لم يعودا. نظر فيليبي مرة اخيرة الى حيث جاؤوا — دافع الغريزة اقوى من الشك، لان جانبا منه كان بحاجة الى ان يرى بعينيه انه لم يعد هناك مكان يتراجع اليه. ولم يكن هناك شيء. فقد تبخر الدرب ببساطة. اغلقت الجذور الفراغ كليا، وتسلقت الهياكل القديمة، وتغلغلت بين ما تبقى من المنازل. انبثقت جذوع سميكة وسط الخرسانة كانها استوطنت هناك منذ الازل، وابتلعت النباتات الواطئة كل شق متبق.
كان المكان لم ياو احدا قط. كان الغابة تمسح، يوما بعد يوم، ذكرى البشر الذين عاشوا يوما على تلك الارض. وكانت سرعة ذلك — اذ استسسلمت الخرسانة في غضون ساعات لا عقود — تنبئ عن العالم الجديد باكثر مما اراد فيليبي سماعه. تابع ريناتو نظرة اخيه، واطال التامل فيها.
"لن نعود، أليس كذلك..."
لم يكن السؤال حقيقيا فعلا. كانت تلك جملة يقوها المرء فقط ليسمع وقعها بصوت عال. اجاب فيليبي دون ان يزيل عينيه عن الاتجاه الميت.
"لا جدوى."
توقف برهة قصيرة، احصى خلالها ما يحملونه: الاسلحة الارتجالية، وقضيب الحديد، والنزر اليسير الذي نجحوا في جمعه.
"كل ما يمكننا استخدامه، اخذناه بالفعل."
"والبقاء في مكاننا اسوء،"
ختم إزيو بجفاف. اومأ فيليبي برأسه. بدا الامر واضحا الان، كالبداهة التي تكتسيها الامور القاسية حين تكف عن الايلم: لم تعد هناك اماكن آمنة. كان هناك المكان الذي تقف فيه والمكان الذي تقصده. التوقف لم يكن سوى اختيار لمكان الموت. مضيا قدما. بدا الارض ترتفع تدريجيا، طالبة مزيدا من التركيز مع كل خطوة. نحفت الجذور السميكة، مفسحة المجال لجوع أطول متراصة، اطبقت سقفها العلوي وفتحت برك من الظلال الكثيفة التي بالكاد يتسلل الضور عبرها.
ظل الهواء رطبا، مثقلا برائحة النباتات الواطئة، لكنه صار يتحرك الان في هبات قصيرة متفرقة، وحملت كل هبة اصواتا من اتجاه مختلف. حشرات. اوراق شجر متطايرة. واكثر من ذلك، في الخلف — خطوات، او ما تصير اليه الخطوات حين يكف صاحبها عن كونها حيوانا مالوفا. تصدّر فيليبي المقدمة، مختبرا الارض بطرف قدمه قبل ان يودعها ثقله. كان جسده ما زال يجر ارهاق المعركة، وما زال ذراعه ينبض الما، لكن عقله بات اكثر استقرارا من ذي قبل.
لم يعد يكتفي بالرد على ما يظهر. بل شرع، ببطء، في استباق ما لم يظهر بعد. وادرك، بقشعريرة سرت فيه، ان هذا التغير فيه لم يمض عليه سوى يوم واحد.
"انظر الى هذا..."
جاء صوت ريناتو خافتا. لم يكن نبرة التحذير السابقة. كان شيئا اخر — نبرة من رأى ما لم يعقله العقل بعد. رفع فيليبي عينيه. وتوقف. كانت السماء خاطئة. اول ما سجله كان الضور. لم يكن منبعثا من نقطة واحدة. كانت الشمس هناك، ساطعة، مباشرة، تشق طريقها عبر ما استطاعت من الاوراق — تلك كانت مالوفة، تلك كانت من الوطن. لكن كان هناك ما هو ابعد. منزاحة عنها، اصغر، اكثر شحوبا، علق وهج ثان كان خلفه طبقة غير مرئية، ضبابية، لكنها حاضرة بلا شك.
اجبر فيليبي تركيزه على الثبات. ووجد الثالثة. اعلى. واكثر بعدا. باهتة لدرجة تجعلها تمر دون ملاحظة لولا انه كان، في تلك اللحظة بالضبط، يبحث عن خطا ما ليؤكد القشعريرة التي كانت تتسلق عموده الفقري. لكنها كانت هناك. مصادر ضوء ثلاثة. ثلاث نقاط في السماء، منفصلة، تنثر كل منها ضياءها على غابة ما كان لها ان توجد. اطلق ريناتو نفسه ببطء، كمن يفرغ رئتيه لئلا يرتجف صوته.
"هذا ليس طبيعيا."
ابقى إزيو نظره مسماربا نحو الاعالي ثواني طويلة، محللا قبل ان يتكلم — دائما قبل ان يتكلم.
"لم يُرَد له ان يكون."
لم يحول فيليبي عينيه عن السماء.
"الامر لا يقتصر على الاختلاف."
خرجت الكلمات ببطء، لانه كان يركبها اثناء نطقها، وكانت كل كلمة تغلق بابا في داخله.
"هذا ليس العالم نفسه."
حين قيلت هكذا، بصوت عال، تحولت الى حقيقة. الامل الاخير بان كل هذا مجرد كارثة محلية — زلزال، حرب، اي شيء ارضي له اسم ونهاية — ذلك الامل مات هناك، تحت شموس ثلاث، ولم تكلف اي من الشمس الثلاث نفسها عناء دفنه بالكلمات. بعض الاحزان صامتة لعدم توفر الوقت الكافي للشعور بها بعد. مرت الريح عبر الاوراق في الاعلى، اقوى من ذي قبل، مزيحة الهواء في امواج غير منتظمة. سرت الحركة عبر النباتات على التوالي، دافعة الاغصان الى الانحناء واحدا تلو الاخر، كان شيئا غير مرئي يعبر من خلالها.
وشعر فيليبي بذلك. الضور نفسه. ذلك الشيء بلا اسم الذي مسه بالفعل اثناء القتال وفي لحظة السلاح الارتجالي. الا انه صار الان اكثر حادة. اكثر قربا. لم يكن مجرد هواء يضرب جلده. بل شيئا في داخله يجيب عما يكمن في الخارج — خيط يمتد بين صدره والفضاء المفتوح امامه، ارفع من ان يدركه، واكثر حقيقية من ان يتجاهله.
"أتشعر بهذا؟"
سال، دون ان يرفع عينيه عن الفراغ امامه. تردد ريناتو.
"مثل... الهواء الغريب؟"
اجاب إزيو من مكان ما.
"ليس الهواء."
دار فيليبي بوجهه نحو أبيه.
"اذن ما هو؟"
اخذ إزيو وقته، مديقا عينيه، كمرء يحاول اجبار شعور على الالتواء ليتسع داخل كلمة وُجدت قبل تلك الليلة.
"كأن... هناك شيئا في الفضاء. لا يعبر من خلاله. بل في داخله."
اومأ فيليبي، ببطء.
"موجود."
وهو الان على يقين. لم يكن الامر ادراكا مشوها، او تعبا، او خوفا يعبث بحواسه. بل كان بنية. كان هناك شيء ما حاضرا في ذلك العالم طوال الوقت، يدعمه تحت السطح المرئي، كالعوارض خلف الجدار. غير مرئي — الا لانه لم يتعلموا بعد كيف ينظرون. وفيليبي، دون ان يدري كيف او لماذا، بدا يتعلم كيف ينظر. وما اخافه لم يكن عدم الفهم. بل انطباع بانه يتلقى درسا. تقدما مرة اخرى، اكثر حذرا. لا فيما يتحرك فحسب — بل فيما يبدو انه يمسك بكل ذلك في مكانه.
حينها جاء الصوت. مختلفا عن كل ما سلف. لم يكن مفردا. بل متعددا. منخفضا، لكنه سريع، يتحرك بين الجذور والجذوع بثبات لا تفسره ريح. توقف فيليبي في اللحظة نفسها. وتجمد إزيو معه. غرس ريناتو قدميه وثبت قضيب الحديد ضد جسده.
"ليس واحدا فحسب،"
قال أبوه، ماسحا المحيط بنظراته. تابعه فيليبي. صدر الصوت من اكثر من نقطة. حركة منسقة. اشياء صغار. واشياء سريعة. وما يتحرك مجتمعا اسوا من الاشياء الكبيرة التي تتحرك وحدها — هذا ما تعلمه بالفعل من البشر، الليلة الماضية. ظهرت الحركة اولا محاذية للارض، بين الجذور الواطئة، ثم اعلى، بين الجذوع، شاغلة مساحات مختلفة في الوقت نفسه. وحينها ظهرت المخلوقات. اشبهت تلك التي واجهوها اولا، لكنها اصغر — بطول اربعين او خمسين سنتيمترا.
يوحي الجسم المستطيل بجرذ، او ابن عرس، لكن بنسب خاطئة تماما، كحيوان رُسم من الذاكرة بواسطة شخص لم يره قط حيا. غطت ظهورها درقة عضوية رقيقة، مكونة من صفائح غير منتظمة لا تتطابق، تاركة فراغات داكنة بين الواحدة والاخرى. كانت ارجلها قصيرة وسريعة، تنتهي بنقاط حادة تغرس في التربة الرطبة وتتيح تغيرات مفاجئة في الاتجاه. اما الراس، الضيق، فبقى فمه شبه مفتوح فوق صف مسنن من الهياكل الصلبة بدل الاسنان.
كانت العيون صغيرة. داكنة. منتبذة. اكثر انتباذا مما ينبغي لعين حيوان. لكن المظهر لم يكن ما اثقل معدة فيليبي. بل السلوك. لم تتقدم بوحشية في خط مستقيم. بل انتشرت. خمسة. لعلها ستة — تعذر عليه تثبيت العدد، لان العدد ابى ان يثبت. شغلت الحيز. احاطت. اختبرت التضاريس، اختبرت البشر الثلاثة، وقاست ردود الفعل. لم يكن ذلك جوع حيوان اعمى. بل منهج. والمنهج، في حيوان، كان اسوأ الاشياء جميعا — اسوأ من الشموس الثلاثة، واسوأ من الجذور التي تبتلع الخرسانة.
تفسس فيليبي بعمق وعدل وقفته، تاركا قدمه تغوص في التراب اللين. دق قلبه سريعا، لكن يده لم ترتجف. لم تكن مفاجاة هذه المرة. بل ممارسة — والممارسة، وكما تعلم لتوّه، العملة الوحيدة التي يقبلها ذلك العالم.
"لنختبرها الان،"
قال بصوت خافت. وضع إزيو السلاح الارتجالي، مصححا الزاوية لتناسب انحدار الارض. غرز ريناتو قدميه، مستشعرا الارض قبل تثبيت قاعدته، وارتفع قضيب الحديد. تسارعت المخلوقات. ليس في خط مستقيم — بل في تباين، متعرجة، باحثة عن الفجوة، الخلل، الخاصرة الابطأ. تتبع فيليبي احداها بعينيه. ثم اخرى. ثم اخرى. وبينما تتبعها، بدا شيء ما في رأسه يجد الايقاع، وشكل الحركة، والمنطق الكامن خلف الفوضى الظاهرة.
ليست القوة. بل النمط. جاء الهجوم الاول منخفضاً. سريعا. محاذاة للارض، مستهدفا الساق. وهذه المرة، كان فيليبي مستعدا.