استمرّ المطر في الهطول فوق المحيط. ثقيلاً. متصلاً. هديرًا ناعماً بلا نهاية يغطي العالم. كان المنارة العتيقة مهدّمة جزئياً، وأنقاض الساعات الأخيرة متناثرة فوق الحجر المبلل، وتكسرت الأمواج العاتية ببطء على الصخور أسفل اثنينهم. أمام أريوس، كانت نيثارا تتابع أفق المحيط في صمت. بقي الجسد الأفعواني الهائل جزئياً فوق السطح، وتناوبت تيارات البحر على الالتفاف حولها دون أن تحتاج إلى تحريك عضلية واحدة.
ومع ذلك، بدا حضور الكيان كأنه يعيد كتابة البحر نفسه — كأن الماء من حولها لا يطيع أُمراً ولا توجيهاً، بل مجرد حقيقة أنها موجودة هناك. وكأن المحيط يعرف، في غريزة كل قطرة، من هو سيّد البيت. قضى أريوس بضع ثوانٍ وهو يراقب ذلك. لا يزال جسده يؤلمه، ذراعه الجريحة تنبض تحت الخرق، لكن عقله كان يجري بالفعل متجاوزاً الألم.
ثم سأل: "ما هو، بالضبط... هذا الرابِط؟"
تحرك الريح ببطء عبر الصخر المهدّم. تحرستا عيناهما الوحشيتان، ببطء، صوبه. وأجاب الكيان العتيق.
"الرُّبُط ليست خضوعاً".
سقط المطر ثقيلاً حول اثنينهما.
"ولا سيطرة. ولا نفوذ".
بدا المحيط كأنه يتنفس مع صوتها، صعوداً وهبوطاً.
"تلك هي الكذبة التي يرويها ملوك هذا العالم لأنفسهم".
حلّ الصمت ثانيةً. استمع أريوس، بلا حراك.
"الرابط الحقيقي يحول تدفق وجودين إلى تيار واحد".
تحركت المياه ببطء حول الجسد الهائل.
"معظم مخلوقات هذا العالم لن تفهم ذلك أبداً. إنهم يعتقدون أن الرُّبُط تخدم التقوية فحسب. سلاحاً آخر. طوقاً إضافياً في يد شخص يمتلك أطواقاً أكثر من اللازم".
توهجت العينان بعمق، هوّتين من الضوء في العاصفة.
"لكن المعنى الحقيقي شيء آخر".
تغيرت الريح بخفة حول المنارة.
"إنه التطور. الرابط يمكنه تحول الوجود بأكمله".
قطّب أريوس جبينه. تابعت نيثارا، وصوتها يتدحرج عبر الماء كمدّ.
"مخلوق صغير. ضعيف. زهيد".
كانت هناك عصور من المعرفة في كل كلمة.
"يمكنه أن يصبح شيئاً قادراً على هزّ الممالك".
شقّ البرق السماء.
"نملة بسيطة، مرتبطة بتيار قوي بالقدر الكافي، يمكنها — مع الوقت والإرادة الكافيين — أن تبلغ منزلة تنين عتيق".
اتسعت عينا أريوس.
"كل هذا يعتمد على قوة الرابط. على الإرادة. على عمق الاتصال بين الوجودين".
زأر المحيط بخفوت، تحت قدميه.
"كلما كان الرابط أعمق، كلما استجاب التيار أكثر. وكلما استجابت التيارات أكثر... كلما توقف الاثنان عن كونها اثنين".
بقي أريوس صامتاً. لانه كان يبدأ بالفهم. فيرخا والثور. غورفاك، المزروع على الجدار كعملاق حي. نيثارا نفسها، الآن، أمامه، هائلة ومستحيلة.
لم يكن ذلك قط "تأنيساً للمخلوقات"
— لم يكن أبداً حول تقييد وحش بطوق والإشارة به نحو العدو، كسههم يتنفس.
كان شيئاً آخر. أعظم بكثير. حياتان مخيوطتان في تيار واحد، واحدة تسحب الأخرى نحو الأعلى، كلاهما يصعدان معاً أو لا يصعد إحداهما قط. ولأول مرة، فهم، بوضوح، لماذا كانت فكرة الطوق تقلب معدته دوماً. لماذا أثارت أطواق العبيد التي رأاها في أثيريس غثيانه. لأن الطوق يعيق التدفق. يضيقه، يحتويه، يخنقه. الرابط يحرره. كانا نقيضين تامين، متنكرين في زي بعضهما. وهذا بالتحديد سبب كون معظم ذلك العالم — عالم الممالك، السلاسل، المخلوقات المقيدة الزائرة في الأبNاص — لن يفهم الفرق أبداً.
لأن من لا يعرف سوى الطوق لا يمكنه حتى تخيل التيار الحر. أدارت نيثارا عينيها نحو الأفق. جرى المطر باستمرار فوق الحقوف السوداء، الملتئمة الآن، السليمة.
"هناك رُبُط..."
قالت بصوت منخفض، "قادرة على تغيير العالم نفسه".
ثقلت الريح ثانية. ثم سأل أريوس عما أزعجه منذ اللحظة التي أنقذت فيها حياته.
"هل كنتِ حقاً مسجونة هنا؟"
صمت المحيط. مضت نيثارا ثوانٍ عديدة دون إجابة. كشخص يقلّب ذكريات عتيقة جداً. مؤلمة جداً. ذكريات ربما لم يطلب أحد، منذ دهور، سماعها. ثم تكلمت.
"كان ذلك اللب جزءاً من قلبي".
ارتفع المطر، كأنه يجيب على الكلمة.
"طالما ظل محبوساً في ذلك السلاح، ما كنت لأغادر هذا المحيط بالكامل أبداً".
انزلقت العينان إلى المنارة المهدمة.
"عمل الرمح كسلسلة. مرساة مغروسة في لحمي ذاته، على أميال مني، ومع ذلك كانت تخصني. تجذب. تجذب دائماً".
عبرت الريح ببطء خلال الحجارة المهدمة.
"حتى بعد أن مزقت الرجال الذين جاؤوا لقتلي... ظللت مسجونة".
توقف طويل.
"الفوز لم يحررني. الفوز لا يحرر أبداً".
راقب أريوس الكيان الهائل في صمت. لأنه بات يفهم حقاً الآن. لم تحتفظ بهذا المحيط باختيارها. لم تكن حارسة، أو مدافعة عن شيء. كانت سجونة. وحيدة. لدهور — أطول مما استغرقته ممالك بأكملها لتولد، وتزهر، وتتفتت إلى رماد. مرتبطة بمرساة لحمية مغروسة في قطعة من نفسها سيحملها إنسان عادي، بعد قرون، عرضاً على ظهره دون أن يتخيل ماهيتها قط.
"أصبحت المنارة زنزانتي".
حمل الصوت ثقلاً هائلاً في تلك اللحظة. لا غضب. لا كراهية. وحدَة.
"والبحر، مهما كان واسعاً، يبدو صغيراً حين لا يمكنك مغادرته".
وهذا ما ضيق صدر أريوس. لا حجمها. لا القوة القادرة على إغراق القارات. الوحشة. قرون وراء قرون من الوحشة في شيء أقدم من أن يبكي، وأوسع من أن يسعَه أي عزاء. ثم التقت العينان الوحشيتان بعينيه ثانية.
"لكن الآن..."
بدأ المحيط يتحرك حولها. أخف. أحرر.
"صار تدفقي موجوداً بأكمله ثانية".
التفتت تيارات البحر ببطء حول الجسد الهائل، راقصة.
"يمكنني عبور البحار مرة أخرى. يمكنني أن أرى ما آلت إليه هذه الدار بينما كنت أتفسخ على هذا الصخر".
بقي أريوس هادئاً. ظل المطر ينهمر فوق المحيط اللانهائي. ثم قالت نيثارا شيئاً جعل الريح حول أريوس تضطرب بخفة.
"وقد حدث ذلك... بفضلك، يا ابن الريح".
حل الصمت ثانية. نظر الكيان العتيق الهائل إلى السماء المظلمة فوقهما. ثم إلى المحيط الهادر. ثم إلى أريوس — الصغير، الجريح، الواقف على الأنقاض.
"لذا، فقد قررت".
بدأ البحر يزأر ببطء حول المنارة. ليس بعنف — بل بشيء يشبه التوقع. وعد بتيار على وشك الانطلاق.
"أريد أن أتبع الدرب الذي ستفتحه في هذا العالم".
اتسعت عيناه أريوس. اقتربت نيثارا من الصخر. توقف الرأس الأفعواني الضخم أمامه، وعيناهما الوحشيتان تتوهجان بعمق وسط العاصفة.
"أريد أن أرى... إلى أي مدى يمكن لابن الريح أن يحمل التدفق".
بلع أريوس ريقه بجفاف. وحتى قبل كل ذلك — الحجم، القوة، العصور — طرح السؤال العملي الذي سيسأله رجل لا يزال عليه العودة لبيته.
"لكن... كيف؟"
نظر حوله، إلى المحيط اللانهائي في كل اتجاه.
"مملكتي على اليابسة. في شجرة، بعيدة من هنا. وأنتِ..."
تردد، "...البحر".
اهتز المحيط بخفة. ذلك الشيء الذي ربما كان ضحكة.
"ما زلت تفكر كشخص لا يرى سوى الجسد".
خفضت نيثارا رأسها قليلاً أكثر، حتى استطاع أريوس أن يرى انعكاسه المرتجف في إحدى العينين الهائلتين.
"الرابط لا يربط لحمين معاً، يا ابن الريح. إنه يربط تيارين. والتدفق لا يعرف المسافة بالطريقة التي يعرفها الجسد".
تغيرت الريح حول أريوس. بدقيقة. شعر بها — لا بعينيه، بل بهذا الحس الجديد، ذلك الخيط الذي أشعلته المعركة فيه. حضور. رفيع، بعيد، لكنه موجود. وكأن، مكان ما في عمق صدره، بوصلة ثانية قد ولدت، لا تشير إلى شمال، بل إليها.
"أينما ذهبتَ"، قالت نيثارا، "سيذهب جزء من تياراي معك. ستشعر بالبحر حتى بعيداً عن البحر. وإن احتجتني حقاً يوماً ما..."
توهجت العينان، "...سأعرف. وأينما وُجد ما يكفي من الماء ليحملني، سآتي".
أحضر أريوس يده إلى صدره، ببطء، مشعراً بذلك الخيط البعيد ينبض بخفوت، كمدّ نائم في داخله.
"وإن لم يكن هناك ماء؟"
"فلن تجدني".
جاءت الإجابة مباشرة، بلا قسوة، مجرد حقيقة.
"ستجد فقط ما تركه الرابط فيك بالفعل".
توقف.
"وهذا، مع الوقت، سيكون أكثر مما تتخيل. التدفق الذي يجري بجانب تياري لن يعود كما كان من قبل. ولا تدفقك أنت كذلك. ستلاحظ ذلك، شيئاً فشيئاً. ستجيب الريح بشكل مختلف. أعمق. كأنها تعلمت طعم البحر".
ظل أريوس صامتاً، مستوعباً ذلك. لم يكن جيشاً على طوق. لم يكن سلاحاً وحشياً تحت الأمر. كان شيئاً أغرب وأوسع: تياراً بعيداً يجري موازياً لتياره، يغيره ببطء بمجرد الجري بجانبه. أجابت الريح فوراً. تحركت المياه. تساقط المطر بغزارة أكبر. بدا المحيط بأكمله مهتزاً. وفي تلك اللحظة، شعر بها أريوس. كان الرابط بين اثنينهما يصبح حقيقياً. لم تكن سلسلة مثبتة في لحمها — العكس تماماً. تياران حران، يختاران، بإرادتهما، أن يجريا معاً.
لم يكن يفهم كل ما يعنيه ذلك بعد. لم يكن يعلم أن المصيرين، منذ ذلك الحين، سيجريان في المجرى نفسه — وأن الأنهار التي تجري معاً تجف معاً أيضاً. لم يكن يعلم الثمن الذي يدفعه التيار لعدم الجري منفرداً. لكن نيثارا كانت تعرف. كانت تعرف تماماً ما تضعه على المحك بقول تلك الكلمات. كانت تعرف، بوضوح بارد لشخص عاش لفترة أطول من اللازم، كل ما يُكسب وكل ما يُخاطر به في ربط تدفق المرء بتدفق كائن فاني، صغير، سيشيخ ويسقط بينما تمضي هي قُدُماً.
ومع ذلك، اختارت.