—أليس لديك شارة مغامر؟ قطبت هيزل جبينها، موظفة الاستقبال، وهي تنظر إلى وايات كما لو أنها ظنت أنها سمعته خطأ. —هذا صحيح. —أتعني أنك ضيعتها؟ ابتسم وايات بمرارة، متسائلاً عما إذا كان هذا يعني أنه لن يحصل على مكافأة العفاريت. كان منطقياً أن تكون المكافأة التي تضعها نقابة المغامرين متاحة للمغامرين وحدهم. —في الحقيقة، أنا... انقطع صوت وايات عندما تقدمت ليرا لتقف بجانبه، ملوية ذراعها حول عنقه، وجاذبة إياه إليها. راحت تمازحه بدفعات خفيفة، غير مبالية فيما يبدو بأن وجهه كان ملتصقاً بجانب صدرها. —أنتَ لم تنتهِ بعد، أيها المستجد؟ لا يمكنني انتظارك للأبد، أنت تعلم. مهما حاول وايات، لم يستطع الإفلات من قبضة ليرا. كانت تمسكه بعفوية، لكن ذلك أخفى قوة ذراعها. كان جلدها بارداً ضد وجنته، وبدا صوته مكتوماً قليلاً وهو يحاول الكلام. —ليرا، كنت للتو... شددت ليرا قبضتها ببطء خفي، قاطعة كلامه. كانت هيزل تتابع ما يدور أمام مكتبها بنوع من الحيرة، لكنها انحنت برأسها احتراماً لليرا. —المغامرة ديلو أمار — أهلاً بك. أشرق وجه ليرا بابتسامة لموظفة الاستقبال. —مهلاً! لقد نطقْتِ اسم عائلتي صحيحاً! نادراً ما يفعل أحدهم ذلك. منحت هيزل المخلوقة البروتينية الزرقاء ابتسامة خفيفة. —أنت مغامرة برتبة فضية في النقابة. لكان علي أن أخجل من إظهار وجهي إن لم أتمكن من تذكر اسمك. أطلقت ليرا ضحكة مبتهجة. مالت إلى الأمام، مسندة مرفقاً واحداً على حافة المكتب، ومبتسمة لموظفة الاستقبال. كانت لا تزال تلف ذراعها حول عنق وايات، لكن ذلك لم يبدو أنه يعيقها بأي شكل. —أنت تعجبينني. ما اسمك ايتها الجميلة؟ تحولت وجنتا هيزل إلى الوردي قليلاً، لكنها حافظت على تعابير مهنية على وجهها. —الموظفة هيزل، المغامرة ليرا. اتسعت ابتسامة ليرا. —هيزل فحسب، أم أن هناك المزيد؟ —هيزل ألتوود. استقامت ليرا في قوامها، متوقفة عن الاتكاء على المكتب. —يسرني لقاؤك يا هيزل ألتوود! لابد أنك انضممت إلى طاقم العمل هنا في الفترة التي غبْتُ فيها، فمتأكدة أنني كنت سأتذكرك وإلا. أومأت هيزل بحذر، وتنقلت نظراتها من وجه ليرا إلى وجه وايات. —هذا صحيح، المغامرة ليرا. أنا أعمل مع النقابة منذ ثلاثة أعوام تقريبا. —نجل، هذا يتماشى مع الوقت. في الحقيقة... ألتوود، ألتوود... أأعرف هذا الاسم من مكان ما؟ عمق الاحمرار في وجنتي هيزل، لكنه لم يكن هذه المرة بدافع الإحراج البحت. —أفضل أن أنادى بالموظفة هيزل فحسب، المغامرة ديلو أمار. إن كان هذا يناسبك. —أه، هل وضعت قدمي في المكان الخطأ؟ آسفة، أفعل ذلك أحياناً. بالطبع يناسبني ذلك، الموظفة هيزل. على أي حال، هل انتهيتِ تقريباً من أمري مع مستجدي هذا؟ ترددت هيزل. —مستجدك — ما طبيعة ارتباطك بهذا الشاب بالضبط؟ هزت ليرا كتفاً واحدة. —أنا أتولى أمره فحسب. أحرص على ألا يورط نفسه في الكثير من المتاعب، أتعلمين؟ ظهر أثر ابتسامة في زاوية فم هيزل. سعلت، مغطية فمها بينما أشارت إلى وايات. —إن كان الأمر كذلك، فلربما يجدر بك جعله يتنفس؟ —أه؟ أه! آسفة على ذلك يا وايات! أفلتت ليرا وايات على عجالة، جادة إياه ليقف باستقامة ومربتة على ظهره بينما كان يسعل. رمق وايات المخلوقة البروتينية بنظرة غاضبة، لكن نظراته ارتدت عن طبيعتها المشرقة وكأن شيئاً لم يكن. التفتت مجدداً إلى موظفة الاستقبال. —إذاً هل يمكنني أخذه؟ إنه مدين لي بنزال تدريبي. قلبت هيزل الرقاق في مكتبها. تنحنحت، بادية كأنها غير متأكدة تماماً من كيفية فاتح الموضوع. —في الحقيقة، المغامرة ليرا، أحتاج إلى شارة وايات لكي أتمكن من إنهاء هذا التقرير. ولتوزيع الأموال الخاصة بمكافحة العفاريت. لكن... ألم يكن ليخبرني للتو بأنه لا يمتلك واحدة؟ تصنعت ليرا التنهد، ونخست وايات. —كان يجب عليك البدء بذلك يا مستجد. امنح طاقم النقابة دائماً كل معلومة يحتاجون إليها. لا تجعلهم يسألون! قفز وايات، محكاً ذراعه. لقد كانت أقوى مما تدرك حقاً. لم يكن وايات متأكدًا من الغاية التي تسعى إليها ليرا، لكنها كانت تكاد تغمز له. أمالت هيزل رأسها وهي تنظر إليهما. —إذن هو يمتلك واحدة؟ هزت ليرا رأسها، مانحة موظفة الاستقبال ابتسامة آسفة. —يجب أن أعتذر حقاً — مرتان في يومين كثير بعض الشيء، أعلم. —المغامرة ليرا؟ ماذا تعنين؟ وضعت ليرا يدها على خاصرتها، مبتسمة بخجل. —شارة الضياع بالطبع! اضطررت لإعادة إصدار خاصتي بالأمس — والآن عليك التعامل مع شارة وايات! إنه، بالطبع، شديد الاعتذار. رمش وايات مفاجأة، لكن لم يكن لديه الوقت الكفاية لرد الفعل أكثر من ذلك. أمسكت ليرا مؤخرة رأسه، دافعة إياه برفق لينحني للأمام. نظر إليها بطرف عينه، هامساً من بين أسنانه: —ماذا تفعلين؟ لم تكلف ليرا نفسها عناء الهمس بالمثل. —أساعدك للخروج من المأزق بالطبع! يمثل الأمر عناء حقيقياً لهم عندما يضطرون لإعادة إصدار شارة مغامر، لذا عليك إظهار تقديرك لذلك. انتظر وايات نبضة واحدة فقط قبل أن يحني رأسه لموظفة الاستقبال مجدداً، بشكل أعمق قليلاً هذه المرة. —آه، أجل بالطبع. أنا آسف حقاً على... ضياعها؟ عند قدميه، أطلق كيت تنهيدة مكتومة.
كانت ليرا مقنعة للغاية، وتتجاوز ببساطة أي عقبات بيروقراطية تعترض طريقها. لم يكن وايت متأكداً أكان ذلك بسبب شخصية المتغيرة أم بفارق رتبتها. في كلتا الحكانين، تيقن من عجزه عن إنجاز الأمر دون مساعدتها. اشتبه وايت في إدراك هايزل لوجود أمر ما، لكنها لم تبد مهتمة بإثارة ضجة حوله. لسوء الحظ، قضت رسوم تسجيل شارتها البرونزية الجديدة لامعة البصيص على كامل أمواله وزادت عليها، لكن ليرا سددت الفارق ببهجة عارضة إمكانية ردّه من أموال المكافأة. أشارت إلى حظ وايت الوفير؛ إذ كلفها استبدال شارتها الفضية ما يقارب خمس قطع ذهبية. تمثل العقبة الحقيقية الوحيدة في اضطرار وايت لتسجيل فئته في سجلات النقابة. لم تصادف هايزل فئة [المُتأقلم] من قبل، وانتهى بها المطاف لتسجيله كشخصية شاملة هجينة عوضاً عن فئة قتالية صرفة. حثت [الموظفة] وايت بشدة على التفكير في الانضمام إلى مجموعة قبل الشروع في أي توغل جديد داخل الزنزانة بمفرده. بعد تسوية ذلك، تسلم وايت مكافأة الغوبلنات السبعة. جعله ذلك وحده يشعر بالثراء، مع عدّ هايزل للقطع في كومة صغيرة من الفضة لا الذهب. أشارت ليرا إلى انعدام جدوى امتلاك القطع الذهبية ما لم ينوِ إجراء عملية شراء ضخمة، خاصة إن تحولت حتماً إلى فضة عند أول عملية دفع. ظن وايت أن الأمور انتهت، إلى أن أشارت ليرا ببهجة إلى وجود مكافأة تخص العوركات أيضاً. وبما أن النقابة قبلت تقرير وايت وتحققت من مهاراته كحقيقة واقعة، انتفى الاحتياج إلى تقديم غنيمة مادية. أدر ذلك على وايت عشرين قطعة فضية عن كل عورْك، أي أربعة عملات ذهبية بالمجمل. هكذا، وبعد سداده دين ليرا، وجد وايت بحوزته ما يقل قليلاً عن ست قطع ذهبية. ما إن انتهى كل ذلك، حتى عجز وايت عن التفكير في خطوته التالية. جرته ليرا عملياً إلى ساحة التدريب. وهناك، وقبل استيعابه للأمر حقاً، ناولته رمح تدريب وطالبته بعرض ما لديه. وهو ما تبين أنه... كاشف للعيون.
رفع وايات يده وهو يلهث، منحنياً ويداه على ركبتيه، ليطلب هدنة صامتة. تفقدت ليرا ضربتها التالية بسيفها، مائلة برأسها كأنها في حيرة. بدت البروتيانية منتعشة تماماً كما كانت عند بدايتهما، غير متأثرة البتة بالوقت الذي أمضتاه تحت الشمس في تلويح الأسلحة. أطبقت ليرا شفتيها. "تعلم، ليس من العادة الحسنة طلب الأمان من خصم، حتى في التدريب." أطلق وايات شهيقاً صاخباً محاولاً الاعتدال. أصابته ضربة ليرا الأخيرة في كتفه، وكانت عضلاته تصرخ احتجاجاً. لقد رأى الضربة قادمة، وحسب سرعة تلويح ليرا، وحرك رمحه إلى مكانه لصدها. غير أن نصل ليرا التدريبي التوى، شاقاً طريقه في الهواء بانحناءة تفادت سلاح وايات تماماً، وأصابته أسفل لوح الكتف مباشرة بينما كان يبالغ في مدّ ذراعه. لم تراقص كيت نزالهما سوى دقائق معدودة قبل أن تتوجه إلى التل العشبي في أحد جانبي ساحة التدريب. وهناك تكورت تحت شجرة، ولم ترفع رأسها إلا نادراً لتتأكد من أن وايات بخير. أومأ وايات، ناهضاً بأنين خفيف. "أعلم، لكن المفترض ألا يكون هذا جاداً، أليس كذلك؟" عقدت ليرا ذراعيها وهي تتأمل وايات. بدت منزعجة بغموض. "ليس جاداً، لكن عليك بذل وسعك مع ذلك. غير أن... كيف أقول هذا. توقعت أكثر." كظم وايات ألمه لسماع صراحتها القاسية. "حسناً، لقد أخبرتك أنك أقوى مني." هزت البروتيانية رأسها باعتذار. "لم أردها هكذا. قصدت أن — أوه، كفّ عن هذا. تعال إلى هنا." "ماذا؟" كان وايات يدلك برفق ظهره حيث ضربته. بدأ يؤلمه حقاً. وارتسمت على جسده كدمات عديدة حيث عجز عن صد ضرباتها، لكن ظهره كان الأسوأ بلا شك. لم تكن ليرا قاسية معه تماماً، لكنها لم تكن تكبح ضرباتها أيضاً. الآن أمسكت البروتيانية بذراعه، وتقوده برفق لكن بحزم بعيداً عن ساحة التدريب نحو المنحدر العشبي. "هناك. اجلس الآن أيها المستجد." لم تنتظر ليرا وايات ليفعل ذلك بنفسه، بل دفعته إلى الوراء ليترنح واقعاً في وضعية الجلوس على التل. ثم تحركت خلفه وهوت جالسة بدورها، وساقاها تكتنفان جانبيه. وضعت ليرا يداً على ظهره، محنية إياه للأمام قليلاً، ثم وضعت يداً باردة على كتفه المصابة. تلوى وايات مفاجأةً، متحركاً بارتباك عندما ثبتته ليرا بإحكام ساقيها. "انتظري، ماذا تفعلي —" عصرته ليرا بركبتيها. "اصمت." أمسكت البروتيانية معصم وايات، ومدت ذراعه باستقامة. ثم شرعت في تدليك محيط كتفه المصابة بحذر، فاحصة ومستكشفة. انتفض وايات ألماً في البداية، لكن الإحساس تغير سريعاً، مما جعله يطلق تنهيدة ارتياح. أدل وايات رأسه للأمام، شاعراً بالتوتر يغادره. "حقاً لا يتعين عليك فعل هذا، تعلمين." بدت ليرا مستمتاعة بخفة. "أعلم." صمتا معاً لبرهة وهي تعمل على علاجه. بدا الأمر لطيفاً للغاية حتى إن وايات بدأ يشعر بالنعاس، فكانت أصابعها قوية، ولمساتها باردة حتى عبر قميصه. كاده الأمر يفاجئه عندما تحدثت مجدداً. "قبل قليل، ما قصدته هو أنك لم تظهر لي المهارة التي ظننت أنك تمتلكها. حتى مع مجموعة، وحتى مع الحظ، للإيقاع بعفريفين..." فكر وايات في الأمر. "أظنني لم أرد إيذاءك فحسب." سكنت أصابع ليرا لبرهة، ثم قهقهت. "لم يكن ليحدث ذلك بأي حال يا وايات." احمر وجه وايات، مسروراً لأن البروتيانية لا يمكنها رؤية وجهه. "لم أردها هكذا! قصدت فقط..." فكر وايات، محاولاً تدبر أفضل طريقة لشرح نفسه. "... لم أكن أحاول إيذاءك." نقرت ليرا بإصبعها عتاباً على كتفه. "هذا ليس إطراءً يا وايات. عليك أخذ التدريب والنزال بجدية." تنهد وايات بيأس. كان يعلم أنه لا يشرح نفسه جيداً. "لم أكن أحاول التحلي بالشهامة أو ما شابه يا ليرا. قصدت أنني، حين أتدرب، طالما وجدت صعوبة في... الالتزام؟ في أخذ الأمر بالجدية التي أدرك أن الآخرين قادرون عليها. لكن الأمر يختلف عندما يكون مهماً. عندما يكون الأمر جوهرياً، يبدو لي كل شيء مختلفاً. أسهل." فكرت ليرا في هذا الأمر برهة. "أتستطيع إخباري بمزيد؟" "حسناً، الأمر يشبه ما حدث مع العفاريت. لم يكن لدي وقت للتفكير أو القلق — كنت أعلم أن علي التصرف. تجلى كل شيء بوضوح أمامي، كأنني في ذروة تركيزي. كان شيئاً حاول جدي تعليمي إياه، لكنه لم يثبت دائماً. لكن حين كنت أحارب العفاريت، حين رأيت ما يحدث لريك والآخرين، انطبق كل شيء... تماماً." شرعت ليرا في تدليك كتفه مجدداً، وأصابعها تغوص بعمق وببطء. "أوليس الأمر هكذا حين تتمرن أو تتبارى؟" هز وايات رأسه. "لا. أذكر التدريبات والحركات. لكني أشعر دائماً بنوع من التكلف." "ممم. أظنني أفهمك بصورة أفضل الآن. تبدو كشخص يفكر أكثر من اللزوم. يخطط لكل حركة قبل تنفيذها فعلياً. هذا النوع من الأمور يبطئك، بغض النظر عن مدى سرعة جريان أفكارك. من يدري، قد تظفر بمهارة ذات يوم تعوض ذلك، لكن حتى ذلك الحين فهي مسببة لعائق. على الأقل حتى تبدأ أدرينالينك بالتدفق." فكر وايات فيما قالته ليرا. "يبدو هذا شبيهاً بي حقاً." "ظننت ذلك. ربما استطاع [المدرب] انتزاع هذه العادة منك." تأوه وايات امتعاضاً. "يبدو ذلك لطيفاً." ضحكت ليرا برقة. "أوه، بالتأكيد. قد أتمكن من تدبر الأمر بنفسي، لكن سيكون علي التعامل معك بخشونة نوعاً ما. جلع عقلك الباطن ينقر في حالة تركيز أسرع... لكن هذا ليس نوع الأمور التي أستمتع بفعلها حقاً." "لكن إن استطعت القتال عند الحاجة...؟" ربطت ليرا على ظهر وايات بخشونة. "نجل. لا بأس حين يجدي نفري. إلى ألا يجدي. لكن—انتهيت من ظهرك. ينبغي أن يمنع هذا عضلاتك من التيبس أكثر من اللازم. يمكنك إضافة قطرات معدودة من جرعة شفاء لتتأكد، لكن قطرات معدودة فقط." قبض وايات على كتفه، محركاً ذراعه بضع دورات. لقد بدا أفضل بكثير حقاً. "لم قطرات معدودة فقط؟" "تكتسب عضلاتك قوة بشفاء التلف يا وايات. لهذا تشعر بالوجع بعد التدريب. الكثير من جرعة الشفاء سيلغي أي فوائد إن لم تتعافَ بشكل طبيعي." لم يفكر وايات في ذلك. تساءل إن كانت هناك عواقب أخرى لاستخدام شيء مثل جرعة شفاء. "شكراً، سأضع ذلك في الاعتبار. أتمانع لو تحركنا من تحت الشمس؟ تبدو كيت مرتاحة للغاية هناك تحت تلك الشجرة." "ممم؟ أتشعر بالحر؟ عذراً، أنسى دائماً كيف يكون الأمر بالنسبة لكم أنتم البشر. هنا." سحبت ليرا وايات بعفوية للخلف ليستند على صدرها. لفت ذراعيها حوله في حضن فضفاض، وأسندت ذقنها على كتفه. تيبس وايات مفاجأةً، عاجزاً عن إدارة رأسه لوجود رأسها في الطريق. كان أنفاسها تدغدغ عنقه. "أه... ليرا؟" "نعم؟" "ماذا تفعلين؟" شعر وايات بالبروتيانية تهز كتفيها. "أبردك." "أبـ —" توقف وايات في منتصف جملته. لقد أدرك للتو أنه بات يشعر ببرودة أشد. كان الأمر كأن كل الحرارة تُمتص خارج جسده مباشرة. لاحظ وايات أنها لا تبدو ساخنة كشخص عادي، لكنه لم يدرك أن الأمر بلغ هذا الحد. كان ذلك ممتعاً للغاية، لكنه كان ليستمتع به أكثر لو لم يكن مدركاً للغاية لجسدها أيضاً. في ساحة التدريب، توقف بعض المغامرين عن النزال، وأخذوا يشيرون نحوهما. متبسمين وضاحكين. "ليرا؟" بدت البروتيانية مرتاحة تماماً، لدرجة أن وايات تكون لديه انطباع قوي بأنها لا ترى شيئاً غير مألوف أو يستحق الذكر فيما تفعله. مع ذلك، كانت هناك مسحة خفيفة من الاستمتاع في صوتها توحي بأنها واعية بمدى تأثيرها عليه. "نعم يا وايات إيكهارت؟" "... أتمانعين أن أسألك، ما أنتِ بالضبط؟ تبّاً، عذراً — خرجت بطريقة خاطئة. كل ما في الأمر أنني لا أعرف شيئاً عن البروتيانيين، أو لمَ بشرتك باردة هكذا عند اللمس." ضحكت ليرا برقة، وذقنها ترتج على كتف وايات. "لا بأس، لم أزعج. يمكنني تمييز ما إذا كان أحدهم غير مرتاح حقاً بقربي، ولم ألمس قط هذا الإحساس منك، حتى في البداية. هنا، دعني أريك." أبعدت ليرا إحدى ذراعيها عما كانت تحتضن به صدر وايات، ورفعتها أمام وجهه. بدت كنسخة منحوتة باتقان ليد بشرية، مثالية في كل تفصيلة ما عدا اللون. استطاع وايات حتى رؤية الأوتار تتحرك تحت بشرتها وهي تثني معصمها وتديره. ثم، بينما كان يراقب، تغيرت بشرتها فجأة، لتصير شفافة، حتى استطاع الرؤية مباشرة عبر يدها إلى السماء ورائها. لم تكن كالزجاج مع ذلك؛ استطاع وايات تمييز أن يدها لا تزال هناك، بل بدا الأمر وكأنما ينظر عبر سائل لزج. حركت ليرا يدها ببطء ذهاباً وإياباً أمام وجه وايات. "ها قد رأيت؟ هكذا نحن." حدق وايات، فاتهراً لدرجة نسيانه تماماً لكيفية جلوسهما. "كيف يعمل هذا حتى؟ أتزالين بحاجة للأكل، أو الشرب؟" قهقهت ليرا. "نعم، كل ذلك وأكثر. نحن أشبه بأي شخص آخر في الغالب. هكذا صُنِعنا. يتطلب مني الأمر تركيزاً حقيقياً لفعل هذا." بينما تتحدث، عادت يد ليرا إلى طبيعتها. حركت أصابعها. "ها قد رأيت؟" صمتا معاً لبرهة، جالسين براحة معاً. كان وايات من كسر الصمت. "ليرا؟ لمَ تفعلين الكثير من أجلي، حقاً؟ لا يمكن أن يكون مجرد مساعدة "مستجد". لقد جعلت هايزل تظن أنني فقدت شارتي كمغامر للتو. لا أنني —" "— لم تمتلك واحدة بالأصل قط؟ أجل، كان ذلك واضحاً." "ألست فضولية؟ ألا ترغبين بسؤالي كيف كنت في الزنزانة؟" همهمت ليرا برقة لنفسها، متمايلة بقليل. "أتود ذلك؟ إن رغبت في محادثتي بالأامر، فلا بأس. وإلا فلن أتطفل." صمت وايات، مفكراً في الأمر. ثم لم يسعه إلا السؤال. "لكن... لماذا؟" "المغامر... المغامر يراكم ديوناً. إن نجوا، بالطبع. أشياء يدينون بها أو يُدان لهم بها. بعض الديون لا تتطلب حتى أن تُنطق، وقد تكون من طرف واحد. أو مدفوعة بندم. لكنك تسدّدها متى استطعت." "أهذا جيد حقاً؟" ضحكت ليرا برقة، ثم مدت يدها لتعبث بشعر وايات. "ما الذي فعلته حقاً من أجلك يا وايات إيكهارت، على أية حال؟ منحتك بعضاً من وقتي؟ بعض النصائح، بعض المساعدة البسيطة؟ لست بشخص مهم لدرجة أن وقتي ثمين لهذه الحصيلة. استرخِ!" "مع ذلك، أشعر أنني مدين لك. أهناك ما يمكنني فعله؟" هزت ليرا رأسها، بادية الاسترخاء تماماً. "لا، لا بأس. لكن إن أصررت، يمكنك أن تشتري لي شيئاً لأكله بكل ذهبك المكتشف حديثاً. أول غنيمة لمغامر تستحق الاحتفال. وأنا مولعة بالفاكهة." "أنتِ كذلك؟ حسناً، أترغبين في تجربة إحدى هذه؟" تخلص وايات برفق من إمساك ليرا، ناهضاً على قدميه. ظلت هي جالسة على المنحدر، مستندة للوراء بارتخاء، ناظرة إليه بفضول بينما يعبث بحقيبة حفظه. تجعد أنف البروتيانية بينما أخرج وايات الفاكهة الوبرية والذابلة من الزنزانة. ظلت متشككة، حتى قطعتها وايات، كاشفة عن محتواها الذهبي الغني. "ما تلك؟ لم أره قط من قبل!" "إنه فاكهة عثرت عليها. لا تقلقي، تحققت منها بمهارة قبل أكلها. تحبها كيت." وبالفعل، وما إن شممت رائحة الفاكهة، حتى سارعت كيت نحوه. مطالبة بواحدة لنفسها. أخذت ليرا قضمة مترددة من فاكهتها بينما كان وايات يحصل على أخرى للثعلبة الفضية. اتسعت عيناها البروتيانية صدمةً. "وايات — هذه مذهلة." ابتسم لها. "إنها جيدة، أليس كذلك." هزت ليرا رأسها بحزم، وفمها مشغول بالفعل وهي تنهش الفاكهة. ابتلعت، ماسحة العصير عن ذقنها. "لا، ليست جيدة فحسب — قلت إنها مذهلة! حلوة للغاية، ومعها مسحة منعشة..." وضعت ليرا يداً على خدها، مغمضة العينين وهي تمضغ بنشوة. قبلت فاكهة ثانية من وايات دون تردد ثانية واحدة. ارتجفت شفتا وايات وهو يراها تلتهم الفاكهة الثانية. لم يكن ليظن الأمر ممكناً، لكنها بدت مستمتعة بها أكثر من كيت حتى. "أتحبينها حقاً، هاه؟" "أأحبها؟ بل أعشقها! يحب البروتيانيون الفاكهة، لكن من الصعب جداً الحصول على أي شيء طازج هنا. ولم أرى شيئاً كهذا قط. من أين جئت بها؟" "وجدتها في الزنزانة." توقفت ليرا عن المضغ طويلاً بما يكفي لتدفعه، وصوتها مكتوم وهي تأكل. "اهدأ!" "إنه الحقيقي." "... كم عددها؟" هز وايات كتفيه. قطع واحدة لنفسه، معطياً النصف الثاني لكيت إذ انتهت من الأولى. "الكثير. قطفنا الكثير قبل أن نغادر." "كم عددها؟" "أه، دعني أفكر. كان لدينا ست وخمسون في البداية. بعد هذه الأربع، يتبقى اثنتان وخمسون." حدقت ليرا فيه بصمت. ثم وثبت على قدميها، مبتلعة آخر قطرة من فاكهتها، وشرعت في جر وايات من يده بعيداً عن ساحة التدريب. "ليرا، ماذا تفعلين —" سحبته ليرا بقوة أكبر، محاولة جعله يسرع. "أعرف تاجراً. هذا أفضل من أن يُترك راكداً. انتظر حتى يجرب البروتيانيون الآخرون هذا..." أسرع وايات؛ كان ذلك أو يُجرّ. "أتقصدين ليسيت؟" هزت ليرا رأسها. "لا، ليس هو! هذا تاجر متخصص في الفاكهة والمنتجات. كلنا نحن البروتيانيون نشتري منه!"