حضارة الأرض السحرية — مُتحدّي العوركيد

اقرأ حضارة الأرض السحرية — مُتحدّي العوركيد باللغة العربية على مانجا تايم.

خرج زين من الحمام ومسح المرآة. ألقى نظرة على وجهه وتنفس الصعداء: كان بحاجة ماسة إلى حقص شعره وتشذيب لحيته. مضى أسبوعان وبدا مظهرة أشعث. وضع مرطباً بسرعة وأنهى عنايته ببشرة وجهه قبل أن يرتمي على سريره الكبير. كان اليوم طويلاً ولم يرغب في شيء سوى ثماني ساعات نوم هانئة. للأسف لم يمنحه عقله أي سلام. ظل حدث اليوم مع جودي وحديثه مع أحمد يتراءيان في ذهنه ويلاحقانه بأسوأ من أي شبح.

استعرضهما مراراً وتكراراً مثل برمجيات خبيثة ملحة.

قال: "أحمد محق ولا داعي لأن يدع الذنب ينهشني. وجودي مخطئة فأنا لست أبي".

توجه زين إلى الإنترنت بلا تردد وزار صفحة نادي تقدير الشعر والذي أسماه هو بنادي الحلاقين ليحدد موعده. لم يكن الموعد للحلاقة بل قرر إطالة شعره. وما أن فرغ من ذلك حتى حاول النوم بلا جدوى. هكذا فتح حاسوبه وبدأ في البرمجة. أنهى زين موقعه الإلكتروني وبعض المهام الأخرى من الشبكة المظلمة مما سيوفر له دخلاً لا باس به بعد يوم الرحيل. ركز الآن على إعداد برنامج الكتب الصوتية.

لم توفر البرج كتباً رقمية ولم تكن هناك طريقة لمسح المستندات ضوئياً لذا تطلب برنامجه طريقة أخرى وهي الصورة. تعتمد فكرته على التقاط صورة لأي شيء يريده ليتحول المحتوى بعدها إلى شكل رقمي يستطيع برنامجه قراءته بصوت عالٍ. أمضى زين الليل كله في البرمجة وقبل أن ينتبه لنفسه كان يملك نموذجاً أولياً أساسياً. على الرغم من معاناته من مشكلات كثيرة وعدم إعجابه بصوت الكتاب الصوتي الآلي فقد كانت ليلة مثمرة.

نام أخيراً نحو الساعة الخامسة فجراً واستيقاظ بعد ساعتين ليبدأ روتينه.

الاثنين اليوم السابع عشر صف النخبة: قالت كيشا: "سمعت بما حدث في الحفل المختلط".

تنفس زين الصعداء وتطايرت معها آماله الضئيلة في ألا تذكر إيفلين شيئاً.

قال: "نعم لم أكن في أفضل حالاتي".

ذكرت كيشا: "لا يعنيني هذا. سمعت أنك تعاني صدمة قوية. أرى أن هذه فرصة جيدة لك لتجد من يساعدك في تخطيها".

اختلجت شفتاه: لماذا تصر هذه المرأة على أن تصبح طبيبته النفسية؟

سأل: "هل تمتلكين ترخيصاً لعلاج المرضى أصلاً؟ هل يملك السحرة تراخيص ممارسة مهنة؟"

أومأت كيشا برأسها وقالت: "يفعلون. سواء أكانوا معالجين عاديين أم نفسيين فجميعهم يحتاجون إلى ترخيص أساسي من النقابات. وهناك مستويات مختلفة من الاعتماد أيضاً".

تلفظ زين قائلاً: "هذا مريح".

قالت: "ما رأيك؟ بمجرد حصولي على رخصتي سأكون سعيدة بأن أكون طبيبتك".

كذب زين وقال: "سأفكر في الأمر".

حتى لو أراد زيارة معالج فسيفختار واحداً غير سحرّي. رفض السماح لأي شخص بالخوض في عقله وذكرياته مباشرة.

سألت كيشا: "أتخشى أن أتجسس على عقلك؟ تعلم أننا ممنوعون من دخول عقل أحدهم حتى يمنحنا الإذن".

أجاب زين مما جعل كيشا تتنفس الصعداء: لمجرد فكرة أنك قادرة على ذلك أمر مزعج. المعالجون النفسيون غير محبوبين لهذا السبب بالضبط. من الصعب بما فيه الكفاية جعل الناس يثقون بطبيب نفسي عادي ناهيك عن النوع القادر على دخول عقلك ومعرفة إن كنت تكذب وتصفح ذاكرتك بل والتحكم في كل هذه الأمور. تحدث الثلاثة لبضع دقائق قبل بدء الدرس. لم يتغير الكثير مقارنة بالماضي باستثناء اقتراب الجميع الآن من هزيمة الأورك وتنافسهم لمعرفة من سيفعلها أولاً.

مع ذلك ومهما اعتقدوا اقترابهم يظل الأورك هو الفائز في النهاية دائماً. بالنسبة إلى زين يمكن اعتبار أداء اليوم تراجعاً. تلقى ضربات كثيرة لدرجة أن المدرب سييا أوقف التدريب واقترب منه.

سأله: "ما بك؟"

اعترف زين: "أنا آسف يا مدرب لست في أفضل حالاتي اليوم".

لم يكن تركيزه في أتم حاله بعد ما حدث بالأمس وهي حقيقة استغلها الأورك خير استغلل. ألم جسمه كله لكنه لم يتذمر لكونه خطأه. ومض ضوء أزرق في عيوني المدرب سييا بينما ألقى تعويذة العقل من الفئة صفر بصمت فوري: كشف المشاعر.

قال: "تفوح منك رائحة الذنب والتردد والإحباط والقلق".

قال زين: "أنا —"

وجه المدرب سييا وجهاً بارداً وقال: "لا يعنيني ما حدث لك. إن أردت النجاة في هذا البرنامج فيجب أن تتعلم كيف تفصل بين حالاتك العقلية. حين يحين وقت القتال والقيادة عليك أن تتجاهل أي مشكلة داخلية تعانيها وتركز على المهمة المطروحة وخصوصاً عند التعامل مع عرق الشياطين. وإلا فمع كمية المشاعر التي يطلقها جسمك لست سوى ممسحة لهم".

التفت المدرب برأسه إلى الآخرين وقال: "يسري الأمر على كلكم. خذوا خمس دقائق للراحة قبل أن نتابع".

سشّى زين إلى ركن في غرفة التدريب وتأمل. ما أن امتلأت طاقته السحرية حتى ركز فوراً على توجيهه العقلي. قرأ خلال الأسابيع القليلة الماضية كثيراً في علم الأعصاب ليحسن استخدام توجيهه واليوم سيضعه موضع التطبيق. الدماغ نظام معقد ويقول بعضهم إنه بمعقد الكون ذاته. عرف من قراءاته أن القشرة الجبهية وبعض الأجزاء الأخرى تدير تركيز الشخص. استخدم زين موهبته في إدراك كل جانب من دماغه وبدأ يغذي تلك المنطقة من عقله بطاقته العقلية.

كانت هذه مجرد البداية. ما أن بلغ تركيزه مستوى رآه مقبولاً حتى شرع في تعزيز ردود أفعاله. انقضت الدقائق الخمس وفتح زين عينيه بهدوء. لظن أي ناظر إليه أنهما أنور من نجوم سماء الليل. مشى بهدوء نحو خصمه وبدأ المعركة. بدا كل شيء يسيراً: ظل هادئاً مهما فعل الأورك واستطاع التنبؤ بحركات الأورك من حركات جسمه الدقيقة وحدها وتمايل جسده بخفة الريشة وضبط توقيت تعويذاته بإتقان جعل كل محاولات الأورك لإيقافه بلا جدوى.

في النهاية وحين انتهت المعركة وهزم المخلوق لم يشعر زين بالكثير بل بدا الأمر سريالياً جداً.

ألقى المدرب سييا نظرة عليه لثوانٍ وقال: "دخلت حالة التدفق ولم تنزف؟ ممتاز. يبدو أن إتقانك للتوجيه العقلي قد تحسن".

تمتم زين وقال قبل أن يمسح أنفه بغريزية: "مم؟ يبدو ذلك. لكن ما حالة التدفق؟"

ذكر المدرب سييا بهدوء: "طالما يملك الكائن الحي مشاعر وذكاء فمن المستحيل أن يؤدي بنسبة مئة بالمئة طوال الوقت فالتذبذب أمر متوقع. تتيح لك حالة التدفق الأداء بنسبة مئة بالمئة بل وتجاوزها أحياناً. يستطيع الأفراد المهرة والمدربون تدريباً عالياً الاستفادة من تلك الحالة أحياناً لكنك بالتوجيه العقلي تستغلها متى أردت هذا إن أتقنت المهارة بالطبع".

قال زين: "فهمت".

كان المدرب سييا مباشراً وبما أن زين لم تكن لديه أسئلة أخرى فقد تابع الدرس. نادى الآنسة لونا لتفحصه والتأكد من خلوه من مشكلات خفية.

بعد أن منحته الضوء الأخضر قال: "بما أنك بخير فلنر إن كان هذا تطوراً أم مجرد صدفة".

استدعى أوركاً آخر وواجهه زين. كانت خبرة المدرب سييا رفيعة بحق. خسر زين في هذه المعركة وكذلك في المعارك التي تلتها. فاز في ثلاث معارك فقط من أصل عشر. ومهما حاول فلم يستطع دخول ما يسمى حالة التدفق مرة أخرى. لحسن حظه منحه المدرب سييا ثلاثمائة نقطة لكونه أول من هز الأورك. استمر الدرس وقبل نهايته نجح كل من الرقيب رود وكيشا -محفوزين بانتصار زين- في هزيمة الأورك مرة واحدة أيضاً.

بدأت المسكينة إيفلين في التوتر وتعهدت بالنجاح غداً. عبر زين وكيشا عن إيمانهما بها. رافق زين الاثنتين إلى ساحة الريشة القرمزية بعد الدرس. وما أن انفرد بنفسه حتى أتيحت له الفرصة أخيراً لفحص لقبه الجديد.

[اللقب: متحدي الأورك (أبيض)]

[لقد هزمت أوركاً مدرباً جيداً. على الرغم من كونها مجرد إسقاط تدريبي بلا وسائل مميتة فهي لا تزال إنجازاً يستحق الثناء. في أبعاد عديدة يُعد هزيمة أورك في المعركة شرفاً لأي فارس أو محارب. كن فخوراً. هذا إنجاز عظيم.]

[التأثير: زيادة طفيفة في بنية جسمك.]

[اللقب التالي: اهزم أوركاً حقيقياً.]

فكر زين: "تحسن البنية الجسدية؟ جميل".

تتضمن البنية الجسدية قدراً من التحمل والقوة لكن تأثيرها الأساسي يتمثل في قدرات الشفاء والدفاع وخصوصاً الدفاع ضد الهجمات الجسدية والسحرية. لا توجد فائدة أعظم في الحرب من النجاة من إصابات بالغِة لذا كان زين راضياً للغاية عن هذا اللقب.

فكر زين: "التوجيه العقلي مهارة سحرية لا غنى عنها بحق".

وفرت القدرة على اختراق الجسد أساساً للقيام بأمور استثنائية فوائد هائلة. لهذا السبب عقد العزم على إتقان جميع المهارات المعنية وخصوصاً العقل الآلي. أراد بشدة معرفة شعور امتلاك عقل سريع كحاسوب فائق.