ابتسم نصف التنين. قال محاولاً إبداء أكبر قدر ممكن من اللياقة والودّ كما علّمه أبوه: "أنا كريوس. سررت بلقائك". حدّق فيه الرجل أسود البشرة بضع ثوانٍ قبل أن يقرع بلسانه. "أنت مغطى بماصّاتهن. عوالق الهزّات كائنات مقيتة". جاء صوتُه رتيباً وبالكاد... ملولاً. كأنما الأمر مجرد روتين. التفت إلى الوراء. "أيها الرجل! أحضروا بعض الأيدي الإضافية إلى هنا!". أعاد نظره إلى كريوس. "أنا ترروك، رئيس عمال منجم الفضة هنا في سونسكريست". فكر كريوس: سونسكريست. أمعن في ذاكرته محاولةً استرجاع الاسم من الخرائط التي رسمتها أمه وأبوه وألزماه بدراستها. لكنه لم يتعرّف إليه. "ما هي المدينة الكبرى المجاورة؟". أجاب ترروك: "إنها رمح شيف". "إن لم تمانع سؤالي، كيف أتى بك إلى هنا؟". أجاب كريوس: "نُقلت سحراً". عرف اسم المدينة الكبرى. كان رمح شيف مدينة ضخمة استوائية ساحلية ومركزاً تجارياً رئيسياً على هذا العالم المنبسط المتمدد أبداً. وعدّة قوة كبرى والأكثر شرقاً في تلك القارة. أظن... ألم تكن القارة تدعى شيولدرين؟ نهض ترروك بينما اقترب عمال آخرون. "أعيروه سواعدكم. يبدو هذا الكريوس ثقيلاً للغاية". دفع كريوس نفسه صاعداً مستنداً إلى الجدار الخلفي. "يمكنني تدبر أمري وحدي". تفرّس في وجوه العمال الذين بدا عليهم الارتياح، فتراجعوا مسرعين خلف ترروك. "شكراً للمعلومات. أيّ احتمال لوجود شخص يمكنه المساعدة في التعامل مع هذه الماصّات؟". أومأ ترروك واستدار. "تعال معي. ثمة مبنى طبي في البلدة، وهناك مسعف يمكنه الكشف عن حاجتك". فعّل كريوس نظام الحفظ الخاص به، وألقى نظرة على مختلف الفئات والمراتب فوق رؤوس الجميع. لم يكن العمال سوى عمال مناجم بالمرتبة الأولى، إلى جانب بضعة منقبين بالمرتبة الثانية. واستُثني من ذلك هذا المدعو ترروك الذي كان رئيس عمال بالمرتبة الثالثة. أدرك كريوس أيضاً أن كل واحد منهم يستطيع رؤية ماهيته. تنين جموع بالمرتبة الأولى. لن تتغيّر فئته أبداً، بل مرتبته وحدها. لقد عرفوا ما هو بنظرة واحدة — نصف تننين، وثمة قصص تُحكى عن أبناء جنسه. مشى خلف ترروك، ومنحه العمال مساحة واسعة، متراجعين بسرعة. إلا أولئك الذين أنقذهم. فقد تبعوه عن كثب. سأله أحدُهم ممسكاً بيده التي بدت كأنها نزفت لكنها لُفّت بقطعة قماش: "زعيم، هل تنزعج إن رافقناك للاطمئنان؟". التفت ترروك إلى الوراء. "يمكنك ذلك يا غاري. أما البقية فتبدو بحالة جيدة بالنسبة لي". تفحص كريوس بقية العمال. لقد بدا وضعهم مستقراً حقاً، غير أنهم مسكونون بالذعر والإرهاق. فتوقف أولئك عن اللحاق به. لكن أحدهم خفض رأسه وقال: "شكراً لك أيها الغريب". وتردّد صدى هذا من البقية بمستويات متباينة من النبرات. أجاب كريوس: "يسرني المساعدة". مشى غاري، صاحب اليد المصابة ببالغ الضرر، بجانب كريوس مباشرة. كان بشرياً بني الشعر يبدو في منتصف سنين عمره، وأقصر من نصف التنين الطويل بمقدار رأس. "إذا احتجت إلى مكان تبيت فيه، فلدينا أنا وزوجتي غرفة شاغرة". التفت كريوس إليه من علٍ وابتسم بأصدق ما يستطيع. "شكراً لك. قد أقبل هذا العرض". شعر بذلك الدفيء في صدره مرة أخرى، وتدفق ليغمر جسده بأسره. وحين نظر حوله، رأى مصدر دوافعه الغريزية ينشط. كانت خامات الفضة، التي تنتظر المعالجة والتنقية، راقدة في براميل. وُضعت قضبان السكك الحديدية على الأرض، وكان بعض العمال الذين لم تستهلكهم الجلبة ينقلون البراميل نحو العربات لتفريغ الخامات فيها. لكن حركتهم توقفَت حين قاد ترروك كريوس متجاوزاً إياهم. تسمّرت كل العيون على كريوس، وراقب تعابيرهم كابحاً رغبته في البدء بانتزاع قطع خام الفضة كي يضمّها إلى كنزِهِ. تنوّعت تعابيرهم بين الخوف والرهبة والصدمة وعدم الثقة. وكانت الأخيرة هي الأكثر طاغيةً ممّا لاحظه كريوس. ليشكر الجبل التنيني والده لتعليمه إياه كل تلك المشاعر وكيفية التعرف إليها. تلك كانت ميزة امتلاك أبٍ محترف من المرتبة الثامنة. لقد كان الرجل بارعاً في الاستعراض، وهيّأ كريوس لمقابلة الناس وتعلم كيفية قراءتهم، بما في ذلك قراءة تعابير الوجه. كان كريوس على دراية تامّة أيضاً بالقصص المتداولة عن أنصاف التنانين — ففي القارات الوسطى، كانوا فئات قوية تتمحور حول السحر ولا يمكن التعرف عليهم إلا بقزحياتهم التنينية. وكان أولئك الأنصاف يميلون إلى البرود والحسابية والقسوة. ويشكلون سياسيين وحكاماً ونبلاء ممتازين. وكان لئك آباؤهم من التنانين وأمهاتهم من البشر. أما القصص المروية عن نوع كريوس من أنصاف التنانين فكانت أقلّ إطراءً بكثير. غالباً ما تُميَّز بأنها أكثر توحشاً وجشعاً وغطرسة وهيمنة. ويُعرَف نوع كريوس بوضوح بين عامة الناس بفضل سماتهم التنينية البارزة، حيث يُنظر إليهم بوصفهم دعاة حرب ومتشردين عنيفين. بناءً على النظرات التي تلقاها كريوس، آمن معظم هؤلاء الناس بالقصص. ستكون معركة كسبهم صفّه أمراً عسيراً كما كان أبوه ليريد منه. ومرة أخرى، ترددت كلمات أمه في أفكاره: بإمكانّه استغلال عدم ثقتهم وخوفهم والميل نحو التاريخ الاسطوري النمطي لنوعه من أنصاف التنانين لتعزيز موقفه. كانت المسيرة الطويلة في المنجم والتي استغرقت ثلاثين دقيقة صامتة. وكان كريوس واعياً تماماً لكل الأصوات من حوله — طقطقة المعاول على الحجر، وخرير الصخور وهي تُعالج عبر أدوات سحق ضخمة لتفتيت القطع كشفاً عن الخام في جوفها، وشحيح تلك القطع المحملة بالخام وهي تنزلق إلى البراميل أو العربات. ومع ذلك، فكلما اقترب من مجموعة جديدة من العمال، توقفوا عن العمل وحدقوا بصمت إليه وهو يمر. وكانت الروائح أمراً جديداً أيضاً. لم يعتد كريوس رائحة العرق، فهو لا يعرق — ولا تنين يفعل ذلك. لقد أزكمت هذه الرائحة أنف المنجم، وامتزجت برائحة النحاس المنبعثة من الدماء التي ما زالت تكسو جسده. وقطّب جبينه كلما بدت الماصّات المنتشرة على جسده كأنها تغرز أنيابها بعمق أكبر. التفت إليه غاري. "أترتياح يا فتى الضخم؟". أجاب كريوس: "سأكون أفضل حالاً متى انخلعت هذه الأشياء عني". "ما عساها تكون؟". أجاب غاري: "عوالق الهزّات". تحدث ترروك من الأمام مضيفاً: "إنها وحوش نائمة لا تتيقظ إلا على الأصوات العالية. وقد أيقظها الانهيار الكهفي. وحين اقتربت، التقطت مستشعرات الحرارة لدينا رفاقنا العالقين. يمكن نزع الماصّات بعناية لمنع المزيد من الإصابات، لكننا نفتقر إلى الأدوات". وقال غاري: "وقد زعمت نقابة الدرب الحديدي أنها طهرت المكان منها أجمعين". همهم ترروك مؤيداً واستمر في المشي. لم يكن لدى كريوس أدنى فكرة عما تكونه الدرب الحديدي، لكنه استشف أن ترروك رجل قليل الكلام. سأل بصوت خافت: "ما هي الدرب الحديدي؟". أجاب غاري: "نقابة مغامرين". فكر كريوس: آه. إذن فهما جزء من مجمع المهام. تلك إحدى الوجهات التي يمكنني قصدها لبناء الثروة. جالت عيناه عبر خام الفضة المحيط به من كل جانب، منادياً إياه بالاستحواذ عليه. حسناً، ثروة مشروعة لا سرقة من عمال كادحين. بلغوا مدخل المنجم، ورأى كريوس أنهم يقفون على نتوء جبلي مرتفع. وتحتهم انبسط وادٍ هائل، يتسع بسهولة لعينيه لخمسين ميلاً في كل الاتجاهات: دائرة عملاقة. وامتدت القمم المكللة بالثلوج في سائر الجهات، باستثناء الحافة الغربية التي أفضت إلى منحدر ضخم. وما هيمن على وسط الوادي بحرٌ امتاز بنتوء وسطي يعكس ضوء القمر الأبيض الفضي الساطع في الأعلى — وظن كريوس أن نوعاً من الينابيع يغذّي الخزان، إذ استمر البروز في النبض كل بضع ثوانٍ. وانحدر شلال هابراً ذاك الجرف الغربي، مع طاحونة مائية قرب خط الشاطئ. وعلى طول شاطئ البحيرة رَسَت القوارب في قرى صيد صغيرة — تجمعات من المنازل في مجتمعات صغيرة. وبعيداً عنها، وقفت بقع الأشجار وعدد قليل من البيوت يتصاعد الدخان بكسل من مداخنها مثل حراس صامتين يراقبون المروج حيث تنام الحيوانات على عشب أخضر ناعم. وعلى جانب البحيرة الأقرب إليهم، على مسافة ربما تقل عن مئة قدم تحتهم وتبعد ثلاثمئة قدم، كانت هناك بلدة مترامية الأطراف. وتناثرت المباني بشتى الأشكال والأحجام في المكان، حتى حافة الجرف الذي امتد على طوله سور واصل صعوده وصولاً إلى الشلال. ومن مدخل الكهف، بُنيت سلسلة من الأعمدة المعدنية المغروسة في الأرض، وانحدرت السلاسل صعوداً وهبوطاً نحو مبنى يقع أسفل المنحدر الترابي المؤدي إلى البلدة بجانب مسارات السكك. واستطاع كريوس تتبع السلاسل عبر ركائز أخرى تحيط بالبلدة لتتصل في النهاية بالشلال، ثم بنوع من الأنظمة التي تعبر حافة الجرف. هبط ترروك المنحدر، ونخز غاري كريوس برفق. قال: "إنه لمنظر خلاب، لكن إن أردنا تضميد جراحنا بحق، فمن الأفضل أن نتحرك قبل أن يتركنا الزعيم خلفه". سارع كريوس للحاق بالرجل وهما ينزلان في الشوارع التي يغمرها ضوء القمر. وغُرست مسامير فولاذية في الأرض على مسافات منتظمة، واعتلتها حجارة متوهجة برتقالية اللون مزودة بأغطية معدنية ألقت إضاءة خافتة عبر الفضاء. وضربت كريوس فوراً روائح شتى — معدن ذو لاذعة غريبة داعبت مؤخرة حلقه. طبخ من نوع ما، طعام لم يشمّه قط وجعل فمه يسيل بوعود حلوى طهوية جديدة لم يكن بوسع الجبل التنيني تقديمها أبدا. وحيوانات بروائحها المتنوعة المحبوسة في حظائر صغيرة خارج بعض المباني. ورائحة بول قوية أثناء مروره بدباغة جلود، مما جعل أنفه ينكمش رغم تغطيته بيده التي انطوت مخالبها. وكان الأقوى على الإطلاق حسّه بالثروة. أشبه بطنين منخفض متواصل ينبعث في سائر الاتجاهات حوله. لم يعد حرارة في صدره، ولا حكة: بل ترقى ليغدو شيئاً في أفكاره وأذنيه. همسات صغيرة تشبه الأصوات وليست بها. كان بإمكانه سماع ضوضاء أخرى فوقها، لكنه إن أنصت حقاً، أمكنه التدقيق في تلك الهمسات. فكر: هذا ما تحدثت عنه أمي، وهذا ما جعلها تؤسس بلدتها الخاصة. الحضارات تجلب القيمة. لهذا السبب تميل تنانين المراتب العليا إلى التركيز في أماكن ترسخت فيها اقتصادات قوية، وتندمج فيها. ولن أفاجأ إن وجد تنين في رمح شيف. وأصابته الأصوات أيضاً. كان يسمع أناساً يتحدثون داخل المباني. أصوات أكثر ممّا سمع طوال حياته. أضفى ذلك ابتسامة طفيفة على وجهه، إذ نشأ حول ثلاثة أصوات فقط. ومع ذلك، تخللت تلك التجربة الجديدة شعور بالانزعاج إزاء مدى كونه مكشوفاً. لقد كان في العراء، في بيئة قد تراه دخيلاً عدائياً. وجعله السماء المكشوفة فوقه يشعر وكأن راكب عاصفة قد ينقض عليه في أي لحظة، وفكر للحظة في الاحتماء تحت سقف مبنى. لكن، تجاوز الانزعاج ومضى في تعقب الرجل أسود البشرة عبر البلدة. وبعد خمس دقائق، صادفا ساحة مركزية مضاءة جيداً. وكانت المباني هنا متناسقة في الشكل والحجم، باستثناء اثنين منها. أحدهما منخفض وطويل، بينما الآخر طويل وضيق. وفي الساحة المركزية، وُضعت الطاولات، وجلس العشرات يتحدثون وهم يشربون من كؤوس وأكواب، ويسكبون لأنفسهم المزيد من الشراب من براميل مثبتة على بعض الطاولات. وكأنهم جميعاً استشعروا مفترساً يقتحم مساحتهم، التفتت رؤوس الجميع حين دخل كريوس ضوء ساحة البلدة متبعاً أثر رئيس العمال. وتصاعد شعور الانكشاف فوراً ليبلغ حافة الذعر مع سماعه الأصوات المتداخلة. تساءلت امرأة: "ما هذا بحق ختم النجوم في الأعلى؟". نطق رجل طاعن في السن بصوت مرتعش: "يبدو وكأنه وحش". وسأل رجل في منتصف العمر: "أعلينا استدعاء الحراس؟". عندئذ، التفت ترروك إليهم. "أنقذ هذا القادم الجديد حياة غاري، إلى جانب بضعة آخرين من وردية الليل. عودوا إلى شرابكم". وبدا أن توبيخ ترروك قد أسكت الهمهمات، وأدرك كريوس أن رئيس العمال لا بد أنه يحمل وزناً سياسياً كبيراً في البلدة إن كان الجميع يطيعون كلماته على هذا النحو. ورغم ذلك، عرف نصف التنين أن الخوف ما زال ماثلاً، والريبة ما زالت حاضرة، وأخبرته العيون المتسعة في نظرات بعض الناس أن النزر اليسير منهم يغمره الفضول. ضحك غاري بخفة. "لعلهم منزعجون قليلاً بسبب الماصّات التي تملأ جسدك". فكر كييروس مطرقاً: آه، هذا صحيح. إن كثرة الزوائد الملصقة به منحته مظهراً وحشياً أكثر ممّا ينقله جسده الأصلي لنصف التنين عادة. وربما بدا بالفعل كمسخ، مضروب بدماء زرقاء ومتدلية منه أطراف بيضاء رمادية تبدو كخيوط وهمية. قادهما ترروك إلى المبنى المنخفض وفتح الباب دون طرق، مغلقاً مِصباحه أثناء ذلك. "المضمدة مارسيلا؟ أأنت مستيقظة؟". دخل كريوس المبنى. وضمت المدخل الأمامي مقعدين على الجانبين، مع منضدة صغيرة تحمل بعض الأوراق ومحابر مغطاة. وخلفها، اتضح جلياً سبب طول المبنى — إذ وُجدت عدة محاريب ذات أسرّة نظيفة مغطاة بالكتان الأبيض. وهناك مساحة كافية لنوم أحدهم براحة، ويمكن للمرء السير بجوار كل سرير. وتدلت ستارة تتيح الخصوصية، لكن الأمر بدا كأن لكل شخص مقصورتة الصغيرة الخاصة به. وضمت وسط الغرفة سلسلة من الأرفف الخشبية الكبيرة المحملة بكل أنواع الضمادات والعلاجات في قوارير. التفت ترروك إلى الوراء نحوهما. "اذهبا واختارا سريراً. سأبحث عنها وأوقظها". لم يسأل كريوس عن السرير المعين. بل خطا عبر الغرفة واختار واحداً في أبعد زاوية من المستشفى، حيث يتقاطع الجدار الخلفي والجانبي ليشكلا أقرب شبه ممكن بكهف. خلع حقيبة تاجره مدسّساً إياها تحت السرير، وحاول التخلص من درع الحراشف بأفضل ما استطاع. ولحسن الحظ، تمكن من نزعه، وتسللت معه بضعة ماصّات. لم يُبقِ ذلك عليه سوى ثيابه المعتادة — سترة رمادية بالأساس تلطخت بالأرجواني من دمائه وبالأزرق من دماء المخلوقات التي حاربها، وسراويل لطخت بالأرجواني والأزرق كذلك — لتتلاشى لونتها البنية الأصلية تماماً. قالت امرأة بصوت ليس بحادٍ تماماً لكنه يقترب منه: "حسناً! لقد سمعتك في المرة الأولى!". وقف كريوس عند قدمي السرير منتظراً ومرقباً، وأبقى يداً واحدة قرب فخذه، مستعداً لإبراز مخلب دفاعاً عن النفس في أي لحظة. ظهر ترروك آتياً من غرفة أخرى، وتلته شخصية ضئيلة، شابة رُبط شعرها الأشقر بعقدة فوضوية. كانت بعينين بنيتين، وبشرة مسمرة، وتبدو مرهقة ومنزعجة تماماً. ولم تبدُ منتبهة لوجود كريوس في الزاوية البعيدة، متوجهة مباشرة نحو العامل المصاب. سألت وهي تتحرك نحو الرجل وتبدأ بفك غطاء يده: "غاري، ماذا حصل؟". "انهيار كهفي. تعرضنا للهجوم". أشار غاري إلى كريوس بيده الأخرى. "وصل غريب وأنقذنا. عليك الذهاب لمساعدته. أنا أشعر بتحسن". التفتت المرأة ناظرة إلى كريوس وتجمّدت في مكانها. استطاع سماع شهقتها المسموعة، ورأى عيني ترروك الحمراوين تحدقان فيه. لوّح كريوس بخفة. "أهلاً بك. أنا كريوس". وضع ترروك يداً على كتف المعالجة فانتفضت قليلاً. "لقد ساعد. قد يبدو مخيفاً، لكنه لا يعض". لجأ كريوس إلى نظام الحفظ ونظر في فئتها ومرتبتها. مسعفة بالمرتبة الثانية. كانت في المستوى الحادي عشر على الأقل، لكنها لا تتجاوز العشرين. دلّ ذلك على امتلاكها معرفة ومهارة لا بأس بهما، لكنها بعيدة كل البعد عن القوى التي بلغها أبوه في السبعينيات. التفتت المرأة مجدداً إلى غاري. "سأقوم بتضميدك أولاً. مجرد إصبع. هذا أمر سهل". استدارت ومشت نحو الأرفف، التقطت بضع قوارير ثم عادت إلى العامل. عملت بسرعة، وفي غضون خمس عشرة ثانية طبقت شيئاً ما، وأعادت لف الجرح، وأشارت نحو السرير. "الآن، نم". ثم التفتت وبدأت بالمشي نحو كريوس. قال ترروك بصوت عالٍ: "شكراً لك مرة أخرى يا كريوس. أراك في أنحاء البلدة". ثم توجه نحو الباب خارج نطاق رؤية كريوس. اقتربت المرأة من كريوس، لتكون أقصر منه برأسين بسهولة. تفحّصته صعوداً ونزولاً، ولم يكن في عينيها أي أثر للخوف. بل بدا مزيج من الضيق والفضول. سألت: "أنت فتى ضخم، أليس كذلك؟ بطول ستة أقدام وسبع بوصات ووزن مئتين واثنين وتسعين رطلاً؟ معظمه عضلي أيضاً، وليس هنالك الكثير من الدهن. تشكل الحرائش جزءاً من الوزن، شأنها شأن المخلوقات والقرون. لكنه في الغالب هيكل عضلي عظمي". كاد كريوس يرفع يده لا إرادياً نحو قرنيه فوق جمجمته. سأل: "كيف عرفت كل ذلك؟ أنا لا أدرك طولي حتى". ابتسمت ببريق. "آه، حسناً، إنها مهارة أمتلكها. يجدر بي تعريف نفسي. أنا مارسيلا. أنا أدير هذا المكان". تجاوزت كريوس نحو الجدار وأدارت مقبضاً. سمع صوت فحيح في مكان ما داخل الجدار، ثم انتشلت عصا من جيبها ومررتها فوق الحجر، دافعة إياها في شق لم يره مسبقاً على طول البناء الطوبي. ومع نفخة خفيفة، ظهرت أضواء على أعمال الحجار من حوله. ثم سحبت العصا، هزتها بضع مرات، وأعادتها إلى جيبها. "الآن، دعنا نلقي نظرة... آه، نعم. أرجوك ابق واقفاً". سأل كريوس: "أيمكنك نزع هذه الأشياء دون مزيد من الألم؟". أجابت مارسيلا وهي تدير عقبها، وتمشي نحو الأرفف المركزية، وتعود ببضع قوارير سائل غائم ومجموعتين ممّا بدا كملقطين يستعملهما المرء لالتقاط شيء من النار: "نعم. الآن، أحتاج لتقشيرها شيئاً فشيئاً. وقد أطلب من يديك المساعدة قليلاً". ساعدها كريوس حين طلبت ذلك، وانهالت عليه بالأسئلة — تركزت بالأساس على تشريحه الجسدي. لم تظهر أي خوف منه، بل فضول محض. هل قروناه حساسة — لم تكن كذلك. هل حراشفه قادرة على استشعار تقلبات درجات الحرارة — نعم كانت كذلك. استمرت الأسئلة طوال العملية الشاقة التي استغرقت ساعة كاملة لتقشير ماصّات الجسات ببطء. واضطر لخلع ملابسه كجزء من العملية، تفحّصته صعوداً ونزولاً. "هاه، لم أكن أتوقع أعضاء ذكرية هناك. يا له من أمر عجيب". رفع كريوس حاجبيه عند ذلك. "عذراً... ماذا كنت توقعين؟". هزت كتفيها. "طالما سمعت أن أنصاف التنانين عقيمون". أجاب كريوس وهو يستعمل الكماشة على ماصّة واحدة شقت طريقها نحو أعلى وركه مقتربة من الفخذ الداخلي: "ليسوا كذلك". كانت مارسيلا شديدة الاحترافية وهي تستخدم المجموعتين الأخريين اللتين جلبتهما وأزالت بقية تلك الماصّة عنه، ثم ناولته سروالاً نظيفاً وأبيض اللون وبسيطاً ليرتديه. "يمكن لنصف التنين التزاوج مع أي سلالة بشرية لإنتاج ما يُدعى سلالة التنانين". سألت وعيناها تفيضان بفضول حقيقي: "أهم عقيمون؟". أجاب كريوس: "لا. ما لم يتزاوج اثنان من سلالة التنانين. فحينها ترتفع نسبة احتمال كون الطفل عقيماً إلى خمسين بالمئة. لكنهم مع ذلك سيحتفظون بأعضائهم وأجزائهم". ردت مارسيلا: "أمر مذهل. أسال فقط لأن... حسناً، لا يُذكر أنصاف التنانين إلا في الخرافات والأساطير. لم أعتقد قط أنني سأرى واحداً عن كثب وشخصياً... أبداً". شعر كريوس ببعض الارتياح لكونها غير خائفة إطلاقاً بل مستشرفة لماهيته. "ألا تخافين مني على الإطلاق؟". أجابت بسرعة: "لا. فقط حين رأيت مخلوقاً مغطى بالحراشف والزوائد مرسوماً كخيال في زاوية المستشفى، انتابني بعض الفزع لا أكثر". وأخيراً أتما العملية، فأطلق كريوس زفيرة عميقة من الارتياح. جمعت مارسيلا اللوامس الميتة الآن في سلة وناولت كريوس قنينة السائل الغائم. "ابدأ بتطبيق هذا على تلك الضمادات النظيفة هناك، وسأعود فور تخلّصي من هذه". فعل ما أمرته به، وعادت هي بعد لحظات تحمل المزيد من الكتان النظيف. شرعت في وضع الضمادات المشبعة بالسائل على جروحه، ثم ربطتها بإحكام بالأربطة. سأل كريوس وهو يشم قطع رائحة المطهر: "ما هذا الشيء بالضبط؟". "مجرد مادة لتسريع عملية التعافي. لقد تلقيت ضرراً هائلاً. نقاط صحتك منخفضة جداً. بضعة أيام من الراحة السريرية وستكون سليماً معافى". ربتت على عضده ذات الباسور. "والعلاج مجاني جزاءً لإنقاذك غاري وآخرين علقوا خلف أية صخور أدت إلى... حسناً، معركة مع تلك الأشياء". أجاب كريوس: "شكراً لك". وقالت مشيرة إلى البقعة خلفه: "الآن، إلى السرير. هيا. أوامر الطبيبة". مدت يدها نحو ذلك المققب في الجدار وأدارته، فتلاشى الفحيح الخفيف الذي خبا حتى بات صوتاً خلفياً تماماً مع انطفاء الأضواء المحيطة بها. لم يتذمر كريوس، بل زحف عائدًا إلى السرير متسللاً تحت الأغطية. أخذ أنفاساً عميقة مسمعاً أصوات الخارج، التي استمرت بالكلام والتمتمة. لم يستطع تمييزها، لكن أولئك الذين ظلوا مستيقظين يتحدثون متأخراً في الليل بدا أنهم ما زالوا في حالة مختلطة. خائفون، فضوليون، غير واثقين. الآن وحيداً، أتيحت له لحظة مع نفسه. استعرض معركة وحوش اللوامس برمّتها في ذهنه. كانت مخيفة ومثيرة وخطيرة أيضاً. لقد قام بما كان أبوه ليوافق عليه، لكن أمه كانت لتحذره أشد التحذير وتبعده عنه. ارتعش متذكراً الألم الذي شعر به، ولمس بضع ضمادات على صدره، متأوهاً حين أحчув بالوجع ينبض تحتها. كان المبنى هادئاً. أعلى صوتاً من الجبل التنيني، وليس بهدوء الكهف الذي اختبأ فيه بالبداية، لكنه ظل آمناً نسبياً. ومع ذلك، بقي غير متأكد. ما هي خطوته التالية؟ لقد امتلك كنزَه، وكانت الحقيبة قادرة على حمل قدر جيد من الثروة. أعليه استغلال حقيقة أنه أنقذ أرواحاً والمطالبة — بل المطالبة بجائزة؟ ستوافق أمه على ذلك. فهو تننين، بعد كل شيء، وقد أنقذ بشراً. ولولا تدخله في الوقت المناسب، لمات ناس. وثمّة نقابة المغامرين تلك التي جرى ذكرها. لقد تحدث والده عن مجمع المهام، وعلم كريوس أن كل نقابة مغامرين تشبه فرعاً محلياً لتلك المنظمة الأكبر. بوسعه أداء مهام لهم وتقاضي أموال لإتمامها. أضف إلى ذلك أن بعضها يوفر الطعام والمأوى — مما سيتيح له بناء كنزِهِ بصورة أسرع. كان لديه الكثير من الخيارات، لكن في تلك اللحظة... شعر بالهشاشة في تلك اللحظة. لقد كان في مبنى، حقاً، بجدران تحيط به من كل حدب وصوب. لكنه لم يكن في مكان آمن. كانت أبواب المستشفى سهلة المنال، ولم يكن هناك ما يفصله عن مهاجم، وبات درعه حطاماً مهترئاً بفعل اللوامس التي مزقته إرباً. مدّ يده تحت السرير والتقط حقيبة تاجره، ضامّاً إياها إلى صدره تحت الأغطية. فكر: يمكن إسقاطي هنا بكل سهولة. ربما كانت فكرة المدينة بأكملها خياراً خاطئاً. ماذا لو انقلبوا عليّ جميعاً بسبب ما أنا عليه؟ أغمق عينيه محاولاً الاسترخاء، عارفاً أنه فعل كل ما بوسعه وأحسن استغلال الموقف الذي وجد نفسه فيه. وتمنى فقط أن تكون كلمات أبيه صحيحة، وأن معظم الناس أخيار.
استيقظ كريوس على صوت باب ينفتح بعنف. انتفض جالسا وقفز من السرير، وأدخل الحقيبة حول عنقه وأشهر مخالبه في الحال، مستعدا للدفاع عن نفسه. سمع الباب ينغلق بعنف مرة أخرى، وأخذ يلهث وهو ينتظر ويعد الثواني. خرجت مارسيللا من حجرتها إلى الباب الأمامي، ثم عادت نحو الأسرّة وهي تحمل سلة فيها أشياء برتقالية اللون، شبيهة بالجذوع ومتراصة بعضها إلى جانب بعض. نظرت إلى كريوس. "ما الخطب؟" أعاد مخالبه إلى وضعها الطبيعي. "سمعت الباب ينغلق بعنف، فظننت أننا نتعرض لهجوم." ضحكت ضحكة خفيفة. "أنت سريع الفزع، أليس كذلك؟" ثم ضمت شفتيها. "حسنا، أظن أن من الطبيعي أن تكون كذلك، بالنظر إلى مسألة كونك نصف تنين. لا تقلق يا كريوس. لن يدخل أحد إلى هنا ليؤذي شخصا فرغت لتوي من علاجه. سأركل مؤخرته." ضحك غاري، ورأى كريوس قدميه تتدليان من حافة سريره، فيما غاب باقي جسده عن نظره بسبب الفواصل الجدارية. بدا غاري في حال جيدة. "أنا لست بنفسجيا"، رد كريوس. ضيق غاري عينيه. "صحيح، أظن أنك لست كذلك. الظلام وما إلى ذلك. أظنك أقرب إلى الأسود، مع بريق بنفسجي خفيف." ناولت مارسيللا كريوس أحد العيدان البرتقالية، فانغرست أصابعها في قشرته الخارجية وكشفت عن قلب أبيض. "كل. هذه أوامر الطبيب." أخذ كريوس العود وقضم منه. لم يكن منفرا، لكنه لم يكن شهيا بالتأكيد. مضغه بضع مرات ثم ابتلعه. "ما هذا؟" رفع غاري نظره إليه. "ألم تذق خبز باكرزوود من قبل؟" "لا أستطيع القول إنني فعلت"، أجاب كريوس وهو يأخذ قضمة أخرى ويبتلعها دفعة واحدة. أجابت مارسيللا: "إنه خبز مصنوع من عفن خاص يتصرف كالدقيق. إنه ممتاز لأماكن مثل سنكريست الواقعة على الحدود، إذ يمكن للأبواغ أن تنمو فوق أي خشب تقريبا. يزرع معظم الناس بعضه في بيوتهم أو عليها. إنه خيار احتياطي جيد للطعام." "هل تمرون بأوقات عصيبة؟" سأل كريوس. "لا"، أجابت مارسيللا. مضغ غاري لقمة، وقد انكمشت ملامحه من طعمها، ثم ابتلعها. "المستشفى يتلقى طعاما مجانيا كل يوم من الخباز." "آه"، قال كريوس. ثم أتم رغيف الخبز. "شكرا لعنايتك بي، وللطعام." انفتح البابان مرة أخرى، فاستدارت رؤوس الثلاثة نحوهما. دخل شخصان بخطى عسكرية، رجل ذو بشرة سوداء وعينين حمراوين، مثل رئيس العمال تماما، وامرأة ذات بشرة خضراء فاتحة، وشعرها من عشب تتناثر فيه الأوراق. كانا يرتديان دروعا حلقية ويحمل كل منهما رمحا قصيرا في يده اليمنى، فيما يتقلد درعا مستديرا في ذراعه اليسرى. وما إن دخلا حتى وقف كل واحد منهما على أحد جانبي الباب. "رائع"، تمتمت مارسيللا. "العمدة جاء لزيارتنا."