لم يتحدثوا عما رأوه وهم يغادرون القاعة. ليس فوراً. توقفَت لونا أولاً، عند الباب العظمي، وعلق بصرها بشيء وسط بقايا المخلوق — شيء لامسه ضوء الشعلة بعد أن بردت الكتلة تماماً. انحنت. وما جمعته من غبار العظام لم يكن عظماً. كان خاتماً. بسيطاً، من معدن مألوف، نحته الاستعمال. النوع الذي يضعه المرء في إصبع وينسى وجوده، إلى اليوم الذي يحده شخص في كومة مما تبقّى منه. لم تقل شيئاً.
لكن آريوس، بجانبها، تتبع نظرتها — ثم رأى البقية. وحالما عرف اين ينظر، كان موجوداً في كل مكان، مختلطاً ببياض العظام: شريحة قماش متعفنة. مشبك. سن كبيرة جداً، مربعة جداً، بشرية جداً بحيث لا تنتمي إلى أي حيوان. لم يكن المخلوق مكوناً من هياكل عظمية فحسب. كان مصنوعاً من بشر. كثيرين. ملتحمين، مضغوطين، مطويين الواحد فوق الآخر حتى توقف عن كون أي منهم وصار ذلك الشيء. لم يُجمع من بقايا مجهولة التقطت من على الأرض — بل صُنع، بقصد، من بشر كانت لهم أسماء يوماً، وإصبع عليها خاتم، وملابس على أجسادهم.
جمعه أحدهم. واستخدمه أحدهم. أجرب عليه، طبقة فوق طبقة، محاولاً بناء شيء يتعلم، ويعيد تنظيم نفسه، ويتحسن مع كل ضربة — وكانت المادة الخام لذلك التعلم هي الحياة. ديموس الوحيد الذي تحدث، وخرج صوته أجش، منخفضاً، يكاد لا يوجه لأحد.
"نحن لم نقتل ذلك الشيء."
بلع ريقه بجفاف.
"نحن فقط... أنهينا القتل."
لم يصححه أحد. لأنه لم يكن هناك تصحيح. أياً ما دمروه هناك كان قد قُتل قبلهم بوقت طويل — ولم يُسمح له فقط بالراحة. وهم، دون أن يدخلوا، وجهوا الضربة التي كانت ما تزال غائبة. أغلقت لونا يدها حول الخاتم. لم تسقطه. احتفظت به — ليس كغنائم، بل بالطريقة التي تحتفظ بها باسم لا تعرفه لكي يحمل أحدهم، يوماً ما، ثقله. وبهذا الثقل على ظهر كل منهم — أكثر من الإرهاق، أكثر من الجراح — استمروا.
لأنهم عرفوا الآن شيئاً جديداً عما ينتظرهم في الأمام. لم يكن خطيراً فقط. كان قاسياً بطريقة لم يمتلك أي منهم مفردات لتسميتها. وأياً ما فعل ذلك كان لا يزال في مكان ما، في الأمام، ينتظر.
بدا الطريق إلى القلعة الثالثة مختلفاً منذ البداية. مقاومة أقل. حركة أقل. وهذا ما أقلقهم بالضبط — لأن إرهاق المجموعة كان قد تعلم بالفعل توقع الأسوأ، والصمت حيث كان يفترض أن يكون هناك تهديد بدا فخاً لم يبدُ بعد. ظهرت الهياكل العظمية لا تزال. لكن ليس بالتدفق المستمر لما سبق، ليس كمد. ظهرت منعزلة — واحدة هنا، واثنان هناك، ضائعة بين جذور سميكة كالجذوع، وحجارة مكسورة، وهياكل معوجة تلتصق بفروع الشجرة الهائلة.
بلا تنسيق. بلا ذلك الشعور بأنه يتم جرها إلى مكان ما. راحت تهيم، أكثر مما تتقدم. والآن — بعد القاعة — لم يستطع أي منهم النظر إلى هيكل عظمي دون أن يتساءل لمن كانت تلك العظمة. أسقط فيرخا آخر بضربة قصيرة من الفأس، دون حتى أن يكسر إيقاع خطواته. لكنه تردد نصف ثانية قبل — شيء لم يفعله منذ الليلة الأولى.
"الأمر غريب."
"المكان فارغ،"
صحح ديموس، وعيناه تجولان عبر الظلال بين الجذور.
"الأمر أسوء."
لم يوضح فيرخا. لم يكن بحاجة لذلك. الفراغ، في تلك الليلة، طالما عَنَى أن شيئاً أكبر قد نظف الأرض أمامهم. لم يخالفه أحد.
الجسر المؤدي إلى القلعة الثالثة كان مختلفاً أيضاً. أو بالأحرى — ما بقي منه. امتدادات كاملة من الهيكل الخسبي لم تعد موجودة ببساطة، تاركة فجوات مفتوحة بين الأقسام الناجية. بعض الحبال السميكة كانت لا تزال تمسك المسار، مشدودة وتئز؛ وأخرى انقطعت، متدلية برخاوة في الفراغ، وأطرافها المنسلة تتأرجح في الريح. والفراغ، من هناك، بدا أعمق. مرت الريح بقسوة أكبر بين الفروع عند هذا الارتفاع، قاطعة، وجعلت ما تبقى من الجسر يئن ويصطك في نحيب مستمر يتغلغل في العظام.
كان كاستيل أول من عبر. كالعادة. ثقيلاً، راسخاً — لكن حتى هو أبطأ هذه المرة، مختبراً كل لوحة خشبية قبل أن يثق بثقله عليها. مال الخشب تحت حذائه، وانشقت بعض الألواح بالفعل من المنتصف، محليّة عن العدم أسفلها بين الألياف المتشظية.
"لا تخطُ في المنتصف،"
قال ساغيت، مباشرة خلفه.
"الخشب يتداعى في المنتصف. قدماك على الحافة، قرب الحبال."
تقدم فايرون بعيناه في كل مكان — ليس فقط للأمام، بل لأعلى، لأسفل، نحو الأجناب. غريزة الصياد، تقرأ التضاريس قبل أن تقرأه التضاريس.
"هذا لم يكن بلى،"
قال. سماع آريوس. ووافق، بصمت، لأنه لاحظ ذلك أيضاً. لم تكن العلامات على الجسر ناتجة عن الزمن. بعض الألواح سحقت — منهارة للداخل وكأن ثقلاً هائلاً داس عليها كلها دفعة واحدة. وأخرى قطعت. ليست قطوطاً نظيفة. أخاديد عميقة، غير منتظمة، ممزقة الخشب قطرياً، وكأن شيئاً أكبر من أن يُحتمل فرض مروره من هناك دون أن يعبأ بما دمره في طريقه. لم يقل شيئاً. بل احتفظ به فقط — قطعة أخرى للكومة التي كانت تنمو بداخله منذ القلعة الثانية.
والتي الآن، بعد الخاتم في يد لونا، أصبحت تزن بشكل مختلف.
عندما بلغوا الطرف الآخر أخيراً لم يتكلم أحد لبضع ثوان. لأن القلعة كانت مهدمة. لم تكن متضررة جزئياً. لم ينل منها الزمن كما نال من كل شيء في ذلك المكان الميت. كانت مهدمة تماماً. أحد الأبراج الرئيسية لم يعد له وجود بكل بساطة. وما تبقي منه تناثر على الأغصان في الأسفل أحجار وأخشاب وهياكل معدنية ملتفة امتزجت في ركام هبط على طول الشجرة حتى اختفى في الظلام. الجدار الخارجي انهار تماماً على امتداد قطاع منه ليفسح المجال لثغرة عملاقة في الجانب كأن شيئاً عبر الحجر دون أن يبطئ سيره.
ودون أن يتردد. ودون أن يلحظ المقاومة حتى. وكانت الآثار ماثلة في كل مكان. شقوق. صدمات. أخاديد عميقة تمزق الحجر الصلد كأنه صلصال. البوابة الرئيسية كانت مفتوحة. أو بالأحرى خلعت من مكانها. أحد النصفين كان ملقى قرب المدخل وقد تشوه للداخل والتفتت مفصلاته المعدنية السميكة مثل الأسلاك. أبطأ فاهلين خطاه وجال بصره في المشهد ببطء.
"هذا المكان..."
لم يكمل عبارته. ولم يكن بحاجة لذلك. كانت لونا ترقب الأرض. ثمة بقايا مبعثرة هنا ولكن ليس كما في القلاع الأخرى. الهياكل هنا لم تكن قائمة ولا منظمة ولا منتظرة. كانت محطمة. ممزقة. مبعثرة في قطع دقيقة للغاية كأنما دمرت دون أدنى عناء كأنما اكتسحها شيء لم يعدها حتى مجرد عقبة. ودون قصد منها أخذت تبحث بينها عن خواتم وأبازيم وأسنان. صار هذا رد فعل تلقائياً الآن. ولم يعد يفارقها.
قالت بصوت خفيض: "لقد دارت معركة هنا".
أجاب ساغيت: "معركة ضارية".
اقترب من إحدى العلامات على الجدار ومرر يده ببطء على السطح المدمر. كان الحجر حول الضربة مهشماً للداخل ومصاباً بشقوق شبكية تعكس قوة غاشمة. أما مركز الوقع والنقطة التي ضرب منها الشيء أول مرة فكانت نظيفة. دقيقة. أنيقة تقريباً في عنفها.
قطب جبينه: "لم يكن مخلوقاً صغيراً. ولم يكن غبياً".
قال فيرخكا وهو يحدق في الهياكل المحطمة عند قدميه: "تلك الأشياء حطمناهم بجهد. ومن فعل هذا هنا لم يتصبب عرقاً حتى".
سار أريوس ببطء في الساحات المدمرة وكان الهواء يروي له نسخته الخاصة من القصة. ما زال يحتفظ بآثار لا لموت حديث ولا للقتال الذي خاضوه أنفسهم لساعات بل لحضور ما. لشيء قوي. لشيء عنيف. أثر لم يترك على الأرض بل على الهواء ذاته وكان كثيفاً بما يكفي لينجو من الدمار المحيط به. جعل شعر ساعديه يقشعر بطريقة لم تفعلها الهياكل قط. أياً كان ذلك الشيء فمن رتبة أخرى. توقف كاستيل عند الجدار المكسور مواجهاً القطع الهائل الذي عبر البنية من جانب إلى آخر.
قال: "كانت تلك ضربة واحدة".
صمتاً ثقيلاً. رفع ديموس عينيه. جزء من سقف القلعة الداخلي قد اختفى كاشفاً عن أغصان الشجرة العملاقة في الأعلي حيث تضيع في الظلام. تقاطعت الجذور في الداخل كعروق سميكة مخترقة الجبار وابتلعة الممرات ومستعيدعة القلعة لنفسها. المكان تعرض للضرب ثم ترك ليتفن وحده وتهجره حتى الكائنات التي حطمته.
سأل فايرون: "إذن أين الرئيس؟"
لم يجب أحد فوراً. لأن الجميع وصلوا إلى السؤال ذاته وكان أسوأ من الأول. إذا كان كل هذا قد تسبب فيه صاحب المكان فمن ذا الذي فعل به هذا؟ كان ساغيت أول من تكلم. بصوت خفيض.
كأنما يحدث نفسه ويفكر بصوت عال ليقنع عقله لا المجموعة: "لقد تقاتلا".
التفت إليه أريوس: "ماذا تعني؟"
أشار ساغيت نحو الساحة المدمرة والممرات المحطمة والعلامات التي تمزق الحجر في اتجاهات مختلفة كأن قوتين اصطدمتا وتعاقبتا في المطاردة عبر القلعة بأكملها.
"هذا ليس غزواً. الغزو له اتجاه واحد يأتي من جهة ويتجه نحو المركز".
رسمت يده الفوضى في الهواء.
"هذا من الجانبين. في كل الاتجاهات".
ضاقتا عيناه: "إنه نزاع".
تقاطع ذعرا فيرخكا: "بين وحوش؟"
صحح ساغيت: "بين قادة".
عاد الصمت. لكنه كان مختلفاً هذه المرة. أعمق. لأن تلك الكلمة غيرت كل شيء. لم تكن الهياكل مجرد مخلوقات تطيع أمراً أعمى وتمدداً طائشاً. إن وجد قادة وإن وجد من يتنازعون على النسق ويخترقون الجدران للوصول إلى منافس فثمة إرادة. هرمية. استراتيجية. ربما طموح أيضاً. ومن يملك طموحاً يملك خططاً والخطط لا تنتهي في قلعة واحدة. وشعر أريوس بالفكره تتسلل باردة: من يصنع جنوداً من بشر أحياء لا يفعل ذلك مصادفة.
يفعل ذلك طلباً للقوة. ميزة في حرب ما. هذا ما وجد ذلك الشيء من أجله في القاعة. نظر فاهلين مجدداً إلى الدمار وتغير شيء في وقفته توتر شخص يدرك أن اللعبة أكبر مما ظن.
"إذن أحدهم خسر".
أجاب أريوس وعيناه ما زالتا تجوبان القلعة الميتة: "نعم. وأحدهم ربح. وما ربح خرج من هنا على قدميه".
عبرت الريح الأنباض في تلك اللحظة عابرة الممرات المكسورة والثغرات المفتوحة لتنتزع من الحجر المدمر صوتاً غريباً طويلاً وأجوف تشكله الفجوات المنكسرة. يشبه صدى بعيداً. يشبه صوتاً لم يكتمل ليصبح صوتاً حقاً. لم يعلق أحد. لكن عديدين نظروا في الاتجاه ذاته وفي الوقت ذاته قبل أن يخفت الصوت. بقيت المجموعة ساكنة لبضع ثوان. ترقب. تشعر. تحاول قياس حجم الأمر وتدرك عجزها. إلى أن بدأ كاستيل يسير مجدداً.
بخطى ثقيلة ومباشرة. طريقته في انتشال المجموعة من الشلل عبر الحركة لا الكلام.
"لا يهم من ربح".
توقف عند فم البوابة المخلوعة ناظراً في القلعة الميتة.
"إن كان حياً فهو لا يزال أمامنا. في طريقنا".
أخرج فيرخكا الهواء من أنفه ضحكة ساخرة بلا فكاهة: "منطقي".
أعاد ضبط الفأس.
"على الأقل مهد لنا الطريق".
قال ديموس وقد ظلت كلمتا مهد لنا عالقتين تذكران الجميع بحجم ما رأوه للتو، ومع ذلك عدل السيف على ظهره: "لنستمر".
بقي ساغيت لحظة أخرى أمام العلامات على الجدار ويده قرب الأخدود النظيف في وسط الاصطدام. يفكر. يحسب. يبحث كعادته عن إجابة ترتب العالم مجدداً في نسق يفهمه. لكن هذه المرة لا إجابة جاهزة. بل يقين جديد بارد يستقر في صدر كل منهم وهم يعبرون البوابة المدمرة: تلك المملكة الميتة ما زالت تتحرك. بمفردها. بإرادة خاصة بها. وقد وطئوا لتوهم قلب حرب كانت قائمة قبل وصولهم بزمن طويل ومن الواضح أنها لا تحتاج إليهم لتستمر.