ترى كم كان منه مخططا؟ هل كان الهدف منذ البداية أن يتركوا هذا العدد الكبير منا لمصيره، وأن يلقوا بنا إلى الذئاب، ثم يتركونا تائهين وحيدين في عالم آخر؟ ظننا في بادئ الأمر أنه حادث، وأن المشكلة ستصلح بأسرع ما يمكن. ما أشد سذاجتنا. كان هناك مئات تطوعوا للعبور عبر البوابة، يسوقهم الوعد والأمل. وتسوقهم تلك الكذبة الوحشية، التي تسببت في انقطاع المئات عن ديارهم. لم يصل منا إلا قليلون جدا. أنت، يا من تقرأ هذا، يا من تعرف قصتي، ربما تظن أن أسباب شكواي قليلة إذا أخذت في الحسبان ما بنيته. لكن لا يساورنك شك، فما حدث كان جريمة. جريمة أريد من المسؤولين عنها أن يحاسبوا عليها.
— من كتابات حافظ العهد إيكهارت
تعثر وايت فور خروجه من البوابة. وتدارك نفسه في اللحظة الأخيرة ليمنع السقطة. طرف بعينيه محاولاً تجاوز الدوار العابر. كانت كيت إلى جانبه. تنظر حولها باهتمام. وبدت كأن شيئاً لم ياصبها من جراء السفر المفاجئ. كانا يقفان في باحة واسعة ومترامية الأطراف. تحيط بأطرافها مبانٍ خشبية ذات طابقين. واصطفّت بسطات وعربات عديدة حول المباني في دائرة كبيرة. يشتري التجار ويبيعان. وتتزاحم حشود البشر أمامهما. رُصفت أرض الباحة بحجارة رصيف ضخمة ومحكمة. ترتفع قليلاً دون أن تعثر أحداً. لمح وايت شوارع عديدة تتفرع عن الباحة. وبدت كلها طرقاً ضيقة وملتوية أو أزقة. تتصل بهذا المركز دون سبب أو منطق واضح. رفع وايت رأسه مستوعباً المزيد من محيطهما. ظهر سور على مسافة ما. يرتفع ليعلو فوق المباني المحيطة بالباحة. وبدا كأنه تحصين من القرون الوسطى كما تخيله وايت دائماً. ولمح ما ظنّهم حراساً يتمركزون في الأعلى. شعر بارتباك عابر حيال وجود سور داخل المدينة. لكنه تذكر ما قيل له عن المدينة -سكالهولم؟- من أنها نمت كثيراً منذ اكتشاف الزنزانة. تفرّس وايت في الباحة والمباني المحيطة بعينين جديدتين. وظن أنها ربما نشأت عفوياً خارج تخطيط المدينة الفعلي. ويفسر هذا بالتأكيد الشوارع الضيقة التي يراها في كل مكان. وبدت المباني نفسها ذات مظهر خشن كأن قشرة أكثر دواماً أُضيفت إلى هياكل أساسية في الأصل. التفت وايت إلى ورائه فرأى القوس للتو قد مر عبره. وبدا على حاله: كتل حجرية ضخمة خشنة النحت. لكن التربة أُزيلت هنا كاشفة عن هيكل حجر مستطيل. وبدا غريباً تماماً عن مكانه كأن بناءً حجرياً من العصر الحجري الحديث وُضع وسط ساحة مدينة. "وايت... كان منظر ذلك مخزياً". جذب أنين كيت انتباه وايت. فنظر إلى الثعلبة الفضية. ولم تكن تقابل نظرته بعينيها بل بدت متألمة. توجع وايت متذكراً عرضه أمام الحارس. وحكّ عنقه محمرّ الوجه. "أعلم. توترت فقط، حسناً؟" ارتجفت كيت وتمتمت لنفسها. "أرى أن عليّ التدخل في تربيتك أكثر مما أدركت. أرفض مرافقة شخص بهذه الشاشة". ازداد وجه وايت احمراراً. وقبل أن يسعفه الرد -أحقاً ظنت كيت أنها ستربيه؟- نُخس في كتفه. لم تكن النخسة قاسية. لكن الصوت المرافق حمل نبرة راسخة وسهلة لشخص لا يحتمل الجدال. "تحرك الآن أيها الفتى. أنت تعرقل الساعين للدخول". استدار وايت ليرى أحد الحراس المنوطين بهذا الجانب من مدخل الزنزانة. أومأ الرجل إليه مشجعاً. فسارع وايت إلى التنحي جانباً. وحين فعل لاحظ أخيرًا مجموعة المغامرين المنتظرين بصبر ليفسح الطريق. وكانوا أفضل تجهيزاً بكثير من أي شخص رآه حتى الآن. وارتدى أحدهم درع صفائح حقيقيّاً. ابتسم وايت لهم بضعف. "آه، عذراً بشأن ذلك". لم يجب المغامرون. لكن الذي ارتدى الدرع أومأ لوايت برأس بارد. ثم ساروا مقتحمين مدخل الزنزانة ليختفوا وميض ضوء خاطف. "الأفضل أن نبتعد عن الطريق يا كيت". شمّت الثعلبة الفضية لقوله لكنها التصقت بعقبي وايت. كان الناس يمشون في كل مكان. وكانت قلقة بوضوح من التعرض للدهس. "أستكونين بخير في الأسفل؟ ربما كان عليّ ارتداء حقيبتي بعد كل شيء لتتمكني من مغادرة الأرض". هزت كيت رأسها. لكن ذيلها تموج قليلاً مسروراً باهتمام وايت. "سأكون بخير. وإن اضطررت فسأقفز في ظلك وحسب". تلفّت وايت مستوعباً كل المناظر. "هناك بشر كثر حقاً. أعني أنني علمت أنها ستكون مدينة. لكن الوجود هنا أمر ساحق جداً". "ألا توجد مدن حيث تنتمي؟" هز وايت رأسه. واحتفظ بصوت منخفض كيلا يظن المارة قربه أنه يكلم نفسه. لكن كيت لم تبدُ تعاني مشكلة في سماعه. "ليس هكذا. أعني أنها كانت موجودة حين كنت طفلاً. لكنني لا أذكر الكثير". انتصبت أذنا كيت. "ما الذي حدث؟" هز وايت كتفيه. "ساء كل شيء. مرض، مجاعة، حرب... انهار عدد السكان بشدة. لكن الأمر بدأ حين انفجرت البراكين. كلها دفعة واحدة في كل أنحاء العالم". ضغطت كيت بنفسها على ساق وايت متجنبة مجموعة بشر بدا عليهم السكر والصخب. وتركز اهتمامها كله على وايت ناظرة إليه بإبهان. "جبال نارية؟ أإلى هذا الحد عالمك صغير حتى يستطيع إحداث كل هذا الخراب؟" ارتبك وايت في البداية ثم أدرك مهما كانت ماهية كيت وأياً كانت قاعدة المعارف التي تمتلكها أن كارثة عالمية بهذا الحجم ليس شيئاً تستطيع فهمه. "لم يكن الثوران وحده المشكلة يا كيت. مع أن أجدادي قالوا إنه سيئ بما يكفي. لكن المشكلة الأساسية تمثلت في وجود رماد كثير بالغلاف الجوي حجب الشمس عن الرؤية لأكثر من عام". لوى ذيل كيت يميناً ويساراً وهي تفكر في الأمر. ثم أشرق الفهم. "آه. لن ينمو شيء". "بالضبط. ليس المحاصيل فحسب بل النباتات عموماً. لم يتبقَ شيء تقريباً وتصارع الناس على ما بقي". "عام... مندهشة أن أحداً منكم بقي أصلاً". أومأ وايت بسهولة لا يزال يتلفت. كان وقتاً مرعباً ومدمراً بالتاريخ. لكنه كان أصغر من أن يدرك الرعب الحقيقي. وحين آواه أجداده حاولا حمايته قدر استطاعتهما. وبدا له كل ذلك عادياً فلم يعرف شيئاً سواه. "نعم، ساء الأمر حقاً. شيء تلو الآخر. ثم أتانا زوار". "زوار؟ أفترض أنك لا تقصدك شخصياً". "لا، ليس أنا. زوار للأرض. قالوا إنهم لاجئون من عالم يموت. لا أعرف الكثير عنهم -أظن الحكومات حاولت إبقاء الأمر سرياً قدر الإمكان. ومات أجدادي في ذلك الوقت تقريباً فكنت ضائعاً... بعض الشيء. لكن انتشرت صور قليلة. وبعد وصولهم بعام تقريباً صار لدينا بوابة عاملة. حسناً، عاملة نوعاً ما. وها أنا ذا". أدرك وايت أن كيت تحدق فيه مليّاً. "ما الأمر؟" "... أنت مسترخٍ أكثر من اللازم حيال أحداث تهز أي عالم فما بالك بعالمين". هز وايت رأسه محاولاً جعل كيت تفهم. "كيت، الأمر ليس هكذا. فكري في الأمر: إن كان كل يوم صراعاً فقط لإيجاد ما يكفي للأكل، وكل مدينة ترينها خالية تقريباً لعدم وجود بشر كملء المنازل، وما يصلك من أخبار قليلة ليس إلا هلاكاً وبؤساً... تتعلمون بطريقة ما تقبل الأمور ببساطة. لا يمكنك الذعر للأبد". أومأت كيت ببطء وهي تفكر فيما قاله وايت. ثم رمقته بنظرة ماكرة. "أميل للإعجاب بعقليتك الرواقية القابلة للتكيف يا وايت، لولا أنني رأيت للتو تكاد تلعثم لاضطرارك للتحدث إلى حارس". حدق وايت بوعيد في كيت. "هذا مختلف". "أحقاً؟" "نعم. لست معتاداً وحسب التعامل مع بشر كثر. ليس في الأمر خطب". "أعلم. لا تقلق، أنا أداعبك فحسب. إذن، هؤلاء الزوار لعالمك: من هم تحديداً؟" لمح وايت مجموعة بشر متجمعين حول أحد جوانب الباحة واتجه نحو هناك على أساس أنه لا يعرف مكاناً آخر يقصده. وأمال رأسه قليلاً متحدثاً إلى كيت برفق وهي تتبعه. "لم أكتفِ إلا برؤية صور قليلة. بدا أن لديهم ألقاباً بدل الأسماء مثل «شعب التلال» وأشياء غريبة أخرى كهذه. لكنهم أُشير إليهم كثيراً باسم «السيذي»، لذا أخمّن أن هذا ما يطلقونه على أنفسهم. لكن الأمر برمته كان مجرد سماع، ولم تكن لدي طريقة لمعرفة اليقين". هزت كيت رأسها ببطء وهي تفكر. "السيذي؟ لا يمكنني قول إنني أعرف ذلك الاسم. أمتأكد أنه صحيح؟ كيف بدا شكلهم؟ أقلت إنك رأيت هيئتهم؟" هز وايت كتفيه. "أظن ذلك. لكنه قد يكون اختلاق شخص ما. وكيف بدا شكلهم؟ جميلون، لكنهم غريبق الطوار نوعاً ما. طوال جداً ونحيلون -كأنهم مُطّوا. عيون أكبر مما تتوقعين. وأذناهم-" توقف وايت عن الكلام بغتة حتى التفتت كيت بذعر. "ماذا، ما الخطب؟" "عذراً، لا شيء. لكن... هؤلاء الناس هناك؟ ما هم؟" أصدرت كيت صوتاً استياء لانزعاجها بلا داعٍ. لكنها حين رأت من ينظر إليه وايت توقفت هي الأخرى. "أه. هذا ممتع. لا تراهم غالباً. لا بد أن هذه المدينة عالمية بحق. هؤلاء هم البروتيانيون- عرق مخلوق من البشر". "البروتيانيون؟" كانوا ثلاثة وتميزوا وسط حشود البشر المارين. بل بدا أن معظم الناس يمنحونهم نظرة ثانية على الأقل. بدوا بشراً بما يكفي في الهيئة، إن كانوا أمثلة مثالية للغاية عليها. وارتدوا ملابس ودروعاً. لا يتصرفون بغرابة أو يفعلون شيئاً يلفت الانتباه... لكنهم خطفوا العيون بمجرد وجودهم. لقد كانوا باللون الخاطئ. واحد أزرق وآخر أخضر وثالث بنفسجي باهت، كلهن نساء. وتوحد لون جلودهن ووجوههن وشعورهن بلون واحد في كل جزء استطاع وايت رؤيته. ولم يكن شعرهن صحيحاً تماماً؛ إذ لم يتحرك كالشعر العادي. بل إن طريقة تدليه حول وجوههن جعلت وايت يشك في أنه قطعة واحدة. تابعت كيت التحدق باهتمام بالثلاثة. "نجل. لقد خُلقن كما قلت. ومثل معظم أبناء جلدتهن، فهي قصة دنيئة لن أتحدث عنها هنا- فليس هذا مكانها. لكنهن شعب قوي وذكي. لو كان عددهن أكبر لربما أصبحن قوة. لكنهن قلائل العدد دائماً على الدوام". بينما كان وايت يراقب المجموعة تيقن أن البروتيانية الزرقاء التقت نظرتها بنظرته. كانت المسافة أبعد من أن تتبين تعبير وجهها. لكنها نظرت إليه طوال عرض شعرة تقريباً، قبل أن تعيد اهتمامها إلى رفيقاتها. وبدين كأنهن يخضن نوعاً ما من جدال فيما بينهن. إذ تعترض البروتيانيتان البنفسجية والخضراء لدى الزرقاء. أبعد وايت نظره عن الثلاثة على مضض. وكانت لديه مهام عدة أراد إنجازها قبل نهاية اليوم ولم يمتلك وقتاً يضيعه. ومع ذلك لم يكن واثقاً تماماً عما ينبغي أن يبدأ به. "كيت، برأيك ما الذي يجب أن نبدأ به؟ نحتاج للذهاب إلى نقابة المغامرين وعلينا تدبير مكان لنقيم فيه أيضاً". تلفّتت الثعلبة الفضية حولهما وتوقفت حين لمحت شيئاً. "أردت بيع سيف الأورك أليس كذلك؟ فلم لا تبدأ بذلك بما أننا هنا؟" تبع وايت نظرة كيت نحو البسطات والاكشاك المصطفة في الباحة تبيع تشكيلة واسعة من البضائع. "أخمّن أنه لا ضير من المحاولة. سنذهب إلى النقابة بعدها". أعطت كيت وايت نظرة مشككة. "أتحسن المساومة؟" ابتسم وايت بحنين ما. "لا تقلقي، اعتدت مشاهدة جدتي تسامم طوال الوقت حين نأخذ محاصيلنا إلى السوق المحلية". سار وايت نحو البسطات التي بدا أنها تبيع الأسلحة في الغالب. وظن ينظر مراراً من فوق كتفه شاعرًا بأن البروتيانية الزرقاء لا تزال تنظر إليه، لكنه لم يضبطها تفعل. اختار وايت أحد التجار عشوائياً متوقفاً أمام أحد الأكشاك الأكثر رسوخاً. ابتسم التاجر خلف الطاولة باتساع لوايت. وكان رجلاً ضخماً تشد سترته عند وسطه، وامتلك لحية مدببة ومقلمة بعناية تلفت الأنظار. وأشار ببحبوحة إلى وايت بصوت دافئ وجهير. "مرحباً صديقي! أهلاً بك في كشك ليسيت المتواضع للأسلحة! أنا بالطبع ليسيت، [التاجر] الموثوق في سكالهولم. بمَ يمكنني مساعدتك اليوم- أبحث أنت عن ترقية ربما؟ سكين احتياطي ليعينك في ترحالك؟ كل ما أبيعه من المقبولية بمكان!" طرف وايت ثم ابتسم واسعاً. "مقبول فقط؟" ضحك ليسيت. "آه، لا تحتقر المقبولية يا صديقي! قد لا أملك أغراضاً مسحورة أو أعمال [حداد] ماهر، لكنني أضمن ألا تعترض قط على أي شيء أبيعه!" ابتسم وايت باتساع أكبر معجباً بالرجل سلفاً. بل إنه... أوقفه نخس حاد من كيت في ساقه. "احذر. إنه يستخدم مهارة. [استقطاب الزبون] أظن". تصلب وايت متنبهاً لآثارها متراجعاً قليلاً. وشعر بها الآن رغبة في الوثوق بالرجل المبتسم أمامه. ولم تشعر كأنها خبيثة، لكنه لم يحب فكرة التأثير في سلوكه بمثل هذه السهولة. بدا ليسيت محتاراً لتغير سلوك وايت، لكن ابتسامته اتسعت أكثر بعدها. "آه، لا تبدو متجهماً هكذا يا صديقي الشاي! ألن تفعل لي معروف إخباري باسمك على الأقل؟ ويا لها من وحش رائعة تتخذها رفيقة! بمَ يمكنني مساعدتك اليوم؟" "... وايت. أبحث فعلاً عن بيع سلاح التقطته في الزنزانة. أتشترى وتبيع أيضاً؟" تلاشت بعض هالة ليسيت المرحة، لكنه ظل مهتماً. ومسح لحيته متبحراً في وايت بتفكر. "غنائم زنزانة بالفعل؟ يجب أن أقول إنني أسأت تقديرك يا وايت الشاب. حسبتك ربما متبدئاً يستعد للتجهيز. أنا أشتري الأغراض طالما كانت بجودة مناسبة. أسلحك مسحور؟" هز وايت رأسه مسترخياً قليلاً. وشعر براحة أكبر مع هذه النسخة من التاجر. "لا أظن ذلك. أنا... أخذته من أورك. إنه سيف عظيم". ارتفع حاجبا ليسيت حين سمع مصدر حصول وايت على السلاح. "أورك؟ تفاجئني مرة أخرى! معذرة، لكن ما كنت لأحسبك مرتاداً للطبقات العليا. هندامك هو- اغفر لي، لكنه ريفي في أحسن الأحوال. لكن صرع أورك... أيمكنني رؤية السلاح؟" أومأ وايت. "بالتأكيد". تردد لحظة واحدة قبل إخراج السلاح من حقيبة الإمساك خاصته. التفت وايت متفحصاً فلم تبدُ ثمة مشكلة في حمل سلاح في العراء. وكاد كل شخص رآه يحمل نصلاً من نوع ما. نادى وايت سيف الأورك خارج حقيبة الإمساك خاصته. وكان طويلاً لدرجة جعلته حذراً عند إخراجه ومضطراً لإمساكه من النصل حتى يتجاوز الفتحة تماماً. ثم بسطه وايت طولياً على طاولة الكشك. انكب ليسيت فوق السيف العظيم متفحساً إياه بدقة. "همم... نعم، أستطيع تصديق أن أوركاً حمل هذا. إنه أضخم بكثير ممن لا يملك مهارة قوة. وربما غير متوازن جيداً؟ لنرَ... [تقييم البضائع]. آه. إنه كما ظننت". لم يبدُ ليسيت معجباً للغاية بالنصل، وهوت آمال وايت في غنيمة مفاجئة. ونظر إلى الثعلبة الفضية لكنها هزت كتفيها فحسب. "ليس جيداً على ما أظن؟" تنهد التاجر هازاً رأسه. "أخشى لا. أترى هنا وهنا؟ علامات مطرقة لا تزال واضحة على النصل. صُنع بخشونة ومن ثَم تتأثر قيمته تبعاً لذلك". بدا التاجر بائساً ومعتذراً لدرجة كادت توقع وايت في فخ التمثيل. ورغم أنه لم يعدّ نفسه خبيراً أو محنكاً، فقد شاهد جدته في سوق المجتمع الصغير مرات كافية ليعرف متى يحاول أحدهم خفض السعر. وقرر مجاراة الأمر. تنهد وايت بدوره متبنياً تعبيراً محبطاً. "أعني، ما ظننته قط شيئاً خارقاً، لكنه عارٍ تركه بجوار الجثة ألا تظن؟" أومأ ليسيت متعاطفاً. "أه، أنا متأكد. وأحترم الطبيعة المبادرة لشاب مثلك! لكنني مع ذلك لا أستطيع عرض الكثير مقابله". أخفى وايت ابتسامة دون الحاجة لنخسات كيت المحددة. وبما أن ليسيت اعترف بدفعه شيئاً مقابل السيف، فمن الواضح أن التاجر ظن قدرته على تحقيق ربح بطريقة ما. وضبط وايت وجهه على ابتسامة لطيفة لكنها آسفة. "كم برأيك تبلغ قيمته؟" مصّ التاجر أسنانه مانحاً إياه نظرة تقدير وحساب. وتساءل وايت إن امتلك مهارة تحذره من توخي الحذر. طوى ليسيت ذراعيه. "ثماني عشرة قطعة نحاسية". لم يتفاعل وايت، لكنه حاول داخلياً حساب سوء هذا العرض حقاً بسرعة. وادرك اضطراره لمحاولة دفع ليسيت لرفع سعره على أي حال، لكنه أراد معرفة مدى محاولة التاجر ابتزازه. والمشكلة تمثلت في جهله باقتصاد هذا العالم. فكّر وايت بسرعة. لنرَ... قال لوسمر إن جثة غالفا دير ستدر نحو خمس قطع ذهبية- وصُدم الجميع بالسعر. لذا خمس قطع ذهبية كثير. ومكافأة الغول السبعة بلغت ثماتية وعشرين فضية، وكفت تلك لتغطية الإقامة لوقت طويل... تردد ليسيت محبطاً ربما لغياب تفاعل وايت. وتنحنح التاجر. "أستطيع ربما إضافة خمس نحاسات أخرى. لمجرد طرافة كونه سلاح أورك! لكنني لا أستطيع علواً بحال فوق ذلك. ثمة احتمال لاضطراري لبيعه خردة ليعاد سبكه بعد إذن. فكيف تبدو فضية واثنتا عشرة؟" "يبدو ذلك أفضل قليلاً..." كان وايت لا يزال يحسب سعر العملة. واحدة واثنتا عشرة- يعني هذا وجود عشرين نحاسية لقطعة فضية واحدة. ابتسم وايت للتاجر بسعادة حقيقية. ليس لسعر السيف -فقد تيقن أن ليسيت يبخس القيمة الحقيقية للسيف العظيم- بل لأنه تلقى للتو درساً مكثفاً في اقتصاد أنوين. أو بمدينة سكالهولم على الأقل. وكان عليه الذهاب إلى نقابة المغامرين على أي حال للإبلاغ عن مصير رايك والآخرين، لذا استطاع الاستفسار عن مكافأة الغيلان حينئذ. مع ذلك، لم يعنِ هذا وجوب تسهيل الأمر على ليسيت. وعلاوة على ذلك، استمتع وايت بوقته. ونقر السيف بإبضعه. "أدرك أنه خشن، لكن لا بد أن الصلب ليس عديم القيمة إلى هذا الحد. أعني إن اضطررت لصهره". حدّت عينا ليسيت لسماعه ذلك، لكن ابتسامته عادت ببحبوحة سالفة. "في مدينة مغامرين مثل سكالهولم؟ تمزح قطعاً! تعمل الأطراف نهاراً ليلاً! تصل العربات المحملة بالمعادن يومياً". "يبدو أن حاجتهم ماسة إليه إذن. لذا ربما لا يكون السيف استثماراً محفوفاً بالمخاطر؟" انتفض ليسيت ثم أطلق ضحكة مدوية. "حسناً أيها الشقي! دمرني! سأمنح فتى حاداً مثلك فضية واثنتي عشرة. ولا نحاسية واحدة زيادة!" ابتسم وايت ماداً يده. "اتفقنا". خشى في اللحظة الأخيرة ألا يصافح الناس في هذا العالم، لكنه تخوف بلا أساس. أخذ ليسيت يده بقبضة قوية مردداً كلمات وايت. "وانتهى الأمر!" وبانقضاء تجارتهما، صار وايت الآن يمتلك قطعة فضية لامعة واثنتي عشرة عملة نحاسية باهتة يضيفها إلى الحفنة التي يمتلكها سلفاً. وشعر بفخر مفرط بنفسه. قبل أن يلتفت للمغادرة مع ذلك، لمعت فكرة في رأس وايت. "في الحقيقة، كنت أبحث عن نقابة المغامرين. أتستطيع إرشادي؟" أومأ التاجر بسهولة هادئة وقد خفت شخصيته الحماسية بعض الشيء الآن بعد انقضاء تجارتهما. لكن قاطِع ليسيت قبل أن يتكلم. نادٍ بصوت جهير أنثوي ومفعم بالمرح: "يا ليسيت يا محتال! آمل ألا تسلب الصغار الأبرياء مجدداً!" التفت وايت ليرى امرأة، نفس البروتيانية الزرقاء الشاحبة التي رآها سابقاً، تتمشى نحو كشك التاجر. وعرفت ليسيت بوضوح إذ أشرق وجهه للبروتيانية بصدق أكبر بكثير مما فعل مع وايت. "ليرا؟ ليرا! أيتها الفتاة، تعالي إلى هنا لأراكِ- لم أركِ منذ دهر! اثنان! آه، لكنك تجرحين قلبي؛ لا تزالين فاتنة ولا تبدين أكبر بيوم عما رأيتك آخر مرة". ابتسمت المرأة الزرقاء، ليرا، بوقاحة للتاجر. "لم ينفعك التملق قبل عشر سنوات، ولن ينفعك الآن". ترنح ليسيت للخلف واضعاً يده على قلبه. "قاسية، قاسية جداً! وما هذا الاتهام بشأن سلبي زبائني الأعزاء؟ أُعلمك أنني كنت مثال الكرم مع هذا الشاب!" التفتت ليرا لمواجهة وايت وابتسامة تلعب حول شفتيها. "حسناً؟ أكان كذلك؟" طرف وايت متفاجئاً. وحين صارت قريبة بالقدر الكافي للرؤية بوضوح شعر كأنه صُعق. اختلف جلدها عن أي شيء بشري، إذ حظيت بنعومة مثالية متجانسة لم تظهر عيباً واحداً. واكتست لمعة مطفأة ذات خاصية معتمة يصعب تحديدها. وبدت ملامحها قوية لكنها مصوغة بدقة، وتدلى شعرها المتصل- مقلداً مظهر خصلات منفصلة- حول وجهها مؤطراً إياه بطريقة فاتنة. أما عيناها اللتان ظنّهما بلون واحد فحملتا في الواقع درجات مختلفة من الأزرق صدى لحدقة العين البشرية وبؤبؤها. ارتدت ليرا قطعا متفرقة من درع جلدية بدا كأنها غير متطابقة ومغطية لكل أعضائها الحيوية. وحملت سيفاً عند وركها، بلا درع تمكن وايت من رؤيتها. وكانت طويلة القامة أيضاً، بطوله ومطلقة انطباع قوة سهلة. وصعب تحديد عمرها بدقة، لكنها لم تبدُ أكبر بكثير من أواخر العشرينيات. واستوعب وايت أنه كان يحدق بوجه المرأة لعدة لحظات طويلة دون كلام فاحمر وجهه خجلاً. قهقه ليسيت بصوت عالٍ. "آه أيها الفتى! لو علمت أنك ستكون بهذه الطرافة لمنحتك صفقة أكبر حتى. يا ليرا، اشفقي على الفتى وهدئي من روعك. تعترين مدى خطورتك إن لم يعتدِ عليك أحدهم". تنحنح وايت على عجالة متجاهلاً تمتمات كيت عن إحراجه مجدداً. "أنا، آه- لا أقول إنه كان مثال الكرم، لكنه كان منصفاً بما يكفي". ابتسمت ليرا مجدداً، لكنها طوت ذراعيها رافعة حاجبها في وجه ليسيت. "أهكذا؟ أصعب بطريقة ما تصديق ذلك". تنهد ليسيت بتمثيل مسرحي. "من الصعب جداً أن تكون تاجراً أميناً هذه الأيام. يا ليرا، أتملكين وقتاً للتوقف والتحدث؟ افتقدتك حقاً، ومرت سنوات منذ أن شرفتِ كشكي. أين كنت؟" اتكأت ليرا على كشك ليسيت بيد واحدة مؤمأة بالموافقة. "مر وقت طويل حقاً يا ليس، وأعدك بأن أفرغ وقتاً للحاق بما فات. لكنني متوجهة إلى النقابة في عمل. كنت متطفلة لا أكثر وسمعت زبونك يسألك عن الاتجاهات". أومأ التاجر بأسف. "سأطالبك بذلك، تذكر كلماتي يا ليرا". ضحكت ليرا ملوحة بالوداع. ثم التفتت إلى وايت مانحة إياه نظرة فاحصة وغامزة. "إذن. تحتاج إلى مرشد؟"