مغامر نظام التنين الفصل 11 — نصف تننين يألف المكان

اقرأ مغامر نظام التنين الفصل 11 — نصف تننين يألف المكان باللغة العربية على مانجا تايم.

استيقظ كريوس على صوت طقطقَة مدويّة حين انفتح بابٌ ليصطدم بجدار حجريّ. أطلق أزاتَ ألمٍ إذ لا زال صدره المكدود ينبض بلوعة تفجّرت فجعلته يقظاً تماماً. لكنّها لم تكن بقسوة الوجع الذي قاساه في الشقّ. لابدّ أن مارسيلا قد اعتنت به أثناء نومه، مستخدمةً مهارةً ما على الأرجح، إذ استطاع استنشاق بعض الأنفاس العميقة دون أن ينكمش ألماً مع كل مرّة، ممّا أبان له أنّ ضلعه لم يعد مكسوراً.

انزلق بحذر نحو حافة السرير ونهض على قدميه. سحب الستارة جانباً فرأى ظهر أحدهم مغادراً المصحّة. وقد تركوا خلفهم سلةً مليئة بالخبز الغريب. ألقى كريوس نظرة جانبية فرأى ليونا. كانت قد شارفت على الانتهاء من ارتداء عتادها وبدت وكأنها على وشك المغادرة.

قال كريوس: "هيه".

رفعت رأسها إليه.

"أنت مستيقظ".

كان صوتها مقتضباً ومباشراً لكنّه لم يكن قاسياً.

"أراِك لاحقاً".

نهضت، والتسحت رغيف خبز، وغادرت المصحّة. راقبها كريوس وهي تذهب، وأراد قول شيء إضافيّ لكنّه لم يدرِ ما يقوله بعد أحداث اليوم الفائت. عوضاً عن ذلك، نظر إلى الأرض واكتفى ببضع أنفاس ضحلة. توفّي تافان لأنّني كنت بطيئاً جداً، هكذا فكر كريوس. لم أستطع اعتراض طريق ذلك الوحش لنفاد طاقتي، ولأنّني لم أكن متيناً بالقدر الكافي لأتفادى القذف. رفع بصره على صوت خطوات ودخلت مارسيلا من غرفتها.

"آه، أنت مستيقظ. هل غادرت ليونا بالفعل؟"

قال كريوس بجهامة: "لقد فاتتْكِ لتوّك".

نقرَت بلسانها.

"حسناً، لا حيلة في ذلك".

سأل كييروس: "ما كانت إصاباتها؟"

مشت مارسيلا نحوه وأشارت له بأن يعتلي السرير تماماً. استجاب لطلبها وهي تتكلم.

"ليست بالكثيرة. كان لديها بضع جروح في ساقها العليا، ورضوض على ساقها السفلى من الجهة المقابلة، وقليل من الرضوض بالقرب من عظمة الترقوة. فضلاً عن بعض الأربطة المتمزقة. كلّ ذلك في طريق التئام سريع، وستكون سليمة تماماً بحلول المساء".

خفض كريوس بصره نحو صدره.

"وأنا؟ أعلم أنّني كسرت ضلعاً".

أجابت مارسيلا: "أكثر من ذلك. كان لديك ضلعان مكسوران، وتمزق في الكفة المدورة بكتفك، وخلع في المعصم، والعديد من الجروح والرضوض — بصراحة، لقد مُحِشْتَ محشاً. لكنّك متين، وأضخم بكثير منذ آخر مرة كنت فيها هنا".

سحبت دفتر ملاحظات صغيراً من جيبها وتسارع صوتها وبدت مهتمة للغاية.

"لقد قست كثافة عضلاتك فوجدتها قد ازدادت بصورة ملحوظة. هل فعلت شيئاً بسمة ما غيّر ذلك؟ أكلّهكذا يتغير أنصاف التنانين؟"

تمتم كريوس: "سمة جنسيّة".

سألَت مارسيلا، وقد ملكها شغف عارم بسبر أغواره لانتزاع المزيد من المعلومات: "أيمكنك إخباري بالمزيد؟"

اعتدل كريوس في ججلسته مطلقاً أزات ألم خفيفة.

قال: "اعتذاري. أيمكنك إخباري بما سيحدث بخصوص... ليس هناك جثة".

تجمدت مارسيلا وتحولت هديتها كاملةً لتغدو أكثر ميلاً لأسلوب التعامل المرضي كأنّها تذكرت نفسها فأودعت دفتر ملاحظاتها.

"حسناً، عادةً ما تقيم نقابة المغامرين نوعاً من التأبين. يقول القائد بضع كلمات، وأحياناً يرغب أولئك الذين رافقوا المتوفى في الحديث".

صمت كريوس إزاء ذلك. ماذا عساي أقول؟ هكذا فكر. ماذا يمكنني أن أقول عنه؟ كان ذكياً، وبدا لطيفاً حقاً وشخصاً وددتُ لو أصادقه؟ بالكاد عرفته. كان ذلك الجزء أقسى لكمة وجدانية عاطفية — لقد رأى كريوس شخصاً غريباً تماماً تقريباً وعجز عن إنقاذه. لقد عرف تافان لأقل من أربع ساعات. لابدّ أن مارسيلا قد التقطت إحساسه المتجدد بالذنب إذ وضعت يدها على خاصرته وربتت عليه.

"هيه، استمع. أعضاء درب الحديد ليسوا أغراباً عن الفقد. الشقوق خطرة. لقد تلبي النداء: وتلك مخاطرة قائمة دوماً. كان بإمكانه رفضه. أنا واثقّة أنك بذلت وسعك".

نظر كريوس إلي أسفل نحوها.

"لم يكن وسعي كافياً".

أجابت: "أنا واثقة أنك فعلت كل ما بوسعك. والآن، مهاراتي ليست كمهارات المُصلح. أنا لا أقوم بشفاء سريع بنقاط حياة خاطفة. مهاراتي تتمحور حول تسارع معدل التئام جسدك الطبيعي. لذا، ستتعافى طوال اليوم وينبغي أن تكون سليماً معافى بحلول الغد. عد في أي وقت تحتاج فيه للمساعدة".

"شكراً. أيمكنني أخذ بعض الخبز معي؟"

"تفضل".

نهض كريوس، وارتدى ملابسه: قميصه الأبيض الذي لطخه دمه المغسول بلون أرجواني باهت، وبنطاله البني الداكن. التقط قطعة من الخبز، وبتلويحة وداع لمارسيلا، غادر المصحّة. في أثناء مسيره عبر وسط البلدة، انطلق استشعار كنوزه مجدداً. انبعثت الحرارة في صدره باتجاهات شتى، لكنّه بات قادراً على تمييز الاتجاهات ومقدار شدة الدفء بدرجة أكبر — وعزا ذلك لتفاوت مقادير الثروة أو ازدياد قيمة الأشياء.

بدا الناس يتفاعلون بشكل مغاير في ضوء الصباح. مرّ بمجموعة من الأطفال الذين رمقوه بنظرات رهبة، واقترب أحدهم حتى صار في متناول اليد ولوّح.

"عذراً!"

توقف كريوس ونظر إليه.

"همم؟"

"ما أنت؟"

قهقه كريوس، إذ نجح الاهتمام الضئيل من طفل في كسر المزاج الكئيب للحظة عابرة.

"أنا نصف تنانٍ. وما أنت؟"

نفخت الفتاة صدرها وأعلنت بفخر: "مظلميّة!"

وكانت عيناها الحمراوان تلمعان كبِريء.

"يمكننا الرؤية في الظلام!"

أجاب كريوس مجاملةً إياها: "أراهن أن بإمكانك ذلك".

حينئذ، هرع أحد الأبويْن — مطابقاً للطفل تقريباً — من منزل مجاور وأبعدهما بعجلة، ناظراً إلى كريوس بريبة. استمر كريوس في التقدم. كان أهالي البلدة ما زالوا يتبنون ردود أفعال متباينة للغاية تجاه وجوده، رغم أن الردود كانت أشدّ. لوّح له نفرٌ بل وهتفوا شاكرين لمساعدته في حادثة المنجم. ونظر إليه البعض بازدراء سافر، واجمة وجوههم — رغم أن أياً منهم لم يذهب إلى حد رميه بشيء.

كان كلا التفاعلين ينبئانه بحقيقة واحدة: في غضون اليومين اللذين قضاهما هنا، انتشرت أخبار صنيعه الوحيد ووجوده. لم تكن لديه أدنى فكرة عما إذا كانت الآراء ستتغير بمجرد انتشار أخبار الشق. بدَت مارسيلا كشخصية ثرثارة، ولذا توقع كريوس أن تنتشر الأنباء عاجلاً لا آجلاً. بلغ قطاع المنازل حيث يسكن غاري، وعلم أن الرجل يعمل في وردية ليلية. كان الوقت في منتصف الصباح، لذا افترض أن الرجل لا يزال مستيقظاً، واحتج كريوس لخروج عن أفكاره لبرهة.

كما كانت لديه أسئلة عما شعره به سابقاً في الشق. توجه نحو الباب وطرق بضع مرات قبل أن يتراجع خطوة. فتحت الباب زوجة الرجل، ييسا. ابتسمت برقة.

"آه، أهلاً! كريوس، أليس كذلك؟"

أجاب كريوس: "هذا صحيح".

واضطر للانحناء قليلاً، نظراً لارتفاع إطار الباب، ليتمكن من التقاء نظراته معها. استطاع الرؤية داخل الغرفة من خلفها — بدا المكان مريحاً ودافئاً، مع سجادة كبيرة، ومدفأة خالية حالياً، وطاولة دائرية مع أربعة كراسي وأطباق خشبية مرتبة، وبعض الوسائد يتوسطها كتاب وكومة من الكتب.

"أغاري هنا؟"

"إنه هنا. إنه ينهي حمامه لتوه. أترغب في الدخول والانتظار؟"

أجاب كريوس: "إن لم يكن في ذلك مشقة بالغة".

تنحت ييسا جانباً وأشارت له بالدخول. ما إن صار كريوس بالداخل حتى استطاع الوقوف بكامل قامته مع بضع بوصات من الفراغ، لكنّه اضطر لإمالة رأسه جانبياً لمنع قرنيه من الاحتكاك بعوارض السقف الداعمة. أشارت إلى الوسائد.

"تلك مريحة للغاية. تفضّل، امضِ قدماً. أنا أعدّ الشاي".

قال كريوس وهو يحني رأسه ثم جلس على الوسادة الكبيرة: "شكري مجدداً".

كانت لينة ومريحة للغاية، وغاص فيها، محساً الحشو الداخلي ينضغط إلى أقصى حدوده ضد القماش بسبب وزنه. وتداركاً للأمر، ورغبةً في عدم تمزيقها، وقف واختار الجلوس على الكرسي إلى الطاولة. بعد دقائق من التأمل الصامت في عروق خشب الطاولة ومحاولة تتبع نمط لصرف نفسه عن تفكير في أحداث الأمس الكارثية، عادت ييسا بغلاية وبضع كؤوس.

"أهذا لا يعجبك؟"

أجاب كريوس بابتسامة ساخرة مشدودة: "لم أرد تحطيمها. أنا ثقيل للغاية".

أجابت بضحكة خفيفة: "أتخيل ذلك. تبدو بديناً. لابد أن ذلك مفيد لمغامر رغم ذلك".

أجاب كريوس: "إنه كذلك بالنسبة لدوري كمُرساة".

جلست ييسا على كرسي مقارب له، وظن أنها ستكون شخصاً جيداً ليسأله ريثما ينتظر غاري.

"أنا... لقد نشأت منعزلاً إلى حد ما، وحدث شيء بالأمس لا أدرى تماماً كيف أصنّفه. أعلم أنك وغاري متزوجان، وكنت أنوي سؤال غاري، لكن أتمانعين أن أسألك؟"

أجابت ييسا وهي تسكب كوبين من الشاي وتدفع واحداً أمامه: "أن تسألني ماذا؟"

"أنا... كانت هناك لحظة بالأمس، في شقّ، حيث كنت مع رفيقة لي. ليونا. إنّها قزم بحر—"

قالت ييسا بابتسامة عريضة: "نصف قزم بحر. أنا على دراية. ولديها سمعة بطبع حدّي بعض الشيء".

"حسناً، أمم... كان مُصلِحنا... معطلاً مؤقتاً، وكان علينا أن نعتني ببعضنا البعض لتقديم الإسعافات الأولية، وهو ما استدعى خلع دروعنا وملابسنا".

أخذ كريوس نفساً، وكان ممتناً للغاية لأن الحديث الدائر كان يصرفه عن الحدث المروع في نهاية الشق.

"عندما كنت أساعد في معالجتها، شعرت برفرفة في صدري، وتحولت إلى دفء".

كادت ييسا تكبح قهقهة خلف رشفة شاي. ابتلعتها، ثم رفعت يدها وأطلقت مجلجلة. لم يستطع كريوس إلا أن يحمر خجلاً واضطراباً لجهله بما فاته.

"ما المضحك؟"

قال غاري وهو يدخل الغرفة، مرتدياً سراويل قصيرة وقميصاً ومجففاً شعره بمنشفة.

"أهلاً كريوس. كيف حالك؟"

أجاب كريوس: "أفضل حال ممكنة. كنت أطرح سؤالاً على زوجتك".

التفتت ييسا إلى غاري وكأنها أفلتت الكلام فجأة: "كريوس لا يعلم شيئاً عن—"

قهقهت مجدداً ونهضت، واتجهت نحو غاري وهمست له بشيء. لم يستطع كريوس سماعه. قهقه غاري، ثم ضحك، لكنه هدأ من مرحه.

"حسناً، يا عزيزتي، لا تجعليه يشعر بسوء أكبر".

اقترب غاري من الطاولة، وألقى المنشفة على كتفيه، وسكب لنفسك كؤوساً من الشاي.

"أنت تنحدر من مكان منعزل بحق، أليس كذلك يا كريوس؟"

أجاب وهو يحتسي رشفة من قدحه: "حقاً. فأمي تنين في نهاية المطاف. لم أُربَ وسط الناس. كنت معزولاً إلى حد ما".

تنهد غاري ونظر إلى ييسا، التي تعافت من نوبات قهقهاتها وجلست مجدداً.

"كريوس، أعتقد أنك شعرت بنوع من الانجذاب نحو رفيقتك. هل..."

قهقه ثم هدأ مجدداً.

"هل سبق لوالديك أن خاضا معك حديث المراهقة؟"

كاد كريوس ينفر من ذلك.

"بالطبع. لقد كان والدي مايسترو شهيراً. ونصف قصصه كانت عن فتوحات ماجنة. أنا أدرك كيف تسير عملية التزاوج في الواقع".

قهقهت ييسا ونهضت، مبتعدة عن الطاولة، ودخلت غرفة أخرى حيث ضحكت بصوت عالٍ تماماً قبل أن تغلق باباً كتم الصوت. أطلق غاري قهقهة.

"حسناً، أنت تدرك ذلك الإحساس، أنا واثق".

انحنى للأمام واحتسي رشفة أخرى من شايه.

"أعتقد أن ما شعرت به، أو ما تصفه على الأقل، كان إعجاباً بهذه الشابة. ربما ليس حباً تماماً، لكنه بالتأكيد بداية مودة".

أومأ كريوس واحتسى شايه، شاهداً الخجول يتلاشى. بات يفهم الآن لمَ ضحكت ييسا بذلك القدر — فبالنسبة لشخص نشأ في بلدة ذات تفاعل اجتماعي، لابد أنّه كان أمراً مضحكاً للغاية أن يرى أحدهم يعاني لإدراك المفهوم الذي وصفه غاري. أنا أعلم ما هو الحب، هكذا فكر كريوس. لقد رأيت أمي وأبي طوال الوقت في الوطن. اللمسات الصغيرة هنا وهناك، كلمات المودة، الهدايا الصغيرة، النكات والضحكات وما إلى ذلك.

فقط لم أكن أعلم أن هناك إحساساً جسدياً مرتبطاً ببداية تلك المشاعر. لم تذكر أي من قصص أبي ذلك قط. بل بدت دائماً أشد عظمةً.

تابع غاري حديثه: "لو كنت مكانك لاقتصرت الأمور على العفوية. واصل فعل ما تفعله، أتدري؟ أعني، بالنسبة لييسا، فقد التقينا هنا في البلدة منذ نحو عشرين عاماً حين كانت حديثة التأسيس نسبياً. كانت تعمل نادلة، ودخلت بعد وردية لتناول شراب. تحدثنا، وتمازحنا، وشعرت برفرفة مشابهة لتلك التي تقول إنك وصفتها. واصلت العودة كل ليلة، وواصلت الحديث معها، وفي النهاية، وكما عبّرت أنت، «تزاوجنا»".

رسم ابتسامة.

"السماوات العلى، لا أحد ممّن أعرفهم أشار إلى الأمر هكذا. لابد أن إنجاب تنين كأحد الوالدين قد شوّه منظورك للأمور".

أومأ كريوس وأفرغ آخر قطرات شايه.

"حسناً، لقد ظفرت بإجابتي. مواصلة ما أفعله. المغامرة، والمهام، والشقوق، ومحاولة إنجازها مع هذه السيدة. نحن نعمل معاً بشكل جيد، لذا أستطيع رؤية الأمر يسير نحو ذلك طبيعياً".

وقف وانحنى عند الخصر، ثم استقام وكان على وشك قول شيء آخر، لكنّه هتف عوضاً عن ذلك: "آه!"

إذ اصطدم قرنه بعارضة داعمة. قهقه غاري.

"احذر رأسك".

اضطر كريوس لجذب رأسه للأمام ليحرر قرنه.

"شكراً لنصيحتك لي في هذه الأمور. ويُرجى شكر زوجتك على النصيحة والشاي".

نهض غاري.

"أهلاً بك دائماً في الزيارة. منتصف الصباح رائع: الوقت المناسب تماماً بعد ورديتي. بعد قدحي وقليل من القراءة آوي إلى الفراش".

وأشار إلى الباب.

"اعتَنِ بنفسك".

التقط كريوس التلميح، فأومأ وغادر. أُغلق الباب خلفه، وأطلق تنهيدة. كان الخروج عن أفكاره ونسيان أحداث يوم أمس أمراً لطيفاً، وأصبح لديه الآن الكثير ليهضمه عقلياً في طريقه العودة إلى درب الحديد. وفي أثناء مسيره، تأمل كلمات غاري. كانت ليونا فاتنة، لكن كريوس لم يدر إن كانت تكنّ له أي نوع من الانجذاب بهذه الطريقة. لقد وجدها جذابة للغاية، وشعر برغبة في حمايتها داخل الشق — رغم أنه عزى ذلك غالباً إلى كونه دوره كمُرساة وكان ذلك متوقعاً منه.

مع ذلك... وبينما كان يفكر فيها في أثناء مسيره، عادت تلك الرفرفة في صدره. لكن الظروف التي قادته لرؤيتها بتلك الطريقة أعادت كريوس مجدداً إلى الحقيقة القاسية لنهاية الشق. قضى كريوس ربع الميلا الأخير من رحلته في صمت كئيب وهو يستمع إلى همس الريح، وزقزقة العفارير، وصوت الماشية البعيد والخافت في الحقول. كانت بوابات درب الحديد مفتوحة، فعبرها كريوس وفتح باب قاعة النقابة ذاتها.

التفتت الأنظار نحوه.

توقف كريوس عند المدخل، وقابل النظرات، وتمتم: "معذرة".

لم يدرِ ما يقوله سواه. لم يقل أحد شيئاً ردّاً. وعادوا إلى محادثاتهم الخافتة. نهض بافيش، الذي كان يتحدث إلى مغامر آخر، ومشى نحو كريوس.

"أتممت تضميدك؟"

أجاب كريوس: "فعلت. متى... أخبرتني مارسيلا أن هناك تأبيناً؟"

أجاب بافيش: "هذا المساء. تعال معي".

أبقى يده على ساعد كريوس وجره نحو طاولة فارغة، وأشار إلى كرسي، وجلس مقابل كريوس.

"والآن. تحدث. أريدك أن تخبرني عن كل غرفة".

سأل كريوس: "لماذا؟ ما المغزى؟"

تصلب وجه بافيش.

"أنا مرساة أيضاً. لو كنت محطماً أو مُصلحاً، لجعلتك تجلس مع شخص أتمرّس. بعد شقّك الأول، سواء مات مغامر آخر أم لا، تخوض استخلاص معلومات. تناقش الأمر برمته. أساعدك على تبين ما جرى بشكل جيد، وما الذي سار على نحو خاطئ، وما ينبغي فعله المرة القادمة".

لان وجهه، وربت على ساق كريوس تحت الطاولة.

"هيا، أيها اللقيط. ثق بي... سيساعد ذلك. لقد فقدت محطمي الأول في شقي الأول. لقد كنت في مكانك،"

ألقى نظرة تحت الطاولة، "مجازاً. معرفة ما كان بإمكانك فعله قد تساعد في التفكير بشأنه".

أخذ كريوس نفساً وأومأ.

"من أين نبدأ؟"

بعد ساعات من الأخذ والرد، كان معظمها يتألف من كلام كريوس، ومن أسئلة قليلة يلقيها بافيش بين الحين والآخر، ثم تعليقات يبدي فيها ما كان جيدا وما كان سيئا وكيف يمكن تحسينه بعد أن يسمع إجابات كريوس، وصلا إلى الأجزاء المتعلقة بالحجرة الأخيرة. أنهى كريوس سرد ما حدث فيها، فأطرق بافيش ينظر إلى الطاولة، وقد ارتسم على وجهه شرود عميق.

قال المرساة الأكبر سنا: "بناء على ما أخبرتني به، وبالنظر إلى مهاراتك وسماتك... لا أظن، بصراحة، أنك كنت قادرا على فعل المزيد. لقد اتخذ تافان موقعا سيئا. صحيح أنك كنت تستطيع تشغيل حقل الضغط وإطفاءه بالتبديل الومضي كلما اقتربت التموجات، لكن ذلك يتطلب حنكة تكتيكية كبيرة. وبما أنك تخوضها للمرة الأولى، أشك في أنك كنت تملك هذه القدرة."

شعر كريوس كأن حملا انزاح عن كتفيه. كان لا يزال يشعر بسوء بالغ لأن تافان مات، لكن معرفته بأنه، طوال الصدع، أدى عملا جيدا جدا، باستثناء بعض العثرات التي تعلم منها الآن، منحته شيئا من الطمأنينة.

قال بجدية: "شكرا لك. كنت محقا... لقد ساعدني هذا كثيرا."

أومأ بافيش بإيجاز، ثم نهض وربت على كتف كريوس.

"حل المساء. هيا إلى الخارج، يا لقيط. سنقيم مراسم التأبين. وإذا أردت، يمكنك أن تقول بضع كلمات."

نهض كريوس وتبع الرجل. ولم ينتبه إلى أن مغامرين آخرين غادروا أثناء حديثه، لكنه حين خرج من المبنى وقاده بافيش حوله من الخارج، أدرك السبب. خلف قاعة نقابة الدرب الحديدي، في ساحة خلفية حسبها كريوس كذلك، كانت مقبرة. ضمت بضعة قبور تحمل شواهد حجرية، وهي أعمدة طويلة من الغرانيت نقشت عليها الأسماء عموديا إلى جانب أدوار أصحابها. لكن الأعمدة الخالية من القبور كانت أكثر عددا بكثير، ومتقاربة المسافات.

كان المغامرون الآخرون هناك، بعضهم لا جميعهم، ومن بينهم ليونا، وقد خفتت أحاديثهم حين تنحنح بافيش.

قال: "تجمعوا وخذوا أماكنكم."

ثم مال على كريوس وهمس: "قف في الخلف حتى لا تحجب الرؤية عن أحد."

أومأ كريوس وفعل ما قيل له. ابتعد بافيش قليلا، فتسلل كريوس إلى مؤخرة الصف المنتظم من الأشخاص الواقفين في صمت مهيب أمام المقبرة، وظهورهم إلى قاعة النقابة. وبعد لحظات عاد بافيش حاملا عمودا من الغرانيت. اتجه إلى الأعمدة الأخرى، ثم أخذ مطرقة ودق العمود الحجري حتى استقر في موضعه.

بعدها التفت إلى المجتمعين وقال: "تافان يارودغا من رمح شيف، مداو، مات في صدع. لبى النداء ودفع الثمن الباهظ. كان يعرف المخاطر، ومع ذلك مضى، ليمنع الوحوش من التدفق إلى فورونور وتهديد الأبرياء. سنبقي ذكراه حية دائما، كما نفعل مع كل من يموت أثناء أداء واجبه."

رفع يدا إلى صدره، وبسط كفه فوق قلبه، ورفع يده الأخرى إلى السماء، وأصابعه ممدودة متباعدة.

"عسى أن تعثر عليه النجوم سالما، وأن تهديه عبر الظلام اللامتناهي إلى مملكة السماويين."

قلده المغامرون الآخرون في حركاته، وتبعهم كريوس. رددوا جميعا العبارة نفسها بصوت عال، وإن جاءت أصواتهم متداخلة غير منتظمة، وحاول كريوس أن يضيف صوته إليهم، لكنه لم يجد في نفسه القوة على ذلك. خفض بافيش ذراعه، ثم خطا بضع خطوات إلى يساره.

"ليونا، هل تريدين أن تقولي شيئا؟"

تقدمت وواجهت المجموعة المجتمعة. رأى كريوس صرامة تعبيرها وشفتيها المشدودتين، لكن صوتها ارتجف ارتجافا طفيفا جدا.

قالت: "حمى تافان حياتي وداواني. لولاه لمت. سأبقي ذكراه حية الآن وإلى الأبد، في الندوب التي أحملها."

ثم تنحت جانبا وانضمت إلى بافيش. نظر الرجل إلى كريوس.

"كريوس، هل تريد أن تقول شيئا؟"

ابتلع كريوس انزعاجه وتقدم، عالما أن ذلك هو الصواب. اتجه إلى الموضع الذي وقف فيه الآخران، ثم أخذ نفسا عميقا.

قال: "تافان... لقد حرسني من الأذى. وداوى جروحي. أنا... رغم قصر الساعات التي قضيناها معا، شعرت أننا ربما كنا سنصبح صديقين مقربين."

حرص على أن يلتقي نظره بنظر كل مغامر، ثم التفت إلى بافيش، وأخيرا إلى ليونا، وقال: "سأبقي ذكراه حية الآن وإلى الأبد، في أسماء الناس الذين أحميهم."

ثم تنحى جانبا، في الجهة المقابلة لبافيش.

تنحنح بافيش وقال: "متحدين، نحرس فورونور. متحدين، نقاتل كي يظل الأبرياء آمنين. متحدين، نوقف الصدوع والوحوش الكامنة فيها. نخدم إرادة مجمع المهام، ونتذكر الذين يسقطون."

ثم ضرب الأرض بقدمه مرة واحدة.

"انصرفوا."

غادر المغامرون، وربت بافيش على كتف كريوس.

"كلمات موفقة."

ثم نظر إلى ليونا.

"وأنت أيضا."

بعدها لحق بافيش بالمغامرين الآخرين. استدار كريوس ليتبعهم، لكنه توقف حين شدت ليونا قميصه.

قالت: "انتظر لحظة."

أجاب كريوس، وبقي في مكانه بينما تفرق الآخرون: "بالطبع."

كان الشمس قد غابت تماما، والقمر لا يزال يصعد، فترك الاثنين في شفق خافت الإضاءة. غيرت ليونا وقفتها وعقدت ذراعيها أمام صدرها.

قالت: "أنا... كنت قاسية عليك في وقت سابق. ألقيت اللوم كله عليك لأنك كنت بطيئا جدا."

لم يرد كريوس، بل قلد وقفتها فحسب.

وبعد صمت قصير، تابعت: "راجعت ما حدث كما فعلت أنت، وهناك أشياء كان يمكنني أن أؤديها على نحو أفضل."

ثم عبست ليونا.

"وسمعت تعليقات بافيش في النهاية. لقد فعلت كل ما استطعت. وهذا كل ما كان يمكن لأي منا أن يطلبه."

أجاب كريوس: "شكرا."

ثم نظر إلى شاهد قبر تافان. اتبعت ليونا نظره. خيم الصمت بينهما بضع دقائق، إذ غرق كل منهما في أفكاره. كان كريوس يعرف أنه تعلم من ذلك الصدع ومن حديثه اللاحق مع بافيش. لكنه تمنى لو لم يكن ثمن الدرس هو ما كان عليه. قطعت ليونا الصمت وربتت على كتفه.

"هل تنوي خوض مهمة قريبا؟"