ظلت الاجواء الداخلية للشجرة صامتة. وثقيلة. ذلك النوع من الصمت الذي يهبط ما أن تُقال الحقيقة ولا يملك أحد الشجاعة لتكرارها. تقدم الجميع ببطء عبر المستويات السفلى للمدينة العمودية العريقة بينما كانت أضواء ذهبية ضئيلة تضيء ممرات ديندرون الحية بضعف. لم يتحدث أحد كثيرا. تغير المزاج تماما بعد اكتشاف الساحة القديمة والمجزرة والأبواب المختومة من الداخل. ساشوا كأشخاص يحملون وزنا ليس لهم لكنه لا يقبل الوضع.
عبرت الريح ببطء عبر الممرات الخالية بينما مضى آريوس مقدما بجانب ساغيت. وخلفهما مباشرة جاء الآخرون أكثر صمت مما كانوا عليه قط. فيركه الفأس ما زالت على ظهره. كاستل ذراعه مضمدة ومنتبه لكل ظل. لونا شاحبة. ديموس عيناه خافضتان. فايرون يقيس الممر بحكم الاعتياد. فالين يكاد يكون غير مرئي بمحاذاة الجدار. إغنيس وفيروم جنبا إلى جنب بلا مزحة واحدة بينهما. وفاغوس دفتر الملاحظات مغلق في يده وأصابعه بيضاء من شدة الضغط.
واختتم المجموعة غورفاك الذي لم ينطق بكلمة منذ الساحة. لكن الدخان الأسود المتسرب من أضلاعه صار أكثر كثافة الآن. وغير مستقر. كجمرة تتوعد بالتحول إلى حريق. ثم توقف فالين. انزلق ظله ببطء أمامه على طول الممر ممتدا عبر الخشب الحي قبل أن يتحرك جسده حتى. وهذه المرة لاحظ حتى فايرون أن الظل توقف بعد صاحبه بلحظة. ضاق عينا فالين. يوجد شيء خلف ذلك الباب. تنبه الجميع فورا. كان البناء أمامهم هائلا.
بابا حيا ضخما مدمجا في جذور الشجرة الداخلية. ومختوما. لكنه مختلف عن البقايات. لأن العلامات العميق التي غطت الخشب لم تأت من الخارج. بل أتت من الداخل. وكأن شيئا قضى عصورا محاولا الخروج. ازداد الصمت ثقلا. قرب ساغيت يده ببطء من البناء. وتجمد. كان التدفق القادم من الجانب الآخر حيا. لكنه خاطئ. خاطئ جدا. نبض بطيء مريض ما كان له أن يوجد في أي شيء ما زال يتنفس. شعر بها لونا في اللحظة ذاتها وفقد وجهها كل لون.
يوجد أشخاص هناك. خرج صوتها منخفضا. وخائفا. أحياء. أو. يكادون. ثم صدر صوت من الجانب الآخر. شيء يُجر ببطء. خراخش... خطى فيركه خطوة إلى الأمام رد فعل منعكس. لكن آريوس رفع يده. صارت الريح ثقيلة من حولهم. وبدأ الباب ينفتح ببطء. قرررراخ... الرائحة جاءت أولا. التعفن. الخشب المشبع بالماء. الدم القديم. وتحت ذلك كله البصمة الباردة الحلوة للسحر الأسود. ثم رأوا. كانت القاعة هائلة. ملجأ عريق لمملكة الشجرة.
المكان الذي لا بد أن العائلات فرت إليه بحثا عن الأمان. لكنها بدت الآن ككابوس حي. أجساد مندمجة مع الجذور. أشخاص مُمتصون جزئيا في الخشب ومبتلعون ببطء عبر العصور. السحر الأسود ينبض بين اللحم والفرع وعروق سوداء تخفق كقلب مريض رفض التوقف. بعضهم ما زال يتنفس. والآخرون يتحركون ببطء فقط مثبتين على الجدران الحية بلا قوة حتى للأنين. لكن الأسوأ كانت العيون. لأنه كان ما زال يوجد وعي داخلها.
رفعت لونا يدها إلى فمها. أدار إغنيس وجهه ولم ينظر للخلف. تجمد فيروم تماما. الحداد الذي كان يطرق تحت الحرارة بلا ارتعاش صار عاجزا عن خطو خطوة واحدة. طبق ديموس على قبضتيه حتى ترجفتا. ترك فاغوس دفتر الملاحظات ينزلق من يده دون ملاحظة. حتى كاستل الذي نجا من بتره الخاص بلا صراخ هدأ تماما. ثم جاءت الأصوات. منخفضة. ومتداعية. ومكسورة لكثرة الوقت. أ. أرجوكم. يؤلم. اجعلوه. يتوقف. تجمد غورفاك.
تماما. مررت عيناك العميق للعملاق ببطء على القاعة وبدأ الدخان الأسود يتسرب بعنف من أضلاعه. أكثر كثافة. وأكثر عدوانية. يتخبط كأنه يريد الفرار من الجسد ذاته الذي أتى منه. بدأت الأرضية تتصدع تحت وزن المخلوق. ملك الهياكل. خرج الصوت مشوها. ومملوءا بكراهية عميقة جدا لا تكفيها كلمات. اقترب ساغيت فورا. وفيركه أيضا. أمسك كاستل ببطء بأحد أذرع المخلوق الهائلة رغم جرحه. غورفاك. لكنه لم يكن يستمع.
ظلت العيون مثبتة على القاعة. وعلى الدخان. وعلى الأصوات. وحين توقف الصدع في الأرض عن النمو تحدث مرة أخرى. ومنخفضا ولهذا السبب صار أكثر رعبة. انهيار الغضب إلى شيء أسوأ. الارتباك. أنا. لا أذكر. تذبذب الدخان. لا أذكر أي من هذا. ما فعلته تحت ملك الهياكل. ما أجبرني على أن أكونه. اهتزت نقاط الضوء في المحاجر. ومضات فقط. وشظايا. وجه. وصوت. هذا الباب. أغلقت يد العملاق على الهواء مرتجفة.
لا أعلم إن كنت أغلقت هؤلاء الأشخاص هنا. أو إن كنت حاولت إخراجهم. لا أعلم. فقط ومضات تأتي. وكل واحدة تؤلم كأنها المرة الأولى. صار الصمت غير مطاق. لأنه لم يملك أحد. لا ساغيت ولا آريوس. أي طريقة للإجابة عن ذلك. لم يكن غورفاك يطلب الغفران. كان يطلب الذاكرة. وكانت الشيء الوحيد الذي لا يستطيع أحد هناك منحه إياه. استمرت الأصوات صادرة من القاعة. أشخاص. أطفال. شيوخ. عصور من المعاناة محبوسة داخل الشجرة بلا موت يحررهم.
ثم سحب فيركه ببطء الفأس من ظهره وعيناه مملوءتان بالغضب والشفقة بالقدر ذاته. سأفعلها. خرج صوته أجش. لا يتوجب على أحد آخر حمل هذا. سأفعلها. لكن قبل أن يستطيع التقدم وضع آريوس يده أمامه. حل الصمت. التفت إليه فيركه فورا. آريوس. بدأت الريح تدور ببطء عبر الممر. ثم تحدث آريوس. منخفضا. لكن بحزم. لا حاجة لمزيد من الدماء لتُسفك. ثبت عيني صديقه. لقد نزفوا بما فيه الكفاية. لن يكون بالفأس رحيلهم.
ليس هكذا. ازداد الصمت ثقلا. ثم مشى. وحيدا. مر ببطء عبر المجموعة. بجانب ساغيت الذي لم يمنعه. وبجانب لونا التي لم تستطع التحدث. وبجانب غورفاك الذي تابعه بعينيه فقط. دخل القاعة. ومضى سائرا وسط المسوخ المدمجة في جذور الشجرة. بلا التفات. بلا تراجع. خاطعا الأرض المتعفنة ببطء كعابر في كاتدرائية. استمرت الأصوات. منخفضة. ومتألمة. أ. أرجوكم. أنا. لا أستطيع. الاحتمال. في الخارج بدأت لونا تبكي ببطء عاجزة عن صرف نظرها.
لأنها فهمت الآن بالوضوح القاسي لمن يقضي حياة محاولا الإنقاذ ثم يجد حده فجأة. لم يكن يوجد علاج. ليس لهذا. اللطف الوحيد الممكن لم يعد حياة. ثم توقف آريوس عند منتصف القاعة. ورأى. طفلا. كان الجسد الصغير مدمجا جزئيا بجذور الجدار الحي. وعروق سحرية تخترق الصدر المشوه. لكنه ظل يحمل شيئا. دمية محشوة صغيرة شاحبة أكلها الزمن ومندمجة مع الجسد. صار الاثنان شيئا واحدا منذ عصور بالفعل.
الطفل واللعبة محجوزان في اللحظة ذاتها التي لم تنته قط. التقت عينا الطفل عينيه. ما زالواعيا. وما زال متألما. وما زال منتظرا بالطريقة التي لا ينتظر بها سوى طفل أن يكون البالغ القادم هنا ليُصلح كل شيء. ثم انزقت دُموع ببطء على وجه آريوس. صمتت الريح تماما. ثم رفع ذراعيه ببطء. بدأ التدفق يتحول. ناعما وعميقا بلا قطرة عنف واحدة. بدأ الهواء في القاعة يختفي. لا بوحشية. ولا كسلاح.
بل بصمت. كمن يطفئ شمعة لأجل طفل نجح أخيرًا في النوم. بدأت المخلوقات تسقط ببطء. واحدا تلو الآخر. اختفت المعاناة من الوجوه المشوهة. تباطأت الحركات. فشلت الأصوات واحدا تلو الآخر. لا في ذعر. بل في شيء يشبه الراحة. حتى لم يبق سوى الصمت. وقبل أن ينفد النفس الأخير تحدث آريوس. صوته منخفض. ومكسور. أنا آسف. عبرت الريح ببطء عبر القاعة لامسة كل جسد استراح أخيرا. يمكنكم الراحة الآن. ثم استحوذ الصمت على جوف ديندرون.
للمرة الأولى منذ عصور. صمت حقيقي. ليس صمت المحبوسين. بل صمت أولئك الذين أُطلق سراحهم أخيرا. بدأت أضواء الشجرة الذهبية تتألق ببطء بقوة أكبر حول القاعة. نابضة بدفء عبر الجدران الحية. هابطة عبر الجذور. ومحتضنة الأجسام كغطاء. وكأن مملكة الشجرة نفسها بعد طول انتظار تستطيع أخيرًا أن تحدّق في موتاها. وعند مدخل القاعة خفض غورفاك رأسه الهائل ببطء. وتوقف الدخان الأسود منذ الساحة لأول مرة.