أربكت دوخة مفاجئة أحشاء كول من جديد. وبدت أسوأ من العودة من كيفليش إن وُجد ما هو أسوأ. ولم يرتجف قلبه عندما اندفعوا أخيراً إلى غابة تحت سماء خضراء مريضة تشبه البوابة. التفت هو وكين وبوسون جميعاً وبصقوا طعام الإفطار على جانب الآلية بينما صفر مورغنسترن وشجعهم. وبدو وجه هاوي مائلاً إلى الخضرة أيضاً، لكن ذلك قد يعود إلى السماء الخضراء المقبضة المحملة بسحب المطر القاتمة.
وما إن أخرج كول معطفه الواقي من المطر وارتداه، حتى تساقط رذاذ عابر على الحافة. وتدحرج الرعد فوق الرؤوس مرتداً عن الجبال نحو الجنوب والشرق.
صاحت روكسي وسط الرعد: "أنسي أحدهم تفقد حالة الطقس؟"
أجابت مورغنسترن بابتسامة خبيثة تطايرت على وجهها: "لا فائدة. كوراهي هكذا دائماً. ألم يخبركم أحد؟ سيتحسن الأمر تحت الأغصان."
قال بارت: "أتعرفين، حيث أعيش، السماء الخضراء تعني اقتراب إعصار."
قال كول: "أشعر وكأنني عبرت للتو من خلال إعصار."
انعطفت مورغنسترن نحو ممر وقادت الآلية بمحاذاة قمة جبلية كأن المطر لا يعنيهابشيء. وبعد خمس دقائق تقريباً، بلغوا بقعة واسعة حيث التف حبل بجوار وتد غليظ. التفتت المدربة إلى الوراء وأشارت بإصبعها نحو بوسون.
"دورك. انزل ومعك محلل مجالات لويس."
قذف بوسون حقيبته فوق جانب الآلية قبل أن يقفز إلى جوارها. وأخرج لوحاً صغيراً يزيد قليلاً عن حجم الهاتف المحمول من عتاده وتأمله قبل أن يريه لمورغنسترن. أتلفت نحوه بطرف عينها وأومأت ثم توجهت نحو حبل ملتف فركلته من على حافة المرتفع ورفعت صوتها.
قالت وهي تشير إلى قمة منخفضة ترتفع من الغابة تحت المرتفع: "حتى لا اضطر لتكرار كلامي خمس مرات أخرى، إن لم يكن الأمر واضحاً، فهذه هي وجهتكم."
واستطاع كول تبين بقايا ما بدا هياكل على المدرجات حول المستويات العليا للجبل رغم دهشته لقدرته على تمييز أي تفاصيل عبر المطر والضباب بتلك المسافة.
"لا تحاولوا بلوغ القمة بلا رتبة. إن ظنتم الغابة سيئة، فانتظروا حتى تروا القلعة."
شعر كول بقليل من الارتياح لرؤية بوسون يغادر أولاً، مما يمنحه فرصة معقولة لألا يكون التالي لأحد أولئك الذين حذّرته روكسي من كونهم مرضى نفسيين متخفين. وكانت في عينيه قطعا نظرات باردة لشخص قد يبقرك وينام كطفل رضيع بعدها. جذب بوسون حزام كلب العمل وثبته بحزامه. ثم لفت الحبل حول جسده وعبر جهاز الإنزال. تفقدت مورغنسترن عتاده ومنحته الإشارة بالانطلاق. تراجع نحو حافة المرتفع واختفى عن الأنظار.
عادت مورغنسترن إلى مقعد القيادة وقادت إلى نقطة الإنزال التالية، مكررة العملية مع هاوي وهان وروكسي وكين ونونا وبارت حتى لم يبق في الآلية المكشوفة سواها وسوى كول. وقدّر المسافة بين كل وتد وآخر بنحو ميل. ووصلوا أخيراً إلى حيث يترجل كول، وضعت مورغنسترن الآلية في وضع التوقف.
"حسنا ايها المحمول جواً، أرني ما لديك."
قفز كول متجاوزاً الجانب واستغل فرق الطول ليرتدي حقيبته بيسر. وحسن الحظ أن حقيبة النهار بدت مقاومة للماء، لذا يجب أن يبقى كل ما بداخلها جافاً على الأقل، ولسبب ما، بدت أخف بكثير عما كانت عليه حين أخرجها من مستودع جيفرسون. مد يده تحت معطفه الواقي واستل محلل مجالات لويس الصغير من جيب صدره. اشتملت شاشته فور ملامسة صفيحة معدنية في الخلف لجلد راحة يده، وشعر بوخز يسري فيها.
<تم رصد توافق مجالات لويس. الرجاء الانتظار. المستوى: ١، ٨٤ بالمئة لم يُرصد تصنيف. لم يُرصد تصنيف فرعي. مؤشرات التحسين المقدرة: القوة: ٠.٢ الرشاقة: ٠.٢٥ الحِدة: ٠.٤ المتانة: ٠.١٥ السرعة: ٠.٣ الذكاء: ٠.٢٥> حدق كول في الشاشة دقيقة كاملة. لم يمارس الكثير من ألعاب تقمص الأدوار، لكن تلك الإحصائيات بدت سيئة للغاية، وبدأت ملامح وجهه تفضح الأمر. تقدمت مورغنسترن بخطوات واثقة وانتزعت المحلِّل من يده لتتفحص الأرقام بنفسها.
ثم التفتت إلى كول.
"أشرح أحدهم لك معنى هذا الهراء بعد؟"
أقر قائلاً: "ليس تماماً يا فندم، لا."
أدارت الشاشة نحوه مجدداً.
"حسناً، أنت في المستوى الأول لا الصفر. بل تكاد تبلغ المستوى الثاني في الواقع، لذا فالقصة التي تتحدث عن قتلك لشيطان كيفليش لا بد أنها صحيحة. يمكنك الحصول على رتبة بسرعة كبيرة."
وأشارت إلى مؤشرات التحسين.
"هذه مضاعفات. مع كل مستوى ترتقيه، تتحسن بهذه النسبة المئوية من قاعدتك الأساسية. راقب."
حركت مؤزراً فتغيرت الأرقام إلى نتائج مجمعة. <المؤشرات المجمعة: القوة: ١.٢ الرشاقة: ١.٢٥ الحِدة: ١.٤ المتانة: ١.١٥ السرعة: ١.٣ الذكاء: ١.٢٥> الأمر ليس مذهلاً، لكنه أفضل من انطباعه الأول.
سألت مورغنسترن: "أعانيت من حساسية في عينيك منذ أن وصلنا إلى هنا؟"
أجاب كول: "قليلاً، نعم."
"هذا لأن بصرك وسَمْعك يتحسنان مع كل مستوى بنسبة مذهلة تبلغ أربعين بالمئة من قاعدتك الأساسية. حسابات بسيطة، أليس كذلك؟ مؤشر التحسين مضروباً في المستوى يساوي... ممم، ليس مفيداً تماماً، لكنه يعبر على الأقل عن مدى تضاؤل العبء الميت الذي يمثله مجال لويس على مؤخرتك."
ونقرت على منظار سلاحها.
"٤. نقطة ممتازة لمؤشر أعلى. وحين تغادر هذا المكان، قد لا تحتاج إلى ذلك حتى. أو لعل نظارات الرؤية الليلية تفيد أيضاً. لكن من ناحية أخرى، قوتك ومتانتك في قاع السافلين. لذا قد تكون وغداً ضعيفاً سيموت غالباً بمجرد نفاد ذخيرتك، لكن سرعتك قد تفلح في جعلك لا تؤكل لفترة من الوقت."
تقدمت مورغنسترن وركلت حبل الالتفاف بعيداً عن المرتفع.
"لن تكون المرة الأولى التي تُنقذ فيها الجبنُ طامحاً. تحرك أيها المحمول جواً."
أعاد كول المحلِّل مكانه وبدأ بتثبيت الحبل في جهاز الإنزال الخاص به.
ورفع نظره إلى مورغنسترن، وسألها: "ألديك المزيد من كلمات التشجيع؟"
قالت مورغنسترن: "تباً لك أيها الطامح، ينبغي أن تراني حين أكون في مزاج سيء."
وتقدمت نحو آلية الفرقة لتلتقط حقيبتها وسلاحها، ولم يكن سلاحاً نارياً بل مطرقة ثقيلة برأس ضارب يشبه رأس تنان معدني بعيون حمراء متوهجة.
"فقط أبقِ مسدس الإشارات قريباً منك. سأترقبه."
وأدت له تحية ساخرة، ثم تلاشت في ومضة وهي تقفز قفزة واسعة من فوق الحافة بسرعة قذفتها لمسافة خمسين قدماً على الأقل فوق الغابة. حدق كول بعينين واسعتين منتظراً مظلة نجاته. لكن يبدو أن رفسة المستوى العالي لا تحتاج إلى مظلة. تذمر كول من هذا الاستعراض وبدأ يهبط بنفسه على جانب الخندق، وشعر بالحبل ينزلق بين كفيه. حواس وسرعة أفضل. يبدو منطقياً. لطالما تمتلك عيوناً وآذاناً حادة وتفوق على أغلبة الرفاق في المسيرات والركض.
والقوة والمتانة المنخفضتان تعنيان أنه لن يندفع أبداً إلى المعركة بمطرقة حربية أو مدفع رشاش يحمل ثلاثمئة رطل من الذخيرة كمورغنسترن أو ديدلايت، لكن ذلك لم يكن أسلوبه يوماً على أي حال. حتى وإن كانت قوته ومتانته في الحضيض، فقد استشعر آثار التحسينات ساريَة بالفعل. لم يبدو عتاده ثقيلاً كما ينبغي، وتخلص من إرهاق السفر تماماً. بات أمامه هدف نهائي وأهداف على مسافة خمسين ومئة وخمسمئة متر.
النجاة، الصيد، الارتقاء ببلوغ رتبة، وانتزاع الغنائم من الوحوش. ثم التوجه نحو قمة الجبل. وبقدر ما يعلم، يمكن لوحوش مجالات لويس إسقاط أي شيء قد يحتاجه، ومن المتوقع أن يجمع الذخيرة الملقاة. لكن أحداً لم يقل شيئاً عما يمكن توقع مواجهته في الغابة الكثيفة بالأسفل. أو الشكل الذي ستتخذه تلك الوحوش. بدأ كول يبلغ محاذاة قمم الأشجار فتوقف المطر. وحل سكون غير طبيعي على الغابة، فأوقف نزوله واستطلع الأغصان بحثاً عن أي أثر حركة.
فوجهته، قلعة الجبل في الأفق، ستتطلب منه أياما عدة لبلوغها. والآن، يحتاج إلى تحديد موقعه واستكشاف محيطه وتغطية أكبر مساحة ممكنة قبل حلول الظلام، إن كان الليل والنهار يعملان بالطريقة ذاتها هنا. لا يمكنه التسليم بأي من معارفه الأرضية. لم يلحظ حركة ولم يسمع زئير مخلوقات غريبة، فأتم إنزاله وبلغ قاع المرتفع سالماً. وفك شريط خطه وأجهز على تلقيم سلاحه. بدا أخف وزناً في كفيه هنا.
أقرب لوزن بندقيته إم 4، وهو أمر منطقي إن كان أكثر قوة بنسبة عشرين بالمئة في مجال لويس. وعند المستوى الخامس سيغدو مضاعف القوة مقارنة بالوضع الطبيعي. حاول تخيل نفسه النحيل وهو يرفع ثلاثمئة وعشرين رطلاً في التمارين. وبدت الفكرة مضحكة تقريباً. شق طريقه عبر الغابات الكثيفة ببطء وعناية. وبدا الأمر أشبه بفتح درب وسط غابات ولاية جورجيا موطنه، لا الاستطلاعات التي نفذها لصالح الجيش.
لكنه افترض أن قررت أمريكا وروسيا خوض حربهما السرية في دولة أوروبية بدل سوريا، فهذا ما سيفعله على الأرجح. توقف لينفض معطفه ويطويه قبل أن يواصل تقدمه. وثمة فارق صارخ عن جورجيا تمثل في الفطريات البرتقالية التي بدت وكأنها تنمو على أي شيء بمستوى الرأس فما دون. وبدت على كل شجرة رابعة أو خامسة، تلتهم القحاء كطفيلي ذي عروق زرقاء في الأشجار المصابة وتحفر فجوات غريبة في الخشب.
وغطى تدريبه على البقاء والمراوغة بعض الفطر الصالح للأكل والنباتات البرية، لكنه لم يكن ليقارب افتراض أن أي من تلك المعلومات ستفيد في تحديد ما إن كانت نباتات كوراهي سامة أم لا. وسيلتزم بالمؤونة. بعد مسير ساعة، تفقد موقع الشمس فرآها تجاوزت كبد السماء متجهة نحو الأفق. ولا تزال بوصلته تعمل على الأقل، مما مكنه من الحفاظ على اتجاهه حتى حين كانت الأغصان الكثيفة تحجب رؤية الجبل في الأفق.
وما عدا إفزاعه لبعض المخلوقات الصغيرة في الأدغال، لم يلمس أي علامة حياة، ولا أي أثر للمجندين الآخرين. وبعد ساعة أخرى، توقف قرب جدول صغير للاستراحة، آملاً أن يغطي خرير الماء ضوضاء غلاف شريط وجبته. ومضغ قطعة الكربوهيدرات والبروتين القاسية بينما انحنى ليغمس قماشة في الجدول. لا بد أنه الصيف هنا أيضاً، فالجو حار ورطب كالجحيم. ورغب بمنشفة تلطف حرارة رقبته. تجمد مكانه حين لامست قطعته القماشية الماء.
ووجد بجوار الجدول آثار أقدام في الطين. آثار حديثة، إذ توقف المطر منذ أكثر بقليل من ساعتين. وبدت إحدى القدمين جارة للأخرى، وهي آثار أحذية، لكنها بلا نقشات كتلك التي تخصه أو تخص بقية المجندين. اعتدل كول في قفته، لافاً القماشة حول مؤخرة رقبة مستطلعاً محيطه ومصغياً. واستمر في مضغ طعام غدائه وهو يعيد حقيبته على ظهره. وبدت الآثار متجهة نحو الشمال الغربي باتجاه منطقة إنزال بارت.
منحرفة قليلاً عن هدفه، لكنه لم يستسغ فكرة أن يتسلل هذا الشيء مهما كان نوعه مباغتاً المسعف. فضلاً عن أن تمكنهما من الالتقاء سيمنح الاثنين فرصة أفضل للنجاة معاً. تتبع كول مسار الآثار الطازجة بخطى حذرة. واختفت آثار الأقدام الواضحة فور تحول الأرض مجدداً من الطين الرطب إلى الشجيرات المكسوة بالطحالب. وعادة ما يعد تتبع البشر عبر الأدغال أمراً عسيراً، لكن هذا الكائن لم يبدُ مبالياً بنوع العلامات التي خلفها وراءه، حتى حيث اقتلعت الأشواك والعوسج قطعاً من لباسه، أو قطعة من جلده في إحدى المرات.
ركع كول قرب شجيرة الشوك وتأمل قطعة اللحم الشاحبة المعلقة بطرف شوكة. وبعيداً عن الدماء، كانت بنية وشاحبة، وليست كجليد الشياطين البيضاء من البوابة، فحمد الملك. وكانت تتخاطعها عروق زرقاء تذكره بـ... رفع نظره نحو الأشجار. فالأشجار ذات النمو الفطري الغريب تمتلك عروقاً زرقاء مماثلة في المناطق المتضررة والمتآكلة. اعتدل في وقفته. حسناً. أمر غريب. لكنه لم يأتِ إلى كوراهي بحثاً عن المألوف.