زأر المحيط من حول المنارة العتيقة. دارت تيارات البحر الهائلة ببطء، فيما مزق الريح سماء الليل فوق المياه الداكنة. كانت نيثارا تحوم، معلقة جزئيا فوق البحر. ليس تماما. ما زالت ناقصة. لكنها مختلفة. لقد تغير السريان. لم تعد تيارات الهواء تصارع المحيط. ولم يعد المحيط يرفض السماء. وللمرة الأولى، تعايش السريانان، لا كعدوين فرضت عليهما هدنة، بل كنصفين كانا شيئا واحدا منذ البداية، ولم يتعرف أحدهما إلى الآخر إلا الآن.
ظلت عينا سيدة البحر الوحشيتان مسمرتين على أريوس. فهذا لم يكن سحرا عتيقا. ولم يكن تعويذة انتزعت من أطلال، ولا معرفة ورثتها مملكة من الممالك. لقد ولد هذا منهما. هناك. في تلك الليلة. أخذت الريح تدور حول أريوس بعنف أشد. تمزقت ثيابه في العاصفة. وارتجفت جذور المنارة المحطمة على ذبذبة شيء أوسع من أن يحتمله العالم. حتى السحب بدأت دورانها البطيء فوق المحيط. ثم أغمض أريوس عينيه.
فأجابه السريان. التف تيار الريح حول جسده، فيما بدأ المحيط في الأسفل يتبع الحركة. كأنفاس. كمد وجزر. كحياة. بدأ أريوس يتلو. كان صوته خافتا في البداية. لكنه كان عميقا، كأن الكلمات تعبر العالم نفسه قبل أن تبلغ الهواء.
"فلتعترف السماوات بأعماق البحر..."
اشتدت الريح "ولتضع الأمواج عن كاهلها ثقل الوحدة."
ارتفعت المياه ببطء من حول نيثارا.
"ولتكن التيارات سجنا..."
دوى هدير السحب فوقهما "بل حملا."
أجاب المحيط في الأسفل بتموج امتد أميالا.
"فليلتق سريان الريح بسريان المد..."
بدأت الحراشف السوداء تلمع تحت ضوء القمر "وليمضيا معا كشيء واحد."
دار الهواء بانسجام كامل بين كل حركة هائلة من حركات الجسد الأفعواني.
"فلتقبل السماء البحر..."
بدا العالم كله كأنه حبس أنفاسه "وليتعلم البحر سبيل السماء."
ثم فتح أريوس عينيه. انفجرت الريح. دووووووووووووم. اندفع المحيط بعنف إلى أسفل نيثارا، فيما احتضنت تيارات الهواء الهائلة جسد السيدة الجبار. لكن السريان لم يضطرب هذه المرة. لم يعد ثقل يسحقه. ولم يعد صراع. بدأت نيثارا ترتفع. بسلاسة. بحرية. عبرت الحراشف السوداء السماء، وانساب الجسد الأفعواني في الهواء ككيان يستحيل وجوده. انفجرت المياه في الأسفل في أمواج وحشية، تلاحق كل حركة.
زأرت الريح. ودارت السحب. وبدا المحيط كله كأنه يتبع سريان الاثنين. اتسعت العينان الوحشيتان ببطء. لأنها كانت تطير حقا هذه المرة. لا تغرق. ولا تقفز. ولا يجرها أحد. تطير. ابتسم أريوس عندها. حملته الريح إلى جانب الكيان البحري الهائل، ودارت التيارات من حولهما كأنهما في عالم خاص بهما. ثم تكلم. كان صوته خافتا.
لكنه ممتلئ بالحياة: "أمستعدة؟"
أجاب المحيط. أطلقت نيثارا زئيرا عميقا، لكنه كان مختلفا عن زئيرها السابق. لم يكن مدمرا. ولم يكن وحشيا. كان حرا. ثم اندفعت إلى الأمام. دووووووووووووم. شق الجسد الأفعواني الهائل السماء فوق المحيط، فيما طار أريوس إلى جوارها. انفجرت المياه في الأسفل. وتمزقت السحب فوقهما. ودارت الريح بين الحراشف السوداء الهائلة. وللمرة الأولى منذ عصور، اجتازت سيدة البحر السماء. ضحك أريوس وهو يجاري حركتها وسط عاصفة الريح والماء.
وضحكت نيثارا، نيثارا نفسها. تردد ضحكها العميق فوق المحيط كالرعد البعيد، فيما عبر الاثنان ليل العالم فوق المياه اللامتناهية لذلك العالم الهائل. وفي الأعماق السحيقة، فرت مخلوقات بحرية عملاقة من التيارات العبثية التي خلقها الاثنان. وفي الأعالي البعيدة، انفرجت السحب أمام سريان الريح. وفي مكان ما، بعيد جدا، بدأ العالم يلاحظ ببطء. لقد استيقظ في البحار شيء يستحيل وجوده.