ديندرون: ملك الشجرة العظيمة الفصل 149 — ابن الريح

اقرأ ديندرون: ملك الشجرة العظيمة الفصل 149 — ابن الريح باللغة العربية على مانجا تايم.

سقط أريوس. تلاشى المصعد من تحت جسده دفعة واحدة. لم تكن هناك أيّ ذلzul في التيارات، ولا متسع لتصحيح وضعية جسده. في لحظة كان في الهواء، أمام عيني الأفعوان. وفي اللحظة التالية، صعدت الصخرة لتلاقيه. اصطدمت ركبته بالحجر أولاً. انفجر الألم في ساقه. ضربت إحدى يديه الأنقاض، مانعة وجهه من الارتطام بالأرض، بينما انتزع الارتطام ما تبقى من هواء ضئيل في رئتيه. حاول أريوس النهوض.

انثنت ذراعه. بقي على ركبتيه. جرى الماء المالح في شعره واختلط بالدم السائل على ذراعيه. التزقت ثيابه بجلدها الممزق إلى خرق. تألم جسده بأسره — العضلات، العظام، وكل جزء منه يطالب بالثمن دفعة واحدة مقابل الجهد العبثي في الدقائق الأخيرة. لكن شيئاً لم يؤلمه بقدر الصمْت من حوله. ظلّ المحيط هادراً. واصلت الأمواج تحطمها على أنقاض المنارة. ضرب المطر الحجارة ساقطاً بشكل شبه عمودي، من دون تيار يعصف به.

كان العالم كله يتحرك. ما عدا الرياح. داخل أريوس، ظل التدفق موجوداً. استطاع الشعور به يرتجف، مضطرباً، محاولاً الاستجابة للنداء. لكنه لم يخرج. لم يصل إلى الهواء. ولم يرفعه عن الأرض. وأمامه، كان الأفعوان قد تتبع سقوطه. هبط الرأس العملاق معه، محافظاً على تلك المسافة العبثية بين الاثنين. قريباً لدرجة جعلت أريوس يرى انعكاسه المشوه على الحراشف السوداء. قريباً لدرجة جعلت أنفاس الأعماق الباردة تضرب وجهه مع كل شهيق للمخلوق.

ظلّت العينان الوحشيتان مثبَتتين عليه. رفَع أريوس رأسه ببطء. لم يتبقَّ مكان للفرار. لم يكن هناك دفع يرميه إلى السماء، ولا تيار يحمله، ولا ضغط يكفي لفتح ممر بين الأمواج. لو ضرب، لَمات على ركبتيه. لكنه لم يضرب. تقلصت الحدقة الهائلة. على سطحها الداكن، رأى أريوس انعكاسه: صغيراً، ملطخاً بالدماء، منحنياً وسط أنقاض صخرة بالكاد نجت من الليل. راقبه الأفعوان. ليس كما فعل أثناء المطاردة.

لم يكن هناك عنف فوري لضربة جديدة، ولا حركة محسوبة لشيء يبحث عن أفضل زاوية للهجوم. وحقيقة أنه لم يهاجم — مع قدرته على محوه من الوجود بحركة واحدة — كانت أكثر رعباً من أي ضربة. لأنه كان يعني أن ذلك الكائن العتيق يفكر. وليس هناك ما هو أخطَر من قوة هائلة تقرر فجأة التوقف والتفكير. ثم تكلم. لم يبدو الصوت كصوت. بدا كالمحيط نفسه يصدح داخل العالم. عتيقاً. عميقاً. ثقيلاً بمعنى مادي — ضغط وكلمة في آن واحد، يتردد صداهما في صدر أريوس قبل أن يبلغا أذنيه حتى، كأن الكلمات وُلِدت في داخله لا أنها أتت من الخارج.

"أنت… ابن الرياح."

خفّت العاصفة ببطء حول الاثنين.

"لماذا لم تستخدم ذلك الرمح الحقير؟"

حلّ الصمت فوق المحيط، كثيفاً، مطلقاً. تجمد أريوس. تنفس بصعوبة بعد سماع صوت ذلك الكائن، ساحباً الهواء مرة أخرى إلى رئتين تحترقان بفعل القتال العنيف. ثم أدار عينيه، ببطء، نحو السلاح المغروز في الصخرة البعيدة. كانت النقوش لا تزال متوهجة هناك، خافتة، عنيدة، كجمر يرفض الموت. وأجاب. بسيطاً. بلا بلاغة، وبلا استراتيجية. الحقيقة وحدها.

"لأنه يؤذيك."

أبكم المحيط. ظلّت العينان الوحشيتان عليه لعدة ثوانٍ — طويلة، لا تنتهي. وكأن تلك الإجابة كانت الشيء الوحيد، في الوجود لا المحدود لذلك المخلوق، الذي لم يكن مستعداً له. وكأنّه سمع كل شيء، عبر العصور — التوسلات، التحديات، الصرخات، الطموحات — لكنه لم يسمع قط، ولا لمرة واحدة، تلك الإجابة. ثم اقترب. ببطء. ببطء شديد — والمحيط بأسره ينزلق معه، مسحوباً بكتلته، مَدّاً تحركه الإرادة لا القمر.

جعل الضغط الوحشي حجارة المنارة ترتجف بينما توقف الرأس العملاق أمام أريوس. قريباً بالقدر الذي يمكنه من تمييز تفاصيل مستحيلة، تفاصيل أخفاها البعد والرعب حتى ذلك الحين. لم تكن الحراشف السوداء مثالية. بعيداً عن ذلك. حمل الكثير من الجسد العملاق ندوباً هائلة، عتيقة، أخاديد امتدت لعشرات الأمتار. تشققت بعض الحراشف. وأخرى احترقت — التدمجت، التوت على نفسها، كأن النار التي مستها كانت قديمة وقاسية، ومصنوعة لتدوم.

وحينها رأى أريوس ذلك. علامة عميقة، بالقرب من الحلق. جرح قديم. أقدم من اللازم. النوع من الجروح الذي يتوقف عن النزف لكنه لا، ولا أبداً، يتوقف عن الإيذاء. لاحظ الأفعوان نظراته. وتكلم مجدداً.

"ذلك السلاح… وُضِع لتمزيق قلبي."

تحركت الرياح ببطء عبر حجارة المنارة المدمرة، مترددة.

"بشر قدماء. ملوك. صيادون."

حمل الصوت عصوراً من الكراهية والملل — وفي النهاية، مللاً أكثر من الكراهية، كأن الغضب نفسه قد شاخ.

"جاءوا بأعداد أظلمت البحر. بسحر نسيه هذا العالم. كل ذلك لأجل شيء واحد."

انزلقت العينان، بطيئتين، ثقيلتين، نحو الرمح المغروز بعيداً.

"لقد فشلوا."

توقف قصير.

"لكنهم سرقوا جزءاً مني قبل أن يموتوا."

لم تتحرك النظرة عن السلاح.

"القلب لا يزال هناك."

اتسعت عيناه أريوس. وفهم. لم يكن سلاحاً. لم يكن يوماً مجرد سلاح. لقد كان سجناً. وقد حمله على ظهره طوال هذا الوقت، تدرّب به، نام إلى جواره، دون أن يدرك أنه يحمل القلب المسجون لمخلوق حيّ. دون أن يعرف أنه في كل مرة يشهره، وكل مرة يجعله يصدح ويضيء، كان يعيد فتح جرح عبر العصور. وأن كل ضربة كانت، من دون علمه، تعذيباً مُسَلَّطاً عن بُعد على شيء لا يريد سوى أمر واحد مستحيل: أن يكتمل مجدداً.

بدأت الرياح تدور حوله بينما نهض أريوس ومشى، مترنحاً، نحو الرمح المغروز في الصخرة. كل خطوة كلفته غالياً — في منتصف الطريق، ضاعفه سعال جاف، وخرجت كمية معتبرة من الدم من فمه، ليجمع جسده ثمن الصدمات والجهد الذي تجاوز كل الحدود. بصق، تنفس، وتابع. راقبه الأفعوان في صمت مطلق. دون هجوم. دون إيقافه. دون عجلة. فقط… ينتظر. مثل شيء خُذِل مرات عديدة، عبر زمن طويل، لدرجة أنه تعلم ألا يفعل سوى المراقبة — لأن الأمل، بالنسبة لمخلوق كهذا، كان يؤلم أكثر من أي رمح.

قبض أريوس على السلاح. وشعر به فوراً. داخل الرمح كان هناك تدفق حيّ. لم تكن شعوذة. لم يكن ماناً عادياً، ذلك النوع الذي تعلم التعامل معه. بل كان شيئاً أعمق، أوسع، أقدم — محيطاً كاملاً مضغوطاً في نقطة واحدة، ينبض، يخفق، ويريد. يريد العودة للمنزل بإرادة نقية ويائسة للغاية لدرجة جعلت أريوس يشعر باحتراق عينيه، ولم يستطع الجزم إن كان ذلك من ألم جسده أم من هذا. ثم اتخذ أريوس قراراً.

بوووووووووووم. انفجرت الرياح من حوله. ركّز أريوس كل التدفق المتبقي لديه مباشرة في هيكل السلاح، وبدأت النقوش تتحطم، واحدة تلو الأخرى، متصدعة كجليد تحت ذوبان، بينما يتسرب الضوء الشاحب عبر الشقوق. ارتفع الضغط بصورة عبثية — الهواء، البحر، والحجر يتنازعون المساحة ذاتها، والعالم بأسره يتقارب على تلك الحفنة من المعدن الفضي. ثم انكسر الرمح. كرااااااااااك. اكتسح انفجار من التدفق المحيطي المنارة برمتها، وطارت شظايا السلاح فوق البحر، متلألئة.

وفي مركز الحطام، بقي شيء ما، طافياً. لاكريما زرقاء عميقة. لم تبدُ كبلور. لم تبدُ كحجر. تبدت كمحيط. محيط كامل مطوي، مضغوط، محبوس داخل حجم قبضة مغلقة — أمواج تتقلب في داخلها، تيارات حية، عاصفة أبدية محاصرة في حالة تعليق. ارتفع الماء حول المنارة فوراً. جُنّت الأمواج، محطمة بعضها ببعض. أظلمت السماء بالكامل، والغيوم تغلي. ولأول مرة، فقد الأفعوان رباطة جأشه الوحشية. ارتجفت عيناه.

ذلك الكائن العتيق، الهائل، القادر على إغراق ممالك كاملة وإجبار المحيط على الفرار من ذاته — ارتجف. أمام شظاية بسيطة من نفسه، متألقة في كف جريح لبشري بالكاد يستطيع الوقوف. نظر أريوس إلى اللاكريما لثوانٍ معدودات. وعرف، بوضوح، ما يعنيه ذلك. وما يمكن أن يعنيه. بتلك القوة في يده، قد يستطيع إخضاع البحر ذاته لإرادته. قد يقدر على جعل الأفعوان سلاحاً. خادماً. قوة هائلة مقيدة تحت أمره — الزمام والقلب في اليد ذاتها.

كانت تلك أقدم منطق في العالم، مكتوبة في كل إامبراطورية وُجدت يوماً: من يمسك بالقلب يأمر الجسد. في مكان ما من ذلك العالم، في تلك اللحظة بالذات، كان هناك بالتأكيد ملوك يفعلون ذلك تماماً، مع مخلوقات مقيدة تزأر في الأبراج المحصنة. لكن أريوس لم يأتِ إلى هنا طوال كل هذا الطريق لرفع عرش على ظهر أحد. لم تُبَنَ ديندرون لأجل ذلك. ولم يذهب لنهاية البحر لهذا. لذا رفَع يده ببطء.

وأعاده. بدا أن المحيط بأسره قد توقف. راقب الكيان العتيق الهائل أريوس في صمت مطلق بينما كان يعرض، بيد مفتوحة، القلب ذاته الذي انتُزع منه. بلا خوف — أو بكل خوف العالم، ويعرضه مع ذلك. بلا أي نية للسيطرة. بلا طلب أي شيء بالمقابل. بلا فخ، بلا تفاصيل مخفية، بلا دافع ثانٍ خفي تحت الأول. فقط يمنح ما لم يكن يوماً ملكه ليأخذه. ثم فتح الأفعوان فكه الهائل ببطء. طفت اللاكريما نحوه، جارية عبر المطر.

ومُتصَّصت. انفجر العالم. بووووووووووووووووووووووووووووووووووووم. انهار المحيط بأسره. مزقت أمواج عملاقة الأفق بينما انفجرت ضوء أزرق هائل من جسد الكيان، مضيئاً بحر الليل من طرف إلى آخر، محولاً الليل إلى نهار للحظة مستحيلة. بدأت الندوب تتلاشى. تجددت الحراشف المتصدعة، واحدة تلو الأخرى. الجرح القديم عند الحلق — ذاك الذي لم يتوقف قط عن الإيذاء — انغلق، أخيرًا، بعد عصور. وحينها زأر الأفعوان.

اخترق الزئير السماء بأسرها. انفجر تيار ماء عملاق بشكل عمودي، عمود سائل قادر على اختراق الغيوم ولمس ما يقع فوقها. ارتعج الفلك من أفق إلى أفق. بعيداً، في ديندرون، رفع الجميع رؤوسهم. على الأسوار المرممة. على الجسور المعلقة. في المصانع العائدة للحياة. توقف فيرخكا في منتصف خطوته، منسياً الفأس في يده. ضيق ساغيت عينيه ضد ظلام البحر، قابضاً قلبه كأب بطريقة لم يستطع تفسيرها.

كاستيل، ذراعه مضمّدة، حدق في الأفق البعيد دون فهم شيء — لكنه شاعر، في عمق صدره، بأن له اسماً. وبأن الاسم هو أريوس. وليس هم وحدهم. عبر القارة الهائلة، في جبال لم يتسلقها أحد، في غابات لم تسجلها أي خريطة، في أنقاض مغمورة لم يحلم أولئك الوافدون الجدد بوجودها — أشياء نامت لوقت طويل جداً فتحت عينيها متشققة. استيقظ شيء تلك الليلة، في نهاية البحر. وشيء ما، استجابة لذلك، استيقظ ليصغي.

ثم بدأ المطر بجد. ثقيلاً. عبثياً. كأن المحيط بأسره قرر السقوط من السماء. بقي الأفعوان بلا حراك، مراقباً أريوس، بينما ابتلعت العاصفة بقايا المنارة العتيقة. ثم تكلم مجدداً. لكن الصوت كان مختلفاً الآن — أقل عدائية، أقل ضغطاً وأكثر كلمة. أقدم. أكثر حياة.

"مسيرتك في هذا العالم… بالكاد تبدأ."

تحركت الرياح ببطء عبر المياه العنيفة حول الصخرة.

"لقد هزمتَ مجرد صورة رمزية لملك الهياكل العظمية. جزءاً يسيراً من قوته الحقيقية. ظلاً للظل."

بقي أريوس صامتاً، عيناه مثببتتان على الكيان الهائل، والدم والمطر يسيلان على وجهه.

"هناك أهوال في هذا العالم لا تستطيع حتى تخيلها، يا ابن الرياح."

مزقت البروق السماء فوقهم.

"المحيط. السماء. الأعماق. الملوك القدماء. الكيانات المنسية التي تنام، منتظرة يوم الاستيقاظ."

بدا أن ضغط الصوت يخترق البحر نفسه، ليبلغ قاعه.

"هذا العالم أسوأ بكثير مما تعتقد."

عاد الصمت. انهمر المطر فوق المنارة.

ثم سأل الأفعوان: "ومع ذلك… هل ستواصل السير؟ حتى دون فهم ما يثثل حقاً أمامك؟ حتى وأنت تعلم، الآن، أن كل خطوة للأمام هي خطوة أعمق في الظلام؟"

تنفس أريوس بعمق. متعباً. مجروحاً. منهكاً حتى الروح. لكن عينيه ظلتا ثابتتين، بلا ارتجاف. ثم أجاب.

"لا أعرف ما يدور هناك في هذا العالم بعد."

بدأت الرياح تدور حوله مجدداً، ببطء، عائدة تدريجياً.

"لكنني أعرف شيئاً واحداً."

حطمت الأمواج الصخرة.

"أريد حماية ديندرون. الأشخاص الذين يسيرون معي."

لم تتردد النظرة.

"ولست وحدي."

حل الصمت فوق المحيط. راقب الأفعوان أريوس لثوانٍ طويلة. كأنه يقيس شيئاً أبعد بكثير من قوته. أبعد بكثير من الرياح، أبعد بكثير من الجسد الصغير المكسور أمامه. كأنه نظر في داخله وبحث عن الكذب — ولم يجده. ثم — لأول مرة — بدا الكيان العتيق الهائل مبتسماً. ابتسامة عتيقة، يكاد لا يلمحها البصر، مفهومة بالحدس أكثر من رؤيتها، كتيار يغير مساره في أعماق الهاوية، حيث لا يصل نور.

"أرى."

بدأ المحيط يهدأ. انخفضت الأمواج.

العاصفة، شيئاً فشيئاً، أرخت قبضتها."

"إذن سأراقب."

توهجت العينان الوحشيتان بعمق، منارَتَيْن خاصتين في منتصف العاصفة المحتضرة.

"أريد أن أرى إلى أي مدى يستطيع ابن الرياح الذهاب."

انفجر التدفق. الرياح. المطر. البحر. بدا أن كل شيء يتصل للحظة مستحيلة — كأن، لكسر من ثانية، المحيط والسماء كانا الشيء ذاته، مادة حية واحدة، وأوقف أريوس تماماً في مركزها. في النقطة حيث يلتقي كل شيء. ~ أقرّ أفعوان البحر بأريوس رفيقاً له ~ زأرت السماء فوق المحيط. وواصلت العاصفة هطولها فوق العالم.