصغيرة. وبإرشاداته ومورده وموهبتي، استغرقت خمسة أعوام فقط لأصبح ساحراً من الحلقة الثالثة. لكني ظللت عالقاً في مرحلة التأمل تلك لثلاثة وأربعين عاماً".
قاوم زين الرغبة في إظهار صدمته.
ومع ذلك، ساعد في طرح السؤال: "ألهذه الدرجة يصعب المرتبة لكي تصبح ساحراً عظيماً؟"
أجاب الأستاذ: "نعم، ولا. الأمر شاق، لكنني كنت أتلقى توجيهات ساحر عظيم بنفسي، لذا أتيحت لي فرص أعظم. ويا للأسف، تعرضت لعنة خبيثة أثناء نزهة في أطلال ما، كادت ترديني قتيلاً وتدمر معظم إمكانياتي. في الواقع، لقد تدمّرت تماماً".
"آسف يا أستاذ".
التفت الأستاذ بوربانك لينظر إلى زين وقال: "لا داعي للاعتذار إذ لا زال الأمل يحدوني. خلال الأعوام الأربعو الماضية، عشت أربع جلسات تدريبية ضد الغزو ورعيت سبعة طلاب. مات كلهم صغاراً عدا واحد، صار ساحراً عظيماً في نهاية المطاف. وهو من عالج الجرح في روحي وأشعل الأمل في صدري من جديد. …أنت تشبهه كثيراً: موهوب، ذكي، طموح، حدسي، ومحظوظ. في ذلك الوقت، ترددت في رعايته، وهو ما كاد يورثني ندماً لا ينقطع. لن أرتكب الخطأ ذاته مجدداً. على أي حال، لم يبقَ لي الكثير في هذه الحياة، لذا سأثق بحدسي مرة أخرى وأراهن عليك".
"أستاذ، ما تعنيه بذلك؟ ألا يملك شخص بمكانتك وسيل لتوسيع عمره؟"
"إطالة العمر — على الأقل، تجاوز الحد البشري البالغ مئة وعشرين عاماً — ليست بالشيء الشائع كما تظن".
"لماذا؟ أهو بسبب الندرة؟"
شرح الأستاذ بوربانك: "نعم، ولكن ليس تماماً. قبل أن يصبح المرء ساحراً كبيراً، يجب أن يظل الجسد والروح في تناغم. لذا، فإن أي تغيير جذري ودائم لأي منهما سيدمر إمكانيات السحر لدى الساحر، مانعاً إياه إلى الأبد من الارتقاء إلى مراحل تأمل أعلى. لذا، ينتظر أغلب السحرة حتى تقترب حياتهم من النهاية قبل محاولة أساليب الإطالة تلك. وفوق ذلك، يفضل الكثيرون منهم الموت على تدمير إمكانياتهم السحرية".
"هذا قاس".
قال الأستاذ بوربانك بهدوء: "العالم السحرية طبقي للغاية، وبالنسبة للكثيرين، امتلاك القوة والمكانة الرفيعة يعنى أكثر بكثير من العيش لفترة أطول. على كل حال، ما رأيك في عرضي؟"
"يسرني ذلك حقاً. ولكن كيف تعمل الرعاية تحديداً؟"
فعّل الأستاذ بوربانك شارة روحه وأرسل إليه وثيقة. يمكن تلخيص الرعاية في نقطتين رئيسيتين. أولاً، سيزود الأستاذ بوربانك زيناً بقدر معين من نقاط الأكاديمية لاستخدامها كل شهر، لكن هذه النقاط لن تحسب ضمن ترتيب صفه الدراسي. ثانياً، يمكن لزين جدولة وقت للدروس الخصوصية مع الأستاذ. هناك قواعد أخرى كثيرة في هذه الوثيقة، منها ألا يحابى الأستاذ بوربانك زيناً في الصف بعد الرعاية.
مع ذلك، لم يهتم زين بأي شيء آخر بمجرد رؤية كمية النقاط التي سيمنحه إياها الأستاذ. ابتسامة عريضة علت شفتيه، ومهما حاول، لمستحيل إخفاؤها.
أردف الأستاذ بوربانك: "لا تفرط في السعادة بعد. كل أسبوع، سأراجع تقدمك، وإن لم تفِ بشروطي، فسأسحب الرعاية".
أومأ زين: "هذا عدل".
تابع الأستاذ: "اذهب إلى ملفك الطلبي واملأ النموذج الذي أرسلته، وسيكون كل شيء جاهزاً. ولقد أتيت إلى هنا من أجل اللغة الإفية، أليس كذلك؟ لا تنفق نقاطك على ذلك. لدي كتاب توريث إفي في دراستي. سأحضره لك غداً".
"ممتاز. أأي احتمال بأن تملك بعض جراَع المرشد النجمي غير المستخدمة؟"
فقد الأستاذ القدرة على الكلام فوراً.
تنهّد في سرّه: "يمكنني إعطاؤك اثنتين. إن لم يكفِ ذلك، فاشتري الباقي بنفسك".
ابتسم زين: "إنها أكثر من كافية".